مصطلح الأدب النسوي ملتبس والكتابة لا تخضع لجنس كاتبها

أديبات عربيات

علي لفته سعيد

Aug 25, 2018

«الكتابة تشبيه الإنتاج» هكذا قال أديب وهو يعرفها، وهي تحتاج إلى عوامل أولية لكي تكتمل صورة الإبداع لأي نصّ أدبي، ولهذا فان لا فواصل ولا حدود في الأدب بين عناصره وكتابه، لأن اللغة هي المعيار الأكبر لتحديد الإبداع من عدمه، ولأنه أي الأدب هو روح الحياة. إلا ان الواقع النقدي فرض العديد من المصطلحات التي أريد منها أن تكون طريقة لتفكيك عناصر الأدب وتقريبها إلى المتلقي سواء منها ما كان تجييلا أو تأريخا أو جنسا، لذلك دأب النقاد على تصنيف الأدب بحسب المدارس التي يؤمنون بها أو التي تمكنهم من ولوج النصوص الأدبية بكل عناوينها، ومن هذه التصنيفات ما أطلق عليه الأدب النسوي، ولهذا يتبادر السؤال، هل اللغة التي تكتب فيها المرأة تختلف عن التي يكتب فيها الرجل، وهل هناك أدب رجولي أو رجالي لكي يتم فيها عزل أو اختصار التسمية، وهل هناك أدب نسوي أصلا، وإذا ما كان هناك مثل هذا التوجه ما هي ملامحه؟ هذا السؤال طرحناه على الأديبات العربيات.

التابو الرابع

الروائية العراقية رغد السهيل تشير إلى وجود إشكالية أو التباس في مصطلح الأدب النسوي، من وجهة نظرها الشخصية هو ليس ما تكتبه المرأة. وتوضح انه لا يمكن تقسيم الأدب على جنس الكاتب إنما هو الأدب الذي يحمل الرؤية والفلسفة النسوية لكل مناحي الحياة. فالفلسفة النسوية تصب في السياسة والتعليم والاقتصاد والصحة والأدب والفن لتحمل رؤية وتوجهات وأفكار النساء في هذه المضامين لهدف رفع المرأة واخراجها من حالة الضعف ودفعها للمشاركة بالبناء والعمل وتشجيعها لتكوين رؤيتها المستقلة عن الأفكار الذكورية. وتشير إلى ان هناك الكثير من الكاتبات تندرج كتاباتهن ضمن أفكار ورؤية ذكوريّة، فلا يمكن إذن ضمّها للأدب النسوي. وتتحدث عن تجربتها فتقول، لقد وجدت أن من تُمارس الكتابة بهذا الأدب ستواجه التابو الرابع وهو رأي الآخر أو الثقافة السائدة في المجتمع وهي الثقافة الذكورية التي لا تتقبل دائما أفكارا مختلفة قد تحملها الكاتبات. كما ان هذا الأدب يستطيع الكتابة به الرجل أيضا ما دام يَصْب بنفس الغاية والهدف. فقاسم أمين غالبية كتاباته ان لم تكن جميعها تندرج ضمن الأدب النسوي. وتضيف ان فرجينيا وولف كانت تقاوم التابو الرابع فتصور انها ترمي الملاك الحارس بالمحبرة وتقصد به الوعي الذاتي الذي يطلب تغيير عبارة أو فكرة مجاملة للآخر. وتؤكد من جديد نحن النساء نتربى في مجتمعات تفرض علينا الخضوع للرأي السائد وتظل الخشية والحذر أثناء كتاباتنا ترافقنا.

