هشام جابر: أفكار عروضنا تبدأ برؤيا و»ديسكوتيك نانا» جزء من التسطيح السائد

[1]

بيروت ـ «القدس العربي»: يوظف المخرج والمؤلف والمعد هشام جابر كماً لا بأس به من السخرية في عروضه المسرحية الغنائية. يقرأ في تفاصيل المراحل الزمنية التي تمر بها الأغنيات، ويجد الرابط الذي يمكِّنه من صياغة عرض نقدي متماسك، للسخرية فيه حيزها الواضح. بعد عرضين ناجحين جداً هما «هشك بشك» و»بار فاروق» انطلق مؤخراً «ديسكوتيك نانا» متناولاً مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي والتي شكلت في رأي جابر امتدادا لما نحن عليه من تسطيح خاصة على صعيد التلفزيون.
تلك العروض المميزة يحتضنها منذ سبع سنوات مترو المدينة في شارع الحمرا، والذي بات مقصداً لفئة من الناس تطلب السهر والفن بنوعية جيدة.
مع هشام جابر هذا الحوار:
○ في «ديسكوتيك نانا» هل رأيت الفن يمهد طريق الاقتصاد والاجتماع والسياسة؟
• لا يمهد الفن لأي من افتراضات السؤال إلا عندما يكون مدعوماً وضمن بروباغندا. كأن تطلب سلطة ما من فنان معين تسويق أفكار محددة. عندها يصبح كفنان مساهماً في مشروع ما. في زمننا هذا ليس للفن قدرة كبيرة في التسويق لأفكار.
○ لكنك وفي عرض «ديسكوتيك نانا» قلت أن البرنامج التلفزيوني مدعوم من»اعاشة النخلتين»؟
• «ديسكوتيك نانا» برنامج إعلاني حواري. الرعاية الإعلانية التي وردت خاصة بهذا النوع من الحوارات الفنية هدفها التسطيح.
○ بعد «هشك بشك» و»بار فاروق» عن مظاهر حياة الفن في مصر عدت إلى لبنان لماذا في رأيك لا تزال الأغنيات التي اخترتها مطبوعة في ذاكرة الناس؟
• شكل «هشك بشك» نظرة إلى مصر بين العشرينيات والستينيات. وجاء «بار فاروق» معبراً عن مرحلة ما قبل الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975. فالعرض خُتم مع شوشو الذي رحل قبيل الحرب. أغنيات مرحلة الثمانينيات لا تزال في بال الناس نظراً لقرب المرحلة. سماع الموسيقى في حالات الحروب أثره أكبر بكثير من حالات السلم. في الحرب يحتاج أحدنا لما ينتشله من تداعياتها، وخاصة الدمار النفسي.
○ تضخمت جرعة السخرية من سنوات الثمانينيات. هل هو انتقام من ذاك الزمن عبر شخصية المذيعة «نانا»؟
• حتى وإن تضخمت السخرية فهي لم تبلغ ما كانته في الثمانينيات. في خضم الحرب الأهلية اقترب الفن الذي تمّ تسويقه من الهستيريا. بالكاد كان المغنون يتمكنون من الوصول إلى الأستوديو لتسجيل أصواتهم نتيجة الحرب، ومع ذلك قدموا أغنيات ربما تعبر عن حال اسبانيا أكثر من لبنان. قالت أغنياتهم أن الحياة جميلة، فيما كانت القيامة قائمة. هي مرحلة متواصلة مع الحاضر. فكافة برامج التلفزيون تذهب في الإتجاه نفسه. لقد تكرس ما كان سائداً في الثمانينيات وما بعدها. نحن في الألفية الثالثة ومواصفات الإعلاميات على الشاشات هي التحلّي بكم من الهبل. برامج الصباح على الشاشات فيها حجم من الكوميديا يفوق ما ظهر في «ديسكوتيك نانا». بدأت نواة ما نحن عليه منذ الثمانينيات، ووصلنا حاضراً إلى تكريس التسطيح. مواصفات المطلوبين على الشاشات محصورة بالشكل فقط.
○ لماذا أهملت أغنية «قرقورك يا بديعة» التي انتشرت كالنار في الهشيم في المرحلة التي تناولتها؟
• لا قدرة على تناول الأغنيات جميعها فهي لا تُحصى. ريبرتوار «ديسكوتيك نانا» قابل للتغيير، مما يتيح لنا لاحقاً تناول معظم الأغنيات التي كانت سائدة.
○ كيف تقرأ في تجاوب الجمهور مع «ديسكوتيك نانا»؟
• توقعنا تفاعلاً من الحضور، إنما أقل. التقط الجمهور سريعاً نوع السخرية التي نقدمها من اللحظة الأولى، وانسابت الأجواء سلسة منذ العرض الأول ولا تزال. نحن بصدد إعادة نظر في مرحلة ما، وكان من الجمهور أن تابع الحكايات معنا. يبدو أن ما أردناها كان واضحاً لدى الحضور وأحسوا به.
○ مع بدء العروض أمام الجمهور هل يخضع مسرحك لإعادة هيكلة؟
• ينتهي تأليف العرض عندما نمل من ذلك. في مترو المدينة لدينا «بريفيلاج» في تأليف العرض حتى خلال حضور الجمهور. وهذا ما حدث في الواقع. إذاً التأليف قائم طالما العرض قائم وبشكل يومي. يعتمد مسرحنا على شباك التذاكر، والجمهور مميز بعقلية محددة ترغب بهذه الأجواء. إذاً يتطور العرض مع الجمهور ومع الممثلين أيضاً الذين يمرون بمراحل تدريجية بحيث يصبح كل منهم الشخصية.
