مقترح جمالي

حجم الخط
6

هل نكتب لنصف الواقع أم لنناقشه؟ ما المطلوب من الأدب؟ هذا الأدب الذي ليس أفضل الفنون ولا أعظمها، ولكنه الفن الذي يحتفي بالحياة وبكل الفنون على أنواعها المختلفة.
المرآة التي تعكس أوجه الجمال في هذا العالم هي بالضبط مجموع الكلمات التي تسمى أدبا، هي النّسق الذي نرتب به الأشياء حين نرغب في نقلها إلى الآخر بما نتقنه من لغة، ولكنه ليس بالكلام العادي، بل «ما فوق العادي»، بانتقاء الكلمات، وتنسيقها كما تنسّق الزهور، كما تُنَسّق الألوان على لوحة، على قطعة قماش، كما تنسق المرأة ثيابها فتبدو جميلة مع أنّها بغير ثياب قد تكون منفِّرة. قد يكون هذا هو الأدب، وقد يكون شيئا آخر، قد يكون الرؤية المقرّبة للشيء، كمن يدخل في غابة كثيفة، تحيط بها الأشباح، والخرافات المرعبة فيما في قلبها يختفي قصر الأميرة النائمة…
هل يصف أو يناقش؟ أم أنّه أكبر من ذلك، فهو يعيد بناء الأشياء ويعطيها صفات جديدة ومفاهيم غير التي نعرفها؟ فبإمكان الأدب أن يجعل الحيوانات تحكي، وتقول شعرا، وتخرج الحكمة من أفواهها ومع أن الأمر لا يُصَدَّق إلا أننا نصدقه ونستدل به على كلامنا، كأن نقول أن « الثعلب إن لم يبلغ العنب يقول إنه حصرم»… بعض الكتب نمنحها سمة الأدب، وبعضها لا، نحن أيضا نصنف النصوص حسب قدرتها على اختطاف مشاعرنا دفعة واحدة، حسب دروب السرد التي نسلكها مع الكاتب عبر عمران نصه، وتقديم أبطاله أو رؤاه المختلفة لحياة نتقاسمها معا لكنه يُعبّر عنها بشكل أكثر بلاغة منا، يرتقــــي الأدب درجات عن مستوانا الحكائي، لهذا ما يدهشنا في مستويات عمرية باكرة يتوقف عن إدهاشنا حين نبلغ سن النضج، وكلما تقدم بنا العمر تشدّدنا في خياراتنا وقراءاتنا وكأن ذائقتنا أيضا تكبر في العمر وتزداد نضجا…!
هندسة المكان المتخيَّل لا تشبه الواقع في شيء، لأنها تبنى وفق معطيات يعرفها الكاتب وحده، كل شيء مرتبط بالفكرة التي تنمو في مخيلته وتنقسم بشكل أوتوماتيكي بين الأعمال والأحداث وبين الأشياء التي تؤثث الفضاء المكاني ويلعب الوصف دوره حسب «جيرار جنيت» في منح الروح لتلك الأشياء بمد جسور بين النصوص.
لا شيء يشبه الأدب وكل شيء يشبهه، نتاج يحمل ما نراه ونعيشه، يترجم أقوالنا وخلافاتنا واختلافاتنا ومشاعرنا ولكنه يظل صنيع المخيلة.
يسأل الكاتب هل أنت البطل في نصك؟
فيرتعب من تلك الإسقاطات البسيطة لنصه، وقد حمّله الكثير من الأفكار والقراءات والملخصات التي جمعها من أبحاث كثيرة في الماضي والحاضر، يطرح الكثير من الأسئلة الصعبة ويقدم إجابات لا حصر لها ثم يأتي من ينسف جهده بتقزيمه بسؤال بائس: هذا أنت وأنت لم تكتب سوى نفسك؟
ولعلّه كتب نفسه، لكن في خلال عملية الكتابة وطرح ما لديه من الأفكار ومناشقتها هل يظل النص انعكاسا لشخصه؟
نعرف أن الرسام قد يستسلم لسطوة لون واحد أكثر من باقي الألوان وهويرسم لوحته، قد يذهب دوما في اتجاه واحد في خيارات خطوطه وألوانه ولكن الكاتب لديه مجسّم وهمي في رأسي وهو ينقله عبر فترات زمنية مختلفة خلال سنة أو سنتين أو ربما عشر سنوات إلى مخطوطه باختيار ما أمكن من التعابير المناسبة لنصه. حتى وإن كان النّص مجرد لعبة كلمات، تحتاج لتركيز وترتيب صارم لإنجاحها إلا أن الفكرة لا تقبل بأن يكون ذلك التريب صحيحا من الباب اللغوي فقط، من الباب البلاغي، إذ يلعب الزمن دورا مهما في التحكم في الأنساق أيضا…
