الفدائي الجديد

حجم الخط
13

انتظرهم باسل الأعرج في شقة صغيرة في مخيم قدورة، بين البيرة ورام الله. وبعدما قتلوه، وجرّوا جثته على الأرض واختطفوها، لم يعثروا في شقته سوى على مجموعة من الكتب والمجلات وكوفية وبندقيتين. وكان دم الشهيد يبقّع الأرض ويصبغ الكلمات بالمعاني.
كان باسل يقرأ غرامشي كي يقارن بين ملامح المثقف العضوي الذي صاغه هـــذا الثائر والفيلسوف الإيطالي، وبين ملامح «المثقف الفلسطيني المشتبك» الذي بدأ باسل الأعرج يتلمس ملامحه من خلال تجربته وتجربة رفاقه في الحراك الشعبي الشبابي الفلسطيني.
أطلقوا على مجموعتهم اسم «الحراك الشعبي الشبابي»، وابتعدوا عن المناخات القديمة والأسماء التي فرغت من الدلالات وابتذلتها التنازلات وأوهام السلطة. مجموعات من المناضلين لا نعرف أسماءهم ولم نرَ وجوههم.
ومثلما فعل أسلافهم الفدائيون الذين غطّوا ملامحهم بكوفية ثوار 1936، تغطّى الفدائيون الجدد بالعمل السرّي، وبالتصويب على العدو الرئيسي الذي يتجسد في الاحتلال الإسرائيلي وفي الدولة الصهيونية.
«المثقف المشتبك» عند باسل الأعرج يذكّرنا بقصة «زمن الاشتباك» لغسان كنفاني. فالاشتباك يتم في لحظتين متكاملتين: الالتحـــــام بالناس، ومواجهة العدو المحتل. عرف باسل ورفاقه منذ اللحظة الأولى أن «كل البنادق يجب أن توجه نحــــو العــــدو» لم يملكوا سوى إرادتهم وقرارهم بالدفــــاع عن حقهم في الحياة.
كان باسل حالماً، فالثورات لا تبدأ إلاّ بالذين يحوّلون الحلم إلى ممارسة نضالية. وكان يعرف أنه محاصر بزمن التدجين والخوف. فاقترح على «المثقف المشتبك» أن يبدأ من لحظة نضال فردية لا بد من عبورها وعبور صحرائها كي تُشعل الشرارة السهل بكامله.
في مواجهة سياج التدجين الذي بنته السلطة التي لا تزال تتمسك بالوهم، وأمام جدران الخوف التي سيّجتها نماذج القمع الوحشي الذي يفكك دول المشرق العربي، وكردة فعل على هول النكبة التي تستمر في القدس وبقية أنحاء الضفة الغربية حيث يجد الاحتلال نفسه متحرراً من أي عائق يتصدى لجنونه، ولد المثقف الفدائي من جديد. قرّر هذا الصيدلي الشاب، وهو يشهد كيف وُوجهت انتفاضة السكاكين العفوية والفردية بالقمعَين الإسرائيلي والسلطوي، أن يتوّج هذه الانتفاضة اليتيمة بفعل ثوري يعطيها دلالاتها بصفتها مخاضاً طويلاً من أجل ولادة الفدائي الفلسطيني الجديد.
بدأ مسار اغتيال باسل الأعرج حين اعتقلته السلطة مع رفاقه: محمد حرب ومطلع سياج وسيف الإدريسي ومحمد السلامين وعلي دار الشيخ في نيسان / أبريل 2016 بتهمة الإعداد لعملية ضد المستوطنين، فتعرضوا للتعذيب، ولم يُفرَج عنهم إلاّ في كانون الأول / ديسمبر بعد إضرابهم عن الطعام، لكنهم أُحيلوا على محكمة الجنح في رام الله بتهمة حيازة سلاح غير مرخص. ومنذ لحظة إطلاقهم بدأت مطاردتهم من طرف جيش الاحتلال الإسرائيلي، فاعتُقلوا جميعاً باستثناء باسل الأعرج الذي نجح في الاختفاء.
فجر الاثنين 6 آذار / مارس 2017، اقتحمت قوات الاحتلال التي دخلت إلى المنطقة «ألف» التي من المفترض أن تكون تابعة للسلطة الأمنــــية الفلسطيــــنية، المنزل حيث اختبأ الفدائي، وقامت بإعدامه رمياً بالرصاص قبل أن تُصدر محكمة رام الله حكمها عليه!
ينتمي هذا الفدائي الشهيد إلى سلالة «العادلين»؛ إنها سلالة الثوريين الذين لم تلوّثهم السلطة أو المال. عادلون يناضلون من أجل العدالة للمضطهدين والمقموعين، ولا يأبهون لعدالة مجرمي الحرب الذين نصّبهم زمن الخنوع في موقع القضاة.
في وصيته، كتب الشهيد بلاغة الصمت الذي يحوّل الكلمة إلى فعل، وأمام جثمانه قال والده للضابط الإسرائيلي: «الله يرضى عليه، عمري ما شفتو أحلى من اليوم».
لم يقضِ باسل في اليأس، بل في ما بعد اليأس، هناك حيث تبدأ براعم الحياة في التفتح، وكتب لنا في وصيته أن علينا، نحن الأحياء، أن نبحث عن الأجوبة الملائمة.
إنها براعم أفق جديد لا يزال غامض الملامح، يتعلم أبجديته الجديدة في الممارسة، ويقترح احتمالات متعددة تدعونا إلى قراءة النص الحي الذي كتبته الكلمات والدماء. وكان على هذا الشاب أن يعلن بموته بداية نهاية زمن الهوان الفلسطيني.