○ من هي العين التي تسندك كي يستمر العرض ويتجدد كما «هشك بشك»؟
• لكل منا رؤيته في العمل الذي يقوم به. أعمل لتحقيق ما أراه. فالعين تبدأ عملها باكراً ومن ثم يصبح الخيال واقعاً.
○ بعد حضورك كمعد ومخرج ومنتج في مهرجانات بيت الدين وجبيل. هل من جديد لأي مهرجان في لبنان؟
• قررنا استراحة من المهرجانات لأنها تستهلك الوقت، مما يترجم تقصيراً في مترو المدينة. فنحن نحتاج بعد كل مهرجان لأشهر كي نقلّع. القرار هو المترو أولاً.
○ هل سيرتكم الظروف مع بدء المترو قبل سبع سنوات أم كانت لديكم رؤيا؟
• تحقق الكثير من الفكرة الأساسية. نحن صالة تقدم عروضها دون دعم مالي من أحد، ونعتمد شباك التذاكر اليومي. في البدء ضحك من فكرتي كثيرون. هدف المترو منذ انطلاقه أن يصحح التجارب الغلط، وأن يبني عليها. نبني مع جمهورنا إمكانية الخطأ وكذلك العودة للصواب. كما ونبني معه تراكما.
○ عربياً كنتم في مصر فقط لماذا؟
• لا نسعى لسفر عربي أو أوروبي، فعملنا يومي. قد نلبي بعض الدعوات. في المترو فريق عمل كبير وليس سهلاً حمل الحقيبة والسفر. ربما لاحقاً نسعى لعروض خارجية.
○ صالة مترو المدينة تأخذ 120 شخصا هل فكرت يوماً في التوسع؟
• صحيح. انما وضع لبنان لا يشجع مطلقاً. في الأوضاع السائدة أمنياً واقتصادياً في بلدنا والمحيط، جيد البقاء على حالنا.
○ بدأت مشروع مترو المدينة بهدف الجمع بين الثقافة والتسلية. هل لا تزال المعادلة سارية المفعول أم عدّلها الواقع؟
• بالتأكيد سارية المفعول. هو كتابنا الأكبر. نقدم التسلية بما يحترم عقول البشر ولن نبدل المسار.
○ هل تجمعك الحميمية مع مترو المدينة أم البزنيس؟
• في مترو المدينة نحن شركة، نمارس عملنا وكأننا جمعية، ولا وجود للـ»بزنيس». ليس للبزنيس أن يتواجد مع 120 مقعداً، وعشرة عناصر على المسرح، والعدد نفسه في الكواليس. في حسابات البزنيس هذا لا يدر أرباحاً. هو مشروع عمرنا، ومشروعنا الفني. الـ»بزنيس» الذي نهدف له أن نستمر في تقديم ما نريده وبالنوعية التي نرغبها.
○ هل تخشى المنافسة؟
• بل أطلبها حتى لا أمل. المنافسة بمستوى راقي جيدة في مستويات الحياة جميعها.
○ كيف تحتفظ كمخرج ومنتج بعناصر أساسية شكلت بصمة في عروضك؟ حتى المغنين صاروا ممثلين؟
• كل إنسان في داخله ممثل علينا البحث عنه. مهم جداً وجود فريق اعتاد أحده الآخر. وهذا ما يوفر وقت الشروحات والتمارين على وجه الخصوص. وكذلك مهم جداً وجود عناصر جديدة تؤمن غنى للعمل، وتمنح شكلاً آخر خلال البروفات.
○ وكيف تكتشف الجدد؟
• عبر الكاستينغ. آخر سبت من كل شهر لدينا كاستينغ مفتوح لكل من يريد حتى لو بأكل التفاح. ومن يعرضون على مسرحنا يمكن أن نراهم من زوايا مختلفة في التمثيل.
○ هل بات مترو المدينة علامة فارقة في شارع الحمرا؟
• بعد سبع سنوات ومع مسرح يومي ضروري. 365 عرضا سنوياً مضروباً بـ 7، إن لم يكن مترو المدينة علامة فارقة فنحن في كارثة إذاً.
○ أليس صعباً أن يفتح مسرح على مدار الأسبوع؟
• أردنا مسرحاً بنوعية جيدة، وبسعر بطاقة بمتناول الناس، وهذا ما يفترض العمل اليومي لتغطية التكاليف. أن يكون في بيروت مسرح يومي، فهذا أمر مهم لبيروت ولنا. وأظنه يمد من يرغب بشعور الأمان.
○ هل بت تعرف رواد الصالة؟
• تبدأ العروض مع الأقرب من الناس، ومن ثم تتوسع الدائرة. حضر «هشك بشك» ما يزيد على 30 ألف فمن أين لي معرفتهم؟
○ هل تهتم كمخرج ومعد بالتوجه إلى جيل الشباب؟
• أتوجه للجمهور ولا أرى الناس أجيالاً. قد أكون حيال أحدهم بعمر الـ60 سنة لكنه شاب أكثر من آخر في العشرين.
○ أن يتشابه اسمك مع العميد والمحلل العسكري هشام جابر هل من مفارقة؟
• لا أعرف العميد شخصياً إنما شكله لطيف. دائماً أتلقى اتصالات باسمه. لا يمر أسبوع دون أن يرّن هاتفي ويُطلب العميد هشام جابر لحوار تلفزيوني أو إذاعي.

هشام جابر: أفكار عروضنا تبدأ برؤيا و»ديسكوتيك نانا» جزء من التسطيح السائد
مرحلتنا امتداد للثمانينيات
زهرة مرعي