نص اليوم ليس بالنص الذي كتب منذ عشرين سنة. هناك كُتّاب ماتوا بعد عشرين عملا من تجربتهم الأدبية، هناك من ماتوا بعد كتاب واحد، وهناك من قاموا من توابيتهم بعد نصف قرن من الموت الإجباري لأن نصوصهم خالفت قواعد الزمن وتخطت ذائقة عصرهم. هناك من كتبوا لقارئ عاصروه وذهبوا في صمت بعد أن عاشوا التهميش والإهمال والنبذ ولكنهم نالوا أمجادا لا نهاية لها بعد قرن من الزمن، وإن لم تجب نصوصهم على الأسئلة المعقدة حول سر نجاحهم المتأخر وفشلهم الآني خلال فترة حياتهم فهذا يعني حتما أن ما احتوته كتبهم ظل خارج اهتمامات القارئ خلال حقبتهم، وأن ما أُثير من أفكار ونوقش في تلك المتون الحكائية كاشف بما يكفي على أن الأدب قائم في الغالب على ما يناقشه لا على ما يصفه.
وأحب أن أذكر هنا نموذج « أنا كارينينا « لليو تولستوي، الرواية التي حمّلها عصارة أفكاره وختم بها تجربته الأدبية والتي عبَرت كل الحدود بين الأمم والأديان والثقافات، فوجد فيها المتدين غايته والملحد غايته، ورغم أن التدين أنواع والإلحاد أنواع أيضا إلا أن النص الذي أثار جدلا كبيرا وطويلا مقارنة بكل الأجيال التي قرأته انتهى انتصارا للمؤسسة الدينية عند البعض وانتهى عكس ذلك عند البعض الآخر، ذلك أن المناقشة التي أثارها تولستوي تولاها من الطرفين وبحث في العيوب والأسباب والدوافع والغايات عند الطرفين. ولن نعرف أبدا هل كتب ما خلص إليه من أفكار أم أنه فتح مناقشتها عند كتابته لتلك الرواية، وأن اتساع تجربته وفيض ما بلغه من حكمة هو الذي التصق بذلك الوصف البديع لشخصياته وأمكنته وبث فيها ولع الحب وشغف الحياة بما فيهما من مبالغات في لحظات الصراع الحاسمة.
أما السؤال الذي يبقى عالقا فهو مِمَّ جرّد الكاتب نصه وماذا أضاف إليه مقارنة مع الوقائع التي أوحت إليه بكتابته؟ لأن مرجعية النص دوما واقعية حتى وإن خرج إلينا بعباءة مختلفة، ويبدو أن براعة الكاتب تكمن هنا، حين يبرع في الوصف ويناقش بذكاء، أو لنقل أنه يحقق مآربه حين يعرف قارئه جيدا، إذ يبدوأحيانا أن سطوة فكرة « المثالية» وكتابة نص أدبي بمواصفات ترضي النقاد غالبا ما تنتج نصوصا فاشلة، فالنّاقد أيضا ابن عصره وبيئته ولا يمكنه أن يكون مقياسا جيدا للأدب، ما يُبقي فكرة الحكم على أي نص أدبي مجرّد فكرة نسبية…
حتى حين ينساق الناقد خلف نظرية معينة ويقسم النص إلى عناصر يخضعها لمنهجه النقدي، تبقى محتويات النص في ترابطها هي ما يؤثر في القارئ، وهي ما يمسى أدبا، أمّا تفكيكه وعرضه قطعة قطعة كأنه محرك سيارة مثلا فهذا ما لم يقنعني كقارئة على الأقل، وحتى حين أنجزت أطروحتي، منصاعة لنظام البحث الأكاديمي، كنت على قناعة أن النصوص التي كانت بين يدي لا يجوز أن نخلع عنها وقارها الأدب ونتأملها عارية أمامنا مفرغة من روحها الفكرية والإيديولوجية وغيرها…
لطالما اقتعنت أن الأدب هو المقياس الحقيقي لأي مجتمع ومن خلاله يمكننا أن نلمس مستوى الشعوب على السلم الحضاري، لهذا رجحت دوما أن الأدب هو مقترح جمالي لإصلاح ما أفسده الإنسان.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