قاموس اللغة

الشاعرة العراقية غرام الربيعي تقول إن اللغة هي قاموس واحد لكل بني آدم، وتعابيرها تتبع كيفية استخدامها وتبعا لمشاعرهم التي تعكس أجواءها تلك التعابير، وحتما يتغير حيز تأثيرها لو استخدمها رجل عن امرأة ، لان الاختلاف وارد في كثير من البنى لشخص وذات كل من المرأة والرجل، ناهيك عن الفروق الجسدية والنفسية التي تتبعها فروق نفسية وفكرية تبنى عليها ردود الأفعال تجاه الأفعال والأقوال، وبالتالي على المنتج الفكري وما يحيط به من ظروف بيئية وإنسانية كاملة لا تنفصل عن ماهية الشكل المنتج. وتضيف، ان الكتابة ناتج فكري إنساني يتأثر بمكنونات كثيرة لابد من توقع الاختلاف فيها، أما المصطلحات التي أطلقها النقاد على تجنيس الكتابة فلم أعد أراها واضحة ومحددة ان كانت فقط لبيان جنس الكاتب للتعريف أو التفريق، ومنها ما جعل التصنيف هو إدراج الكتابة النسوية في المراتب الأدنى تصنيفا لتناولها بدونية في المقياس الإبداعي حتى الثناء عند النقد في النصوص النسوية كأنها في ميزان الكتابة الرجالية أو الذكورية على انها المعيار للنقد متناسين غياب المعايير الحقيقية لهذا التباين الذي أولدته الظروف الطبيعية وغير الطبيعية للمجتمعات. وترى الربيعي انه لم يعط النقاد الملامح الواضحة بعد عن فكرة التجنيس الكتابي وسببه باعتباره خطوات تمييز أو تميز، مقارنة أو مفارقة، مدح أو ذم. وتضيف انه لا بأس من تسمية النصوص عند الضرورة الإعلانية والتأشير ولكن ليس على حساب المقياس والتميز لأنه سيكون تمييزا غير عادل وغير مبرر. وإلا فان اللغة واحدة والمعاني والدلالات غير مختلف عنها والوقائع الثابتة لا تتغير إلا بفعل الانزياحات الإبداعية وحبكتها حداثويا لتفاعل الكاتب معها وتلك مقاييس الإبداع لكلا الجنسين عند تشكلات الخطاب الفكري والإنساني لهما وان تكون التقييمات لبحث الأفكار وطرق صياغته لا على أساس أجناسها المنتجة لها مع أخذ الاعتبار للطبيعيات الواردة والسرياليات الممكنة في أي نتاج. التصنيف وارد لبعض الضرورات أراها بدون أي تحجيم للنص أو كاتبه لان ذلك تحدده ملامح الإبداع للنص عند غياب أو موت المؤلف.

فقاعة صابون

الشاعرة اللبنانية فاطمة منصور، تنتقد التوصيف وتعتبره كلاسيكيا وتقليديا حين يتناول بحث موضوع الأدب النسوي فانه يستهل بتعريف الأدب أولا ثم ينطلق إلى تقديم الأدب النسوي من خلال عبارات حداثوية لا تختلف عن الكلمات الكلاسيكية التي يحتويها متن التعريف بالأدب عامة. وتضيف انها ستتجاوز الإجابة لتعرج على مفهوم عام مفاده ان الأدب سواء كان نسويا أو ذكوريا محصلة لتطور فكري وغنى إنساني في بيئة ملائمة. وتذهب إلى التاريخ فتقول، أن الأدب كان أحد أبرز عوامل الثورة ومشعل فتائلها يفعٌل الثورة وفق رؤيا بالتطور والتغيير لكن ان يكون صدى لهياج جماهيري ملتبس، فهذا أمر يفقد الأدب بعض قيمته. وتربطه بالواقع وتقول هذا هو حال أدبنا العربي في المرحلة الراهنة نسويا أو ذكوريا. فالأدب الرؤيوي انكفأ في ظل هيمنة ثقافات ظلامية باتت طاغية فتوهمنا بأننا نعيش ربيعا عربيا وننتظر زهوره كي تتفتح فيما الجفاف الفكري والأوهام تتحكم بالساحة العربية. تمضي منصور بقولها، في الحديث عن أدب نسوي أو ذكوري في الحالة العربية الراهنة لن نقع إلا على فقاقيع صابون تتلاشى ما أن تلامسها شمس الفن لان ما يعتبر ربيعا عربيا ليس إلا كذبة واهية لا يمكن للأدب أن يتقبل مرها. لكنها تستدرك بحديثها عن الأدب النسوي كقيمة مضافة من خلال إنجازات موثقة لأديبات لامعات تركن بصماتهن في أحداث ثورة أنثوية ساهمت في فضح الجوانب المجتمعية الضيقة والسيئة مما جعلها ثورة ريادية على مستوى الحركة الأدبية والاجتماعية.
وتلفت الانتباه إلى ان إذا كنا بصدد الحديث عن أدب نسوي بعد ما يسمى بالربيع العربي فطبيعي ألا نقع على غير ما هو غزل يتخطى حدود الحشمة أحيانا أو أدب مشوه بفعل تشوه الذوق الأدبي حيث نلاحظ احباطا لدى صاحبات المواهب المطوقات اليوم بثقافة ظلامية.

