أعلنت الحكومة التركية عزمها إعداد مشروع قانون يمنح المفتين حق تسجيل عقود الزواج، الحق الذي كان مقتصراً في السابق على موظفي البلديات المختصين. المفتي هو عالم مؤهل فقهياً لإعطاء الفتوى، طبقاً لنظام هيئة الشؤون الدينية، الجهة المسؤولة عن ما يتعلق بالدين الإسلامي، دين الأغلبية الساحقة من الأتراك. أما مسجل عقود الزواج في البلدية فموظف مدني، يشترط فيه معرفة القانون لا الفقه.
للوهلة الأولى، لا يجب أن يثير هكذا مشروع قانون أي اهتمام يذكر؛ فسواء قام المفتي بالتسجيل أو الموظف المدني، فالمهم في النهاية أن يكون العقد قانونياً ومدرجاً في سجلات الدولة، بحيث يوفر الحماية المتوقعة لطرفي الزواج عند الحاجة. ولكن الأمر ليس كذلك في تركيا؛ فهذه دولة تستند منذ عشرينيات القرن العشرين إلى نظام علماني خاص. لم تقم الدولة الجمهورية بتوحيد الجهاز القضائي في البلاد ضمن مظلة المؤسسة القضائية المدنية وحسب، بل وألغت القضاء الإسلامي وجردت مؤسسة العلماء من أية سلطة قانونية. وهذا ما يجعل مشروع القانون الجديد محل خلاف كبير، ومحلاً للجدل حول التصورات المختلفة للعلمانية وكيفية المواءمة بين النظام العلماني ومعتقدات الناس ومواريثهم.
ما يقوله المعارضون أن مشروع القانون، الذي لم يكشف عن نصه بعد ولا عرض على البرلمان، يضعف الأسس العلمانية للدولة التركية. المفتون هم رجال دين، يشير هؤلاء، ورجال الدين في الجمهورية التركية يجب أن يقتصر دورهم على المجال العبادي الخاص للأفراد؛ بينما يتعلق عقد الزواج بالبنية القانونية للدولة، ويتصل، بالتالي، بالمجال العام، المفترض أن يقع خارج اختصاص رجال الدين. إضافة إلى ذلك، فإن منح المفتين سلطة تسجيل عقود الزواج قد يهدد بعضاً من الشروط القانونية التي شرعتها الدولة للسماح بالزواج، مثل السن القانونية، سيما للفتيات، اللواتي تنزع بعض المناطق المحافظة في تركيا لتزويجهن قبل بلوغ السن القانونية. بكلمة أخرى، ينظر المعترضون بقدر كبير من الشك لولاء العلماء المسلمين لتشريعات الدولة التركية، ويرون أن لدى العلماء استعداداً أكبر لتجاهل بعض هذه التشريعات، خاصة تلك المتعلقة بالأحوال الشخصية، التي كانت إدارتها حكراً على مؤسسة العلماء قبل ولادة الجمهورية واعتمادها النظام العلماني.
المسألة التي يغفلها أنصار مشروع القانون الجديد ومعارضوه، على السواء، أن الزواج في التقاليد الإسلامية هو شأن مدني أصلاً، لا يحتاج إتمامه إلى مؤسسة دينية. كون عقد الزواج يستند أحياناً إلى مذهب فقهي معين، لا يعني أن العقد لا يصح إلا بوجود رجل دين، ومباركة مؤسسة دينية ما. في أصله، عقد الزواج هو مثل أي عقد آخر؛ ويقوم حتى بدون تسجيل، كما كان عليه الأمر في قرون الإسلام المبكرة، عندما لم تكن هناك أوراق ولا سجلات دولة؛ بالرغم من أن التسجيل، الذي تطور مع تطور مؤسسة الدولة، أكثر ضمانة لحقوق الأطراف. في النظام العثماني، الذي صاغ ثقافة وتقاليد مجتمعات المشرق الإسلامية لمئات السنين، لم يكن ثمة ثنائية قانونية، دينية ومدنية، حتى عصر التنظيمات العثمانية، أو ما يعرف ببداية التحديث، في القرن التاسع عشر. ولكن، ومنذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، ولدت محاكم مدنية، أوكل لها إدارة قطاع ملموس من المعاملات؛ بينما ظلت الأحوال الشخصية، بما في ذلك مسائل الزواج والطلاق والمواريث، ضمن اختصاصات القضاء الإسلامي، الذي يقوم به قضاة تلقوا تعليماً فقهياً إسلامياً.
ألغت الدولة الجمهورية القضاء الإسلامي برمته، وجعلت التشريعات التي تسنها الدولة المرجعية الوحيدة للمؤسسة القضائية. وبدلاً من مشيخة الإسلام، التي تمتعت بسلطات كبيرة، حتى بعد التحديث العثماني، أوجدت الدولة الجمهورية هيئة الشؤون الدينية، المرتبطة مباشرة برئاسة الوزراء. تدير الشؤون الدينية المساجد، وتشرف عليها، وتعين المفتين، الذين يمكن أن يلجأ الفرد لاستشارة أحدهم إن أراد. وكما هي مؤسسة الإفتاء في التاريخ الإسلامي، لا يتمتع المفتي بأية سلطة تنفيذية، وللفرد ان يأخذ برأي المفتي الذي استشاره، أو يتجاهله. القضاء الإسلامي، الذي امتلك سلطات فرض أحكامه، اختفى ولم يعد له من وجود.
والمؤكد أن الدولة الجمهورية لم تكن أول من أقصى العلماء عن مهمة إنجاز عقود الزواج؛ إذ يعرف مؤرخو الدولة العثمانية المتأخرة أنه ما إن ولد نظام البلديات في ستينيات القرن التاسع عشر، حتى أعلنت السلطات العثمانية أن تسجيل عقود الزواج أصبح من حق البلدية وليس القضاء الإسلامي. ولكن عموم المسلمين، الذين اعتادوا عقد الزواج لدى القاضي، كانوا يذهبون أولاً إلى مقر البلدية للتسجيل، إطاعة لأوامر الدولة الحديثة، ويعرجون، من ثم، على مكتب القاضي للتصديق على العقد، ظناً منهم أن الشرعية والرعاية الإلهية تجلب فقط بمباركة القاضي. بإلغاء الدولة الجمهورية القضاء الإسلامي، استمر الكثير من الأتراك، سيما في مدن وبلدات الأناضول المحافظة، في الاعتقاد بالعلاقة بين تصديق القاضي وإقرار شرعية العقد واستحقاق الرعاية.
ولأن القضاء الإسلامي لم يعد له من وجود، اعتاد الأتراك الذهاب إلى المفتين للتصديق على العقود، بعد تسجيلها لدى السلطات المدنية. بمعنى، أن الثنائية في تسجيل عقود الزواج لم تنته، حتى بعد مرور أكثر من تسعين عاما على فرض الدولة الجمهورية سيطرتها. لسبب ما، لم تستطع قوة الدولة وقوانينها القضاء على التقاليد أو محوها. ولكن هذا لا يعني أنها أكثر من تقاليد، لأن شرعية عقد الزواج تقوم بالفعل، حتى من زاوية النظر الإسلامية البحتة، بغض النظر عن الشخص الذي يقوم بعملية التسجيل، سواء كان موظفاً مدنياً أو مفتياً في هيئة الشؤون الدينية.
إن أقر مشروع القانون محل الجدل، فلن يتغير الكثير في واقع الأمر. ما سيتغير أن الناس سيمنحون حرية الاختيار بين التسجيل لدى المفتي، في مكتبه التابع لهيئة الشؤون الدينية، أو التسجيل لدى الموظف المدني المختص في مبنى البلدية. في النهاية، يعتبر العقد شرعياً في الحالتين، وسيكون لدوائر الدولة المسؤولة، ولهذه الدوائر وحسب، مهمة حفظ العقد في سجلاتها، وإتاحته للجهات ذات العلاقة عند الحاجة.
هناك نموذجان رئيسيان للتعامل مع الزواج في الدول العلمانية الغربية، حيث ولد النظام العلماني أصلاً: الأول، ويوجد في بريطانيا والولايات المتحدة، حيث يسمح بالزواج الكنسي، إلى جانب الزواج المدني، ويتمتع قساوسة معينون بحق تسجيل عقود الزواج، تماماً مثل المسجلين المدنين.
أما الثاني، فيوجد في فرنسا، حيث لا يسمح بالزواج الكنسي أصلاً، وليس هناك شرعية لعقد الزواج إلا إذا أجراه المسجل المدني المختص. ولدت العلمانية في بريطانيا والولايات المتحدة، وتفهم، بصورة مختلفة عن فرنسا؛ ويمكن وصف النموذج البريطاني ـ الأمريكي بأنه أقرب إلى حياد الدولة، بينما تتصف العلمانية الفرنسية بتغول الدولة وسعيها المديد إلى الهيمنة على الموروث الديني وتهميشه. ولكن المهم، أن السماح بالزواج الكنسي، وتمتع القساوسة بحق تسجيل عقود الزواج، لم يقوض من علمانية بريطانيا والولايات المتحدة ولا أعاد أياً منهما إلى عهود سيطرة الكنيسة وعلو المؤسسة الدينية على مؤسسة الدولة. ما أفضى إليه النظام البريطاني ـ الأمريكي هو تعزيز قيم الحرية واحترام المعتقدات الشخصية للأفراد. وهذا، على نحو ما، الخيار الذي يطرحه مشروع القانون الجديد حول تسجيل عقود الزواج على الأتراك.
٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث
د. بشير موسى نافع
الزواج المدني افضل بكثير من الزواج الكنسي او تحت امرة رجل الدين الاسلامي ففي الاول لن يسالك عن مذهبك او عقيدتك او دينك وهذا يجعل كل المواطنين بالدولة سواسية امام القانون ولكن ان ذهبت للكنيسة للزواج فسيسالك القس او الراهب هل انت او من تريد الزواج منها من نفس الطاءفة او الدين هل تم تعويذك انت او من تريد الزواج بها سواء بنفس الكنيسة او باخرى ولو تم الزواج باذن قاضي شرعي شيعي او سني ستاتيك الاستفسارات من كك حدب او صوب كل ما في الامر تركيا تتجه لالاسلمة وليس لالاسلام
طرح جميل ومحايد
لو كان الزواج المدني يعتمد على الولي والمهر والإيجاب والقبول مع شاهدين إثنين فلا فرق بينه وبين الزواج عند المفتي أو القاضي الشرعي
ولا حول ولا قوة الا بالله
المقارنة بين ما يجري في بريطانية ( أعرق الديمقراطيات الحديثة، ومن أعمدة الحضارة والثقافة الغربية ) وفرنسة (أعتى الدول الغربية في التصدي لكل المعتقدات والموروثات الدينية ) تلخص واقع الحال الذي تتأثر به باقي الدول والثقافات التي تقاطع تاريخها – أفقياً ورأسياً – مع الدول الغربية.
الواقع أن القليل من مثقفينا من ينتقد إجراءات إتمام الزواج في بريطانية أو فرنسة; ربما لتسليم البعض بأن ذلك لا يخصنا، أو لأن البعض الآخر يسلّم ب ” تقدمهم” و” تأخرنا” .. على أن عرض الدكتور بشير نافع لتطور الوضع في تركية يتبع التحليل العلمي الموضوعي باعتبار أنّ الموقف الحالي هناك هو نتيجة التطور التاريخي والثقافي لسكان تلك المنطقة، وإن كان خيارهم الاحتفاظ بالبعد الديني في مراسم الزواج ..وهكذا فإن القول بأن ‘ الزواج العلماني هو الأفضل: ‘ حيث لا يُسأل الناس عن ديانتهم أو مذهبهم – أو ربما هويتهم الجندرية، إذا أردنا مسايرة “علمانيي ما بعد الحداثة – هو رأي الأقلية، حيث أنه كما يقول الدكتور بشير فإن الغالبية العظمى من الأتراك لا تزال ترجع للمراجع الدينية لتوثيق الزواج، وإن كانت الدولة قد أدخلت الزواج’ المدني ‘ منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفرضته منذ أكثر من تسعين سنة..
يتشدق من يدعون العلمانية بقيم ‘ التقدم ‘ و ‘التحضر’ ويتهمون من يحترمون ثقافات الشعوب بالتأخر والجهل، والواقع أن ” الديمقراطية ” تعني الخضوع لرأي الأغلبية – بل لحكم وقوانين الأغلبية -، ولنا في انتخاب ترامب وفي البريكست (خروج بريطانية من المنظومة الأوروبية) مثالان على ذلك من الأمس القريب..
يتهم العلمانيون ومدعّوا الحداثة من يدافع عن حرية الناس الثقافية والدينية بالتطرف، ولا يرون الخشبة في عينهم – مقارنة بالقذى في عين من سواهم- ، فإن تخيْلهم أنّهم أذكى وأعلم وأكثر ” تحضّراً ” ممّن سواهم مع تواضع أو انعدام معرفتهم بالأسس الحضارية والفكرية والثقافية لشعوبهم هو قمة الجهل.. كما أن محاولة استيراد أفكار أو قيم من مجتمعات تطورت في أجواء وأزمان مغايرة هو من باب الخلط والتغليط، فإن كانت بريطانية العريقة المحافظة، التي لا تبعد عن جارتها فرنسة سوى 21 ميلاً (٣٤كم) وتختلف عنها ثقافة وقانوناً ولغة وتاريخاً – ولا ننسى شطط فرنسة في “العلمنة” – فلماذا يدعوا أساطين العلمانية والحداثة بين ظهرانينا إلى اتبّاع المثال والثقافة والنظام والقانون الغربي، معلى حساب قانوننا – الذي هو أساس القانون الفرنسي الذي أعدنا استيراده، والذي يعترف به المشرّع الأمريكي من حيث نقش اسم رسول الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام على مدخل المحكمة العليا الأمريكية عام 1935 كأحد أعظم مشرعّي البشريّة – …
لعل تجهيل أجيالنا بموروثهم الثقافي والتاريخي من خلال المناهج التي أدخلها المستعمر واستمرت في حشو أدمغة الأجيال فيها أنظمة جاهلة متخاذلة، فيما تتشرب حواسّنا بتفاهات الإعلام الرسمي ونفايات ما يعرض على التلفاز من منتجات البرامج والأفلام الغربية المصنوعة أصلاَ لجمهورهم، والتي يُنظر إليها غالباً كملهاة – حيث تكون المؤسسات التعليمية قد أدّت واجبها في تأهيل أجيالهم لما ينفع…
لدينا مثقفين ملتزمين، وإن كنّا كأمّة لا زلنا نرتع في الجهل، ونعلم أن من يقرأ للدكتور نافع هم القلّة، ولكن هكذا مقالات تبعث فينا الأمل، حتى لو حرّكت مياهاَ راكدة، مع أملنا أن تفعل أكثر من ذلك بكثير، كما ينبغي لها أن تفعل…
تحياتي أخ أبوعبدالله الشامي UK
تعليقك اليوم لا يقل أهميه عن مقال الدكتور بشير(بغض النظر عن الأتفاق معها أو الاختلاف)
أما رأيي بصراحه حول الموضوع هو أن تركيا دوله علمانيه بدرجه لا تقل عن بعض الدول الغربيه، يحدث خلط عند البعض وعدم التمييز بين طبيعه شخصيه الرئيس اوردغان وبعض رجال الحكم هناك (التدين كممارسه) وبين قوانين الدوله التركيه العلمانيه، فيسبغون على تركيا صفه الدوله ألاسلاميه لمجرد أن الرئيس ملتزم دينيا وتصريحاته وبعض ألمواقف له وهذا غير صحيح ولا يغير من حقيقه علمانيه تركيا.
عفوا، تتمه ،أردت فقط الإشاره إلى أجابه لسؤال وجه لاوردغأن حول علمانيه الدوله التركيه وجوابه الصريح عن علمانيه تركيا وذلك في مقال اليوم للكاتبه الكبيره القديره لينا أبو بكر..
للاجابة على عنوان هذا المقال،يلزم التذكير أوّلاً : ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟
1-لأن، يكتنفُ استخدام مفهومَي «الدولة المدنية» و«الدولة العلمانية» في خطابنا العربي اليومي غموضٌ وخلطٌ وملابسات ولا توجد أية رغبةٍ في قطيعةٍ مع فلسفةِ وتكوينِ المدرسة العربية الحالية التي انجبت اجيالاً تعلموا الخضوع للجلاد، وترعرعوا في ثقافة ظلامية للكون والحياة، وحافظوا على سمعة تخلفنا العلمي والاجتماعي والحضاري.
2-الدولة العلمانية «دولةٌ تفصل بين السلطات السياسية، والمالية، العلمية، والدينية. تُخضِعُها جميعاً للقانون المدنيّ الذي يحدِّدُ أدوارها وميثاق علاقاتها».كلمة «الفصل» هنا ليست شديدة الأهمية فقط، لكنها بيت القصيد… ثمّة مبدآن علمانيان جوهريان ينبثقان من هذا الفصل:
3-المبدأ الأوّل: تفصلُ الدولة العلمانية بين مجالين مختلفين في حياة الناس: العام والخاص. المجال العام (الذي يضمّ المدرسةَ، والفضاءَ المدني عموماً) مكرّسٌ لما يخدم جميع الناس، بغضّ النظر عن أصولهم وألوانهم ومعتقداتهم الدينية أو ميولهم الإلحادية. لا مرجعية فيه لأي دينٍ أو فلسفةٍ إلحادية. أما المجال الخاص فيستوعب كلَّ المعتقدات والرؤى الشخصية، دينية كانت أم لا دينية أو إلحادية.
المبدأ الثاني: تضمنُ الدولة العلمانية المساواة الكلية بين كل المتدينين بمختلف مذاهبهم، واللامتدينين والملحدين أيضاً. تدافع عن حريتهم المطلقة في إيمانهم أو عدم إيمانهم (حريّة الضمير) وتحترمها بحق.
4- أنا في تقديري، أن أحد أبرز الانجازات الحضارية للدولة العلمانية إلغاؤها المطلق لِشرعية أية «فتوى» دينية أو سياسية كما ازدحم تراجيدياً بذلك تاريخُ «فتاوى» الكنيسة في أوربا…