(من افتتاحية العدد الجديد من مجلة الدراسات الفلسطينية)

الفدائي الجديد

الياس خوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول غاندي حنا ناصر -كوريا الجنوبيه -سول:

    بعدما أنزلوني، سمعت الرياح
    في نواح طويل تسف النحيل
    و الخطى وهي تنأى. إذن فالجراح
    و الصليب الذي سمروني عليه طوال الأصيل
    لم تمتني. و أنصت: كان العويل
    يعبر السهل بيني و بين المدينه
    مثل حبل يشد السفينه
    وهي تهوي إلى القاع. كان النواح
    مثل خيط من النور بين الصباح.
    و الدجى، في سماء الشتاء الحزينه.
    ثم تغفو، على ما تحس، المدينه
    حينما يزهر التوت والبرتقال
    حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال
    حين تخضر عشباً يغني شذاها،
    و الشموس التي أرضعتها سناها،
    حين يخضر حتى دجاها.
    يلمس الدفء قلبي، فيجري دمي في ثراها
    قلبي الشمس إذا تنبض الشمس نورا،
    قلبي الأرض، تنبض قمحا، و زهرا، وماء نميرا
    قلبي الماء، قلبي هو السنبل.
    موته البعث، يحيا بمن يأكل
    في العجين الذي يستدير
    ويدحى كنهد صغير، كثدي الحياه.
    مت بالنار: أحرقت ظلماء طيني ن فظل الإله.
    كنت بدء، وفي البدء كان الفقير،
    مت، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم
    كم حياة سأحيا: ففي كل حفره،
    صرت مستقبلا، صرت بذره
    صرت جيلا من الناس، في كل قلب دمي.
    قطرة منه أو بعض قطره ..
    هكذا عدت، فاصفر لما رآني يهوذا
    فقد كنت صره
    كان ظلا، قد اسود مني، وتمثال فكره
    جمدت فيه واستلت الروح منها
    خاف أن تفضح الموت في ماء عينيه
    عيناه صخره
    (راح فيها يواري عن الناس قبره).
    خاف من دفئها، من محال عليه، فخبر عنها-
    ” أنت؟ أم ذاك ظلي قد ابيض وارفض نورا؟.
    أنت من عالم الموت تسعى؟ هو الموت مره
    ” هكذا قال آباؤنا، هكذا علمونا، فهل كان زورا؟.
    ذاك ما ظن لما رآني، وقالته نظره
    قدم تعو، قدم، قدم
    القبر يكاد بوقع خطاها ينهدم
    أترى جاءوا؟ من غيرهم؟
    قدم .. قدم .. قدم،
    ألقيت الصخر على صدري.
    أو ما صلبوني أمس؟ .. فها أنا في قبر
    فليأتوا – إني في قبري
    من يدري أني .. ؟ من يدري ؟
    ورفاق يهوذا؟ من سيصدق ما زعموا ؟..
    __________________
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  2. يقول غادة الشاويش -المنفى:

    مقطع من قصيدة للاسير يحيى السعيد في سجن مجدو كتبها للشهيد عياش .. واكتبها للشهيد باسل
    احمل سلاحك وانطلق فجر حزامك واحترق
    كي ترجع الشمس التي قتلو اشعتها بذل المهزلة
    اذ تشرق العزمات فوق جبين اجمل قنبلة
    ولتحترق كل السياسات التي رسمت خريطتنا البديلة
    كل المنافي والعواصم
    كل السماسرة الذين تسابقو للغوص في وحل الرذيلة
    فجر ملامحنا الهزيلة
    قهر انا غضب انا موت انا جرح انا فعلام تستبقون فالطوفان قادم
    ****
    فتشت فوق هذي الارض في كل الخراءط جيلا بعد جيل
    فتشت في كل العيون الحاءرة
    ونبشت في الالام في الامال ..حتى غصت في كل الصدور الثاءرة
    فلم اجد حرفا يقر نرور جندي دخيل
    سطرا يبارك صوت سمسار عميل
    فهتفت بالزيتون بالدم بالنخيل
    وبجرحنا فوق الخليل
    الا افكر بالرحيل
    ان ارضع القسام ابناءي واصطحب الشظايا الثاءرة
    احمل سلاحك وانطلق ..فجر حزامك واحترق

    لا تنتظر
    فالكل مروا وهناك حافلة على ابواب يافا
    تسرق حلمنا ..وهنا قرارات دخيلة
    لا تنتظر قسماتك القسام والاحزان …صورتك الجميلة
    قسماتك البارود والعرق المعطر والدخان كمارد يعلو فتنتفض القبيلة
    قسماتك العز الذي رسمته احزمة ..الحماس دما على جدران غاصبنا
    وذلا يسكت الشفة العميلة !
    احمل سلاحك واحترق ..فجر حزامك وانطلق ..
    وارسم على صدر الحبيبة زهرتين …واكتب على اهداب امك جملتين
    لن تبك بعد اليوم عينك حين تبكي كل عين
    بدء السباق وءاخر الشوط اقترب
    فجر حزامك وانس اسماء العواصم والعرب
    وانس العواصم حين تجنح للسلام
    وتتقي نار الغضب
    في قلب تل ابيب اكتب امنيات العاشقين
    وارفع لواء القادمين
    يا ايها الباسل ..
    مفاتيح المنازل لم تزل ذكرى معلقة
    على ابواب كل اللاجءين

  3. يقول فلسطيني في الشتات:

    ألاستاذ الياس/ دعنا لا نغلف الواقع بورق لغة الادب الذهبي، هذا يؤذي. مما لا شك فيه ان الشهيد كان على قدر من الشجاعة و البطولة و الثقافة. كل الاحترام و التقدير و المواساة لعائلته. بنفس الوقت، مفهوم “الفدائي الجديد” لا بد ان ينطلق من الناس و العمل الجماعي لتنظيم النساء و الشباب و المهنيين و الصحفيين..في نضال مدني علني مستمر و متصاعد. تماما كما في انتفاضة 87. و كما في مسيرات العودة 2011. نريد انتفاضة 87 جديدة و نريد المزيد من مسيرات العودة الشعبية التي هزت مشاهدها مراكز القرار في اكثر من مكان. هذا ما يحتاجه الشعب الفلسطيني في ظل الظروف الاقليمية و الدولية المعروفة، ناهيك عن تحول خطير في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية التي بات جزءا منها قوة امن لحماية الاحتلال. اي تنظير لربط النضال بالعمل المسلح شكلا رئيسا للمقاومة هو تنظير لا يتمعن في دروس تجربة الثورة منذ اكثر من 70 سنة، و يؤدي الى شكل من اشكال التدمير الذاتي. القوة هي في الشعب ببساطة و النضال المدني المتجدد و المتواصل. لو عمل الشهيد في توعية الناشئة من الفلسطينيين و تنظيمهم مدنيا، لكان واقع النضال بعد خمس سنوات بوضع افضل من حاله بعد استشهاده الشجاع. الشعوب طورت اصنافا جديدة من النضال من اميركا حتى اسيا، فلنكن جزءا من هذا التيار الاممي المدني الجارف!

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية