مدينة خليل الرحمن: عنب وذهب ومواجهات

عبد الحميد صيام

Aug 25, 2018

الخليل ـ فلسطين ـ «القدس العربي»: مدينة خليل الرحمن، كبرى المدن الفلسطينية ورابع مدينة مقدسة للمسلمين بعد مكة والمدينة والقدس، وأكثر المحافظات استقلالا من الناحية الاقتصادية، وأكبرها من الناحية السكانية وأكثرها تعرضا لمضايقات المستوطنين لأنها المدينة الوحيدة التي زرعت في احشائها خمس بؤر استيطانية متقاربة يصل عدد ساكنيها نحو 400 متطرف اقتطعوا من لحمها خمس مساحتها وسكنوا في حلقها وعيونها وعلى صدور أبنائها بناء على بروتوكول خاص لحماية هؤلاء القتلة وقعته السلطة الفلسطينية مع نتنياهو عام 1997 برعاية أمريكية. فالخليل، من جهة، مكتظة بالسكان يصعب السير في شوارعها بسبب الازدحام ومن جهة أخرى حيث المستوطنين تكاد تكون أقرب إلى مدينة الأشباح التي هجرها سكانها وأغلقوا بيوتهم خلفهم ومهروا محلاتهم بالشمع الأحمر كأنهم لن يعودوا إليها أبدا. وأغرب ما تعرضت له الخليل أنها عوقبت على مجزرة ارتكبها متطرف صهيوني في رمضان 1994 عندما تسلل باروخ غولدشتاين مع صلاة الفجر يوم 15رمضان (25 شباط/فبراير 1994) إلى داخل الحرم الإبراهيمي وأفرغ ثلاثة مخازن من رشاشه في المصلين مخلفا 29 شهيدا وأكثر من 150 جريحا. وعندما أفرغ كل ذخيرته قام عليه من تبقى من الأحياء وقتلوه بالأحذية. استغلت سلطات الاحتلال المذبحة وفرضت حصارا لمدة ستة أشهر وأغلقت كافة الشوارع المؤدية إلى الحرم الإبراهيمي بما فيها شارع الشهداء أهم وكافة المحلات المتلاصقة فيه وقامت بتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا بين أهل الخليل وسكانها الذين يزيدون عن ربع المليون وبين حفنة من المستوطنين. فبدل معاقبة الجناة الذين سهلوا المذبحة وساهموا فيها عوقب سكان المدينة عقابا أبديا مهد لاقتطاع ربع المدينة للمستوطنين عام 1997.

مهد الصناعات المحلية

زيارة فلسطين لا تكتمل إلا بزيارة الخليل والاطلاع على معاناة أهلها وزيارة معالمها التاريخية المقدسة والاطلاع على نشاط أهلها التجاري والصناعي والزراعي. فالخليل سلة العنب في فلسطين ومهد الصناعات المحلية وأكبر أسواق البلاد تصديرا واستيرادا.
لكن الوصول إلى المدينة ليس بالأمر السهل. فحملة هويات الضفة لا بد أن يتبعوا طريقا متعرجة بعيدة يطلق عليها «طريق وادي النار» تستغرق على الأقل ساعتين بدون حواجز. أما حملة هوية القدس أو الوثائق الأجنبية فيمكنهم المرور من الشارع الرئيسي قرب بيت لحم في رحلة تستغرق 40 دقيقة دون حواجز. ولكن الداخل للخليل مضطر أن يمر على حاجز يسميه الأهالي «دوار الموت» لكثرة ما جندلت قوات الاحتلال من أبرياء من بينهم امرأة عمرها سبعون عاما. فالدوار تلتقي فيه أربع طرق يستخدمها المستوطنون في مجمع مستوطنات «غوش عتصيون». فلا يكاد يخلو الدوار من مرور مستوطنين أو وقوف بعضهم في انتظار المواصلات. وقد توزع جنود الاحتلال على الزوايا الأربع وجلسوا في حالة استعداد تام لإطلاق النار. فأي حركة مشبوهة أو تعطل سيارة أو خروج أحد من سيارته لأسباب طبيعية أو إنزال راكب يجابه بإطلاق النار الفوري. فشعار قوات الاحتلال «أقتل ثم حقق. أقتل ثم إذا لزم الأمر برر».