مقترح جمالي

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتورجمال البدري:

    هوليس فقط مقترح جمالي بل مقترح برويني.إذن حضرتك لهذا الأسبوع تريدين القول إنّ للأدب رسالة إصلاح القبيح بالجميل.وهذا رائع.أنما كقاريء أرى أنّ الأهمّ من الأدب ؛ روح الأدب.فما الفرق بين الأدب وروح الأدب ؟ حكى لي رجل حكيم ذات يوم هذه الحكاية…وقال : كان هنــاك فخّــارماهـرصانع لأحسن أنواع الفخّار؛ ليبيعه في المدينة العتيقة.وكان يساعده عامل شاب.وبعد سنين رأى ذلك العامل الشاب أنه يقوم بكافة الأعمال نيابة عن معلّمه صاحب المحل ( الفخّار) فلمَ لا يكون هولوحده صاحب محل مستقل عن ( معلّمه ) ؛ وسيكون الزبائن الذين يشترون من الفخّارالأول ؛ زبائن له…وقد عرفهم وعرفوه ؛ فيكسب أكثر.فأبلغ المعلّم أنه يريد ترك العمل…فإذن له.واختارالفخّارالشاب محلاً قبالة محل معلّمه لينافسه ( هكذا ).مضى يوم ومضى أسبوع ومضى شهر؛ لم يبع الفخّارالشاب شيئّا مما صنعه ؛ رغم أنه كان كالذي يصنعه في محل معلمه من قبل.بل ظلّ الزبائن يأتون إلى المحل الأول ولا يأتون إلى محل الفخّارالشاب.استغرب ولم يستطع الفخّارالشاب الانتظار.فقدم إلى معلّمه ؛ وسأله عن السبب؟ فأجابه : ياولدي أنت صحيح تعلّمت صنعة الفخّار؛ لكنك لم تتعلم روح الصنعة.فردّ عليه الشاب : وما هي روح الصنعة ياسيدي؟ أخذ الفخّارالمعلّم وعاء طين رطب ؛ ونفخ فيه نفخة دائرية ؛ فظهراللمعان فوقه كالبريق.وقال للشاب : انظرياولدي بامعان.هذا اللمعـان هوروح الصنعة التي يبحث عنها الزبون ؛ لا عن الطيـن.وأنت لم تتعلمها بعد كلّ هذه السنين.

  2. يقول نهى عبد الكريم - أمريكا:

    رؤية جميلة ومنطقية لماهية الأدب بوصفه أحد أدوات التطور الفكري والحضاري للأمم وبوصفه أداة إصلاح لمنظومة المجتمع عبر مايطرحه من رؤى يشتغل صناعها على موضوعات مختلفة عبر أدوات مختلفة لاظهارها بحلة جمالية ترتفع بذوق القاري وتعبر عن هواجسه . الأدب والفن والثقافة هي تلك العناصر التي تزودنا بالمعرفة وتلبي حاجاتنا الجمالية وتعبر عن أحوال المجتمع وكل عمل فني او أدبي هو مشروع لمقترح جمالي يحمل مغزى ومعنى ليقوم القاري بفك شفراته

  3. يقول حسن الشافعي:

    فعلا المقال جميل زاده تعليق دكتور جمال نكهه قرنفل .. وحكايه الفخار شيقة وعظيمه المعنى واعتبرها اول استجابه لمقترح السيده بروين .. اشكرك سيدتي على اختيار كتابه موضوعات نوعية .

  4. يقول الدكتورجمال البدري:

    الأخ العربيّ حسن الشافعيّ المحترم : هل حضرتك من الشام أم من مصرالمحروسة ؟ أشكرك على الكلمات الطيّبات.وأعجبني منها عبارتك :
    { نكهة قرنفل }.فعلًا شخصيًا أحبّ رائحة القرنفل خاصة في الصباح.أما الدكتورة الأخت العزيزة بروين فهي شجرة التفاح والقداح مساء صباح.
    فهي شهرزاد ألف ليلة وليلة ؛ التي تقول ( المقال ) المباح.

  5. يقول سلام عادل(المانيا):

    تحية للكاتبة وللجميع
    رسالة الادب تتغير تبع الزمان والمكان وكذلك قد تكون مختلفة في نفس المكان والزمان بحسب الاديب المرسل فما كتب بالعصر الاموي تغيرعنه كثيرا ما كتب في العصر العباسي ورسالة المعري ليست رسالة المتنبي ولا ابو تمام والان هناك ادب موجه للنخبة وادب للغالبية والاخير هو الذي يحمل هموم ومشاعر واحاسيس الجميع.

  6. يقول S.S.Abdullah:

    أنا رأيي التدوين والحوار مع الـ آخر من خلال الآلة، بيّن لنا هناك نوع جديد من المثقفين والسياسيين يختلف عن جماعة عنزة ولو طارت، فهؤلاء مشكلتهم سهلة عندما تحضر العنزة، تنتهي المشكلة، ولكن أولئك من الوقاحة أن تأتي أنثى للشهادة لذكر من أنها رأت عنزة تطير، أو يدخل رجل للشهادة لأنثى من أنه باع عنزة تطير ولديه صورة من عقد البيع، فتضيع الطاسة بحجة الفوضى الخلاقة لحرية الرأي الديمقراطية، ومعنى المعاني ويتم تدمير هيكل أي لغة يمكن أن تكون وسيلة للحوار بين الـ أنا والـ آخر في أجواء ثقافة الـ نحن كأسرة إنسانية، وأظن أفضل دليل عملي على ذلك قضية فلسطين في الأمم المتحدة، التي يتم رفض اصدار شهادة ميلاد لها، لأن فرنسا وروسيا أصدرت شهادة ميلاد للكيان الصهيوني عام 1947 زورا وظلما وعدوانا، ومن أجل المحافظة على صورة فرنسا وروسيا أمام بقية خلق الله، يعاني أهل فلسطين من هذه الجريمة الأخلاقية منذ ذلك الحين وحتى الآن، الفضيحة هي في النخب الحاكمة في دولنا، التي لا تستطيع أن تفضح فرنسا وروسيا أساس المشاكل، ويُصر المثقف والسياسي لوم بريطانيا وأمريكا ونحن في عام 2018، فأي غباء أكثر من ذلك.
    القراءة شيء له علاقة بالـ آخر وثقافته، بينما الكتابة شيء آخر له علاقة بالـ أنا وثقافته، فعملية فهم أي نص بطريقة تختلف من شخص إلى آخر، بغض النظر عن السياق الزماني والمكاني، مناهج التعليم في دولة الحداثة لها ارتباط بالآلة والوظيفة منذ بداية الثورة الصناعية الأولى، هذه المناهج يجب أن تتغير الآن في زمن العولمة والاقتصاد الإليكتروني ووصولنا إلى الجيل الرابع من الثورة الصناعية، التي أصبحت فيها الآلة تحاكي عقله بالإضافة إلى عضلاته، التي بدأت به في الثورة الصناعية الأولى، النخب الحاكمة في الدولة العثمانية أيام الثورة الصناعية الأولى، وقفت مع أصحاب الحرف والمهن ضد الآلة، كونهم هم من يعتمد عليه الاقتصاد في الدولة، ذلك أدى إلى أن تتأخر الدولة العثمانية عن اللحاق بأهل الثورة الصناعية الأولى واعتماد نفس المناهج حتى بداية القرن الماضي بواسطة أتاتورك في تركيا، وساطع الحصري في العراق وسوريا، هذه المناهج يجب تطويرها الآن، كي نستطيع تكوين وتأهيل وتعليم إنسان للفوز على الآلة (الروبوت) بعقد الوظيفة في الحكومة الإليكترونية، هناك سباق بين حتى دول مجلس التعاون من هو الأكثر حداثة، حيث تم الإعلان عن تجنيس روبوت كمواطن وليس فقط توظيفه

اشترك في قائمتنا البريدية