سؤال الانكسار

الشاعرة السورية وفاء دلا تعتقد انه لا يوجد أدب نسوي وأدب رجالي وهذا كلام بعيد كل البعد عن الإبداع. وتضيف ان الشعر شعر والإبداع الحقيقي هو من سيحدد هوية من كتبه سواء شاعرة أم شاعر، بل وتؤكد أن النص هو أنا وهذا ينطبق على المبدع عموماً سواء امرأة أو رجل وعن تجربتها تقول انه يمثلها «أنا (وفاء)» ذلك إذا اتفقنا على أنَّ أي عمل ابداعي يأتي من تجربة. فلغة المبدع مهما وَصَلَ بها إلى مساحات الخصوصية، أسلوبية كانت أم معجمية، يبقى حضورها التاريخي الموروث والمُتجدِّد أكبر من خصوصية لُغة المُبدِع. وتشير إلى ان الأهم من هذا وذاك أن الشعر لا يطيق ولا يتقبل التكرار، يريد دائما التجديد والانقلاب على السّائد لغة وإبداعا ورؤية إنَّه انقلاب على اللُّغة ونماذجها المسطورة وعلى الإيقاع وأنماطه المتوارَثة وأيضا على المعاني وخريطتها الثَّابتة المتحجرة التي كانت تكتب في القصيدة القديمة، وهو انقلاب على المكان والزّمان معانقةً للمنطق والسَّرمد. وتمضي دلا فتقول إن النشاط النقدي في مختلف مدارِسه يهدف إلى توسيع الدائرة التي يلتقي فيها وَعْي النص بوعي المتَلقي وهنا تتوضح فكرة عدم أهمية التسمية حسب الجنس، فالنص الشعري يبتلينا أم نحن الذين نبتلي القصيدة.

السائد الاجتماعي

وتحدد الكاتبة والصحافية المصرية سماح عادل، الفرق بين كتابات النساء والرجال ليس في اللغة وإنما في الرؤية والتناول، فالكاتب له رؤيته تجاه العالم، وتناوله لموضوعات تخص حياته المفعمة بالنشاط والتي ترتبط بشكل كبير بالعالم في الخارج أقصد خارج البيت وبتحقيقه لنجاحات أو ربما معاناته من إخفاقات. وتضيف انه يهتم بالحروب والصراعات التي أشعلها الذكور بالأساس في حين أن النساء يتناولن موضوعات تخصهن، ترتبط بالبيت المسجونات فيه وبالجسد المسجونات أيضا داخل إطاره. وتنوه إلى ان بعض النقاد قد يتهم كتابات النساء بأنها تدور حول الجسد دون أن يعوا أن المرأة حبست داخل جسدها منذ قرون بعيدة. وتعتقد بوجود أدب رجالي وتفسر ذلك لان السائد هو كتابات الرجال فقد تعامل معها النقاد والمتخصصون باعتبارها النموذج الأمثل للكتابة أو بالأحرى الوحيد وهمشوا كتابات النساء وتجاهلوها تماما في دراساتهم وتأريخهم للأدب. وفي رأي الكاتبة عادل، ان أبرز ملامح الأدب الرجالي أنه يدور حول عالم الرجل الذي ينظر للمرأة نظرة دونية ويعتبرها موضوعا للحب أو للجنس أو حتى يحب تصويرها في صورة الوطن ذلك العالم الذي يمتلئ بكل ما يهتم به الرجال ويتوقون إليه. وتستدرك عن رأيها بوجود أدب نسوي فتقول نعم موجود لكنه ظهر في الغرب اعتمادا على حركة نسوية قوية اكتسبت كثيرا من الحقوق بالنضال على الأرض. هذا الأدب له قواعده وأصوله ويعتمد على نشر الوعي بقضايا النساء ورصد اللامساواة الاجتماعية التي تعاني منها، كما يقدم نماذج لبطلات من النساء، ورؤيتهن للعالم ولأنفسهن في ظل التفاوت الاجتماعي الذي يرزحن تحت وطأته. وعن الوطن العربي تقول، ان أهم ملامح كتابات العربيات التمرد على التفاوت الاجتماعي ورفض الظلم الواقع عليهن ورصد إحساسهن بالعالم الخارجي وتصوير الانعكاسات النفسية التي تنتج عن ما يفعله المجتمع بهن والتي قد يصفها بعض النقاد بشكل سلبي، مصورين أن النساء اللاتي لا يهتممن بالقضايا الكبرى لا يمكن اعتبارهن كاتبات أدب قيم.

الدلالة على المرأة

الشاعرة التونسية آمال رجب المناعي، تختلف في رأيها، وتعتقد أن اللغة هي المدى الذي يتحرك فيه الإنسان في تمظهرات ذهنية من خلال الحروف والكلمات. وتضيف ان اللغة لا حدود لها في معناها ومضمونها فهي تحمل مشاعر وأفكارا تتأتى من معاناة الذات الكاتبة ”المرأة”.
قد تختلف الكتابة من كاتب إلى آخر وهو ما يجعل القارئ ينساق مع كتابة دون أخرى. وتشير المناعي انه لعل الشيء ”المخفي” الذي يشد إلى المكتوب وهو ما نقول عنه كتابة نابعة من الأعماق أو تحاكي الواقع أو تتجاوز إلى فكرة وإلى حلم وهو حال الكتابة النسوية التي تكشف ”الأنثى كاتب” التي تختزل واقعا في العادة ”ذكوريا” تنقله هي بمحبة ومعاناة إلى أفكار ترسمها بالحروف وباللغة التي تتغير من بلاد إلى أخرى ولكن تحمل فكرة وحلما تتشارك فيه العديد من النساء في العالم. وترى إن ”فعل الكتابة” هو في الحقيقة ”تحد” للواقع في العادة يكبل المرأة التي اختزل دورها في أعمال منزلية وتربية الأطفال وخدمة الرجال. وترى أيضا ان فعل الكتابة هـو إرادة الحياة وإثبات ”الذات المفكرة» الواقعية إلى ذات حالمة ومبدعة وليست تلك المرأة التي تُرد إلى ”وضعية دونية” تجعلها تابعة إلى رجل يقودها بالضرورة وارتباطا مع ”منطق المفروض». وتؤكد إن ”الكتابة النسوية” هي ضرورة تدل على المرأة دون سواها، وهي تختلف قطعا عن كتابة الرجل لسبب بسيط، أن المعاناة ليست واحدة وإن تشابهت في بعض المرات الكـتابة النسوية حسب ما أعتقد هي تفرد وانعتاق.

11ADA

 مصطلح الأدب النسوي ملتبس والكتابة لا تخضع لجنس كاتبها
أديبات عربيات
علي لفته سعيد
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left