القطاع الصناعي

بعد جولة في المدينة على الأقدام كانت وقفتي الأولى في غرفة الصناعة والتجارة للتعرف من المسؤولين على أنشطة الخليل التجارية والصناعية. لقاؤنا الأول كان مع إسماعيل الشريف مدير العلاقات العامة في الغرفة. وأكد أن حديثة سيبتعد قليلا عن السياسة ويحصره في الصناعة والتجارة لعاصمة فلسطين الاقتصادية. وقد أسهب في توضيح القطاعات الصناعية التي تشتهر بها الخليل وخاصة الحرف اليدوية.
وقال في الخليل 2400 منشأة صناعية مقسمة إلى 13 قطاعا، من بينها الصناعات الخشبية كالأثاث، والأبواب. ومنها صناعة الرخام المشهور. فحجر الخليل من أفضل الحجارة في الشرق الأوسط ويطلبونه في كثير من دول الخليج لبناء فللهم. قطاع الصناعات الجلدية كالأحذية تعرض للتدمير بسبب البضائع الصينية الرخيصة التي غزت البلاد. «كان يعمل في هذا القطاع نحو 35000 عامل في الثمانينيات والآن لا يعمل فيه أكثر من 5000 عامل بسبب تراجع الإنتاج المحلي». والخليل مشهورة بصناعة الألبان ومشتقاتها الغذائية وشركتا الجنيدي وجبريل معروفتان في كل أنحاء الشرق الأوسط. وفي الخليل يوجد مصنع نسيج. وللعلم فالمدينة تحتوي على المصنع الوحيد في فلسطين لصناعة الكوفية الفلسطينية الشهيرة. وكذلك فيها مصانع تتعلق بالإنشاءات ومواد البناء كالطوب والإسمنت والبلاط والجدران. وقطاع الصناعات البلاستكية يتطور بشكل مطرد. وقد استحوذت الخليل على 70 من صناعات البلاستيك في كل أرض فلسطين التاريخية. إضافة إلى الصناعات الورقية والكرتون، وقطاع الحرف اليدوية والتحف والهدايا المشهورة وخاصة قنديل الخليل الذي دخل الصناعات العالمية منذ بداية القرن التاسع عشر. وتابع قائلا إن القطاع الثاني الأهم في الخليل والذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد على مستوى فلسطين هو قطاع المعادن الثمينة. ففيها 45 مصنعا للذهب والمجوهرات من أصل 60 على مستوى فلسطين كلها تنتج عشرات الكيلوغرامات من الذهب والمجوهرات والحلي ومشكلة هذا القطاع في استيراد الذهب الخام بسبب القيود الإسرائيلية وإرغام الفلسطينيين على دفع ضرائب بقيمة 12 في المئة.
وقال الشريف إن هناك بطالة في الخليل مثلها مثل بقية المدن الفلسطينية بسبب المواسم الزراعية أو السياحية والأهم من هذا الوضع الأمني الذي يؤدي أحيانا إلى الإغلاقات والاعتقالات والإعاقة على الحواجز. وأكثر من يشعر بالبطالة هم خريجو الجامعات. والخليل فيها جامعتان «الخليل» و»جامعة بوليتكنيك» أي المعهد التكنولوجي إضافة إلى فروع جامعة القدس المفتوحة والمعاهد وكليات المجتمع.
وقد تابع الدكتور طارق التميمي، الأمين العام لغرفة التجارة والصناعة، شرح كيف أن 40 في المئة من ناتج الدخل القومي في فلسطين آت من الخليل كما تشمل المدينة 45 في المئة من الصناعات المحلية على مستوى الوطن. لقد تحولت المدينة في الأربعين سنة الماضية إلى عاصمة اقتصادية. لقد استولت الخليل على سوق بعض الصناعات الاستهلاكية في فلسطين وإسرائيل مجتمعتين مثل الاحتياجات البلاستكية الاستهلاكية. لكن يجب أن نعترف أن الميزان التجاري مختل تماما لصالح إسرائيل حسب ما جاء في اتفاقية باريس الاقتصادية لعام 1995 والتي ربطت عجلة الاقتصاد الفلسطيني بالإسرائيلية وجعلت الاقتصادين «في غلاف واحد». وحجم التبادل بين إسرائيل وفلسطين أكثر من عشرة مليارات دولار منها 85 في المئة لصالح إسرائيل. فلسطين تشكل ثاني أكبر سوق تجاري لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. نحن أهم لإسرائيل من الهند والصين وفرنسا. كذلك تعاني السلطة الفلسطينية من المنافسة مع المصنوعات الخارجية وكثير من المستوردات الفلسطينية تسجل تحت اسم إسرائيل لأننا لا نستطيع أن نستورد كثيرا من المواد مباشرة إلا عبر تاجر إسرائيلي. وتعمل الغرفة على تشجيع التجار على أن يستوردوا دون المرور عبر إسرائيل لأن كثيرا من الدول تقيم علاقاتها مع الفلسطينيين من خلال التجارة وحجم التبادل التجاري وخاصة إذا انضمت فلسطين لمنظمة التجارة العالمية.
وأضاف إن غرفة الخليل التجارية قامت بتشغيل 500 شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة في المصانع المحلية وهي نسبة عالية. وقد حصلنا على جائزة دولية لريادتنا في هذا المجال. وقد أنشأنا «التحالف الوطني الفلسطيني لتشغيل ذوي الإعاقة» ويضم خمس مؤسسات أساسية تعمل معا من أجل دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في ميدان التشغيل. من جهة أخرى قررت الغرفة التجارية بالتعاون مع البلدية والمحافظة أن تحل مشكلة انعدام فرص العمل والتجارة في البلدة القديمة بعد أن أغلقت سلطات الاحتلال 512 محلا تجاريا منذ مذبحة 1994. كما أن هناك 3000 محل تجاري أغلقت بإرادة أصحابها بسبب عدم امكانية تحمل التكاليف من أجرة وضرائب ومصاريف أخرى دون دخل بسبب غياب الناس. وقررت الغرفة التجارية أن تعيد الحياة لتلك المنطقة. «قمنا بشراء حافلتين تعملان بالطاقة الكهربائية لنقل الجمهور من باب الزاوية إلى البلدة القديمة مجانا ابتداء من شهر رمضان الفائت تتسع كل حافلة 14 راكبا ومهمتهما تشجيع الناس على الوصول إلى تلك المنطقة المعدمة من السكان بسبب البؤر الاستيطانية والإغلاق الدائم لعلنا نعيد النشاط التجاري للبلدة القديمة». كما أنشأنا مؤسسة استهلاكية في البلدة القديمة مدعومة من الغرفة التجارية لتبيع البضائع بسعر أقل 10 في المئة من السوق كي نشجع المستهلكين على الذهاب إلى البلدة القديمة للتسوق بأسعار أقل من السوق الخارجي ليس فقط في رمضان بل طوال أيام السنة.
ومن المعروف على المستوى الفلسطيني أن الخليل أكثر بلدان فلسطين محافظة وتمسكا بالتقاليد، حيث لم تعرف المدينة في تاريخها مرافق ترفيهية كدور السينما والمسارح والحدائق العامة. وأكد الدكتور التميمي أن المسؤولين في المدينة بدأوا يفكرون في إضافة لمسات ترفيهية في المدينة ابتداء من الحدائق العامة والمساحات الخضراء، صحيح أنها قليلة ومعظمها في الضواحي، لكن هناك حركة واسعة في افتتاح المطاعم والمقاهي والنوادي وهذا شيء جديد في المدينة التي تنقصها مهارات الخدمات. وقد قررت الغرفة التجارية أن تساهم في سد ثغرة الخدمات بإنشاء «أكاديمية الطهي» على طراز عالمي لتدريب طهاة مهرة من جهة وتدريب عمال الخدمات بطريقة مهنية راقية وقريبا سيتم افتتاح الأكاديمية ومقرها في الغرفة التجارية. كما أنشأت الغرفة التجارية «وحدة صاحبات الأعمال» تضم أكثر من 300 سيدة يعملن في قطاع التجارة والصناعة وبعضهن يملكن أسماء كبيرة في هذا المجال. مثل ميرا الزعتري، وهي خليلية وسعت مشاريع والدها في تجارة الأحذية لتشمل 100 دولة من بينها محلات تجارية في الولايات المتحدة.

مواجهة الاستيطان

في مقر محافظة الخليل التقينا المحافظ، كمال أحمد حميد، ليحدثنا عن المشكلة الأساسية التي تواجه أكبر محافظات الوطن وهي الاستيطان الذي يتمدد كالأخطبوط ليس فقط حول المدينة بل وفي أحشائها الداخلية. وقال إن التحدي الأكبر أمام كبرى محافظات الوطن، حيث يزيد عدد سكانها عن 630000 نسمة هو كيفية حماية الأرض ومنتوجاتها من اعتداءات المستوطنين المحميين من قبل قوات الجيش. فمستوطنة كريات أربع تتداخل مع المدينة ولا يفصلها عن الخليل إلا شارع. ويقوم سكانها بالاعتداء على الناس والأرض والأشجار والمواشي. وأما البؤر الصغيرة داخل المدينة فهي التي حرمت 20 في المئة من سكان المدينة من العيش بهدوء في بيوتهم وقرب مصادر رزقهم. وحتى القلة من السكان الذين صمدوا في بيوتهم فحياتهم أقرب إلى الجحيم. وفي الخليل كما هو معروف ارتكبت أكبر مجزرة داخل الحرم الإبراهيمي عام 1994 ويكاد لا يمضي يوم أو إثنان دون قتل أو جرح أو اعتقالات بسبب التداخل الكبير بين المستوطنين وسكان المدينة.
عين كامل حميد، محافظا للخليل عام 2010 وهو من مواليد بيت لحم القريبة من الخليل. ودخل سجون الاحتلال تسع مرات. فقضية الأسرى ومعاناتهم قريبة من قلبه ولا يكاد يترك مناسبة دون أن يشيد ببطولات الأسرى. تضم محافظة الخليل عددا من المدن المتوسطة مثل حلحول ويطا ودورا وبني نعيم وبيت أمر وغيرها. وهي مشهورة بكروم العنب فيها وبمشتقات عديدة من العنب يتفنن أهلها في صناعاتها وبيعها أو تخزينها لأيام الشتاء.
يقول بديع الدويك، أحد نشطاء حقوق الإنسان في المدينة، إن السكان العرب الباقين في المدينة القديمة يمنع عليهم اقفال بيوتهم بل أغلاقها فقط ويستطيع أفراد الأمن والجيش اقتحام البيوت في أي وقت في الليل أو النهار. كما يقوم المستوطنون برمي القاذورات وفضلات الطعام فوق رؤوس الفلسطينيين. وقد يمنعونهم من مغادرة المنزل لأيام وقد يحرمونهم من العودة إلى منازلهم في حالة حدوث طارئ. إنهم يعيشون في سجن حقيقي. ويحاصرهم الخوف في كل مكان كي يتركوا بيوتهم وأملاكهم.
وفي الطريق إلى معاينة الحرم الإبراهيمي ومشاهدة ما جرى لهذا المسجد التاريخي الذي يضم رفات الأنبياء إبراهيم وزوجته سارة ويعقوب وإسحق وزوجتيهما رفقة وليئة الذي صنفته اليونسكو عام 2017 على قائمة التراث الإنساني كملك حصري للفلسطينيين، استوقفني الصحافي الفلسطيني رائد أبو رميلة ليؤكد لي أنه شاهد ووثق العديد من الإعدامات الميداينة قرب الحرم الإبراهيمي ونشر الصور في عدة أفلام وثائقية. ومن الذين وثق إعدامهم دانيا إرشيد ومهدي المحتسب، وإيهاب مسعود، وعبد الله العجلوني وياسمين الزرو، وكلها إعدامات من نقطة الصفر. «لدي وثائق حول اعتقالات الأطفال ومداهمات البيوت واستخدام الرصاص الحي ضد المحتجين. في الانتفاضتين الأولى والثانية لم تكن هناك اعدامات ميدانية بهذا الشكل وخاصة ضد الأطفال ـ كانت هناك انتهاكات ـ أما في الهبة الأخيرة منذ عام 2015 فالإعدام ممارسة منتشرة تماما ضد الأطفال» قال أبو رميلة.
أترك الخليل وينتابني شعور مزدوج، فمن جهة تعطيك هذه المدينة شحنة من أسباب صمودها وإبداعاتها وحركتها التجارية الدؤوبة وروح التضحية والمثابرة والإنتاج التي يتمتع به أهلها. وفي الوقت نفسه يعتصر قلبك ألم دفين لما تعرضت له من ظلم وقهر ومعاناة بسبب المستوطنين الذي يعيشون بقوة بنادقهم داخل المدينة ويتمددون خارجها كبقع السرطان الذي إذا لم يتم استئصاله فالنتيجة أنه سيقضي عليك.

مدينة خليل الرحمن: عنب وذهب ومواجهات

عبد الحميد صيام

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left