زواج السـوريات من المقاتلين الأجانـب

حرب اجتماعية تدمر المتورطين فيها

حسام محمد

Aug 25, 2018

رغم عدم وصول نسبتها إلى أرقام قياسية، إلا إن زواج السوريات من المقاتلين الأجانب، أو ما يعرف محلياً بـ «المهاجرين» منذ سنوات، يعد من الأحداث الاجتماعية المقلقة في المجتمع السوري، خاصة تلك التداعيات التي تنتظر الأطفال مجهولي النسب، بعد تحفظ السواد الأعظم من المقاتلين المهاجرين عن إظهار نسبهم الحقيقي، والاكتفاء بالأسماء المستعارة، والتي تعتبر الخطوة الأولى وفق مصادر حقوقية في تضييع مستقبل العائلة، ووضع السوريات أمام تحديات مجتمعية لا يمكن تفاديها مع مرور الأيام.
سوريا، وخاصة في المناطق التي انتشرت فيها المجموعات الجهادية كـ «دير الزور والرقة وحلب وحمص» مع بعض الحالات في الجنوب السوري، وثقت عشرات المشاهد، من زواج المقاتلين غير السوريين، من سوريات، وفق العديد من المسوغات، مختلفة المرجعيات والاعتقادات المحلية، ووسط ظروف مؤقتة سيطرت على مفاصل الحياة المدنية السورية، في ظل حرب أتت أكلها على معالم الحياة، بما فيها ثقاقات الشعب، وجعلت من الفتيات، رهائن لتلك التطورات، ووضعت أرواح الأطفال المجهولي النسب في غياهب مستقبل مرير.
ووفق العديد من المصادر المحلية، فإن عملية زواج المقاتلين الأجانب، من سوريات، تتم دون العادات والتقاليد المعمول فيها في البلاد، وبعضها يكون بشكل شبه سري، لا يعلم به سوى المقاتلين من المنتمين إلى التنظيمات الجهادية، وتتكفل المحاكم التابعة لهذا التنظيم أو ذاك بتثبيت عملية الزواج، وتوثقه ضمن قيودها الخاصة.

تداعيات سلبية

عشرات الأطفال، كانوا نتاج زواج المقاتلين الأجانب من سوريات، علماً انه ليست هناك احصائيات دقيقة حول مجملهم، ولكن مصادر محلية، تتحدث أن تلك الأعداد متوسطة النسبة، ولكنها كارثية على الواقع المحلي لما ستخلفه من تداعيات سلبية كبيرة على مستقبل هؤلاء الأطفال.
المعارض السوري أسامة المصري، وهو أحد المطلعين على بعض الحالات، يرى أن الطبيعة الاجتماعية للسوريين، تتقبل أي أحد يرتدي اللباس الطويل، وطويل اللحية، فيتم التعامل معه بأريحية، وأن هذه الملامح تدفع العائلات لقبول عرض الزواج، بأيسر الطرق المعروفة.
لم ينته الخطب هنا، بحسب ما رواه المصري خلال حديث خاص مع «القدس العربي»: إذ إن غالبية المقاتلين الذين تزوجوا بسوريات، لا يقدمون لعائلة الزوجة الاسم والنسب الحقيقيين، ويكتفي بالاسم المستعار كـ «أبو عائشة الأردني» على سبيل المثال، حيث يرفض الزوج الإدلاء بأي تفاصيل، تحت حجة «الضرورات الأمنية»، وبعد الزواج، لا يتم توثيق الأطفال في السجلات المدنية في المناطق المحررة، وأن النظام السوري يرفض التعامل مع هذه الحالات.
المقاتلون الأجانب المنتمون للتنظيمات الجهادية، يغادرون عائلاتهم تناسباً مع التطورات العسكرية الميدانية، تاركين خلفهم إرثاً ليس بالأمر الهين، وفق المصري، وأن المستقبل المجهول وحده المعلومة الواضحة حيال واقعهم.
ليس الطفل وحده، من ولد والمعاناة برفقته، بل أن مصير الزوجات لا يقل ألماً، فهي لا تعرف كيف ستتعامل مع الواقع الراهن، وكيف تعرف نفسها، هل هي متزوجة، أم زوجة متوفي، أم مطلقة؟
دافع القبول بتزويج السوريات من المقاتلين الأجانب، حسب المصري، هو العاطفة، وبعضها سببها الخوف من التنظيمات التي بسطت نفوذها على مدينة ما، وبعض الحالات يكون الإغراء المالي أحد المشرعات لنجاح نماذج هذه الحالات.
الزواج أمره خطير، بحسب المجلس الإسلامي السوري، وشأنه عظيم، وتترتب عليه حقوق وواجبات، وأحكامٌ ونتائج، ومصاهرة ونسب؛ لذا يجب أن يكون مبنياً على العلم والوضوح، ومعرفة الزوجين وتعيينهما، والجهالة بأحد الزوجين في العقد محرّم، ومآله خطير.
وإذا جمع مجهول الاسم إلى ذلك انتساباً إلى جماعات «الغلو»، فإن هذا يزيد من المفاسد والآثار المترتبة على إجراء هذا العقد، فيكون أولى بالتحريم والمنع، لا سيما أن مجاهيل الغلاة، وخاصة إن كانوا غير سوريين، مشكوك في حقيقة أمرهم، ودينهم، وأخلاقهم، وقد يكونون من العملاء المدسوسين، أو من غير المسلمين.
الإسلامي السوري نوه إلى إن الشريعة الإسلامية عنيت بحقوق الزوجين، وأولادهما، والمجتمع، وجعلت مِن مقاصدها الكبرى حفظ الضروريات، ومنها حفظ النسب والعرض والمال، وهي ضروريات متعلقة بعقد النكاح، وإنّ الإخلال بهذه الكليات أو بعضها يُعدّ تفريطاً بأصول التشريع ومقاصده، وبأمن المجتمع واستقراره، ويتسبب في خراب الديار، وضياع الأنساب، وهدر الأعراض.
كذلك، تضييع حق المرأة في معرفة زوجها وشريكها، تضييع حقوق المرأة مِن الميراث والنفقة عند ذهاب الزوج المجهول، وعدم إمكان الوصول إليه، وتعريض المرأة للفتنة عند غياب الزوج، وبقاؤها معلّقة في عصمته، وعدم معرفة المحارم كوالد الزوج وأولاده.
والمتعلق بالولد، وفق المجلس الإسلامي: أنّه لا يُعلم نسبُه، ولا عائلتُه، يؤدي هذا الزواج إلى تضييع انتساب الولد لبلده، وعدم القدرة على الحصول على أوراقها الثبوتية، وما في ذلك من مصاعب ومخاطر لا تخفى. ومِن المفاسد المتعلقة بالمجتمع والأمة: أنّ كثيراً مِن الأبناء سيولدون في حال غياب آبائهم، والجهل بحالهم، فلا يجدون مَن يهتم بهم ويربيهم، وينشأ جيلٌ مِن الأطفال الضائعين الذين يشكّلون عبئاً على المجتمع، ويكوّنون بيئةً خصبة للانحراف والجريمة، وفي هذا جناية على الشعب جميعه.

انتهاك كبير لحقوق الإنسان

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، قال لـ «القدس العربي»: ظاهرة زواج المقاتلين الأجانب من السوريات، هي انتهاك كبير لحقوق الإنسان، وكانت أكثر المناطق التي شهدت هذه الأحداث، الرقة، كون تنظيم الدولة سيطر عليها لسنوات طويلة، وانتشر فيها على مساحات كبيرة.
وأرجع المصدر الحقوقي أسباب تزويج السوريات لمقاتلين أجانب، إلى ثلاثة محاور، الأول هو الخوف من التنظيمات المتشددة في سوريا، والزواج من أحد مقاتلي تلك التنظيمات، يجعلها محمية من قبل التنظيم، والمرجع الثاني، وهو الإقتراب الفكري من هذا المقاتل، وعملية الاقتراب الإيديولوجي، تسهل عملية الزواج، بما فيها تزويج الفتيات القاصرات، والعامل الثالث، الفقر.
واعتبر عبد الغني، أن من يتحمل المسؤولية ومرتكب الانتهاك، هو والد الزوجة، معللاً ذلك بأن الوالد ليس من حقه الإقدام على مثل هذه الخطوات، وفي المناطق المذكورة، لا يوجد قانون محلي، لذلك يتم تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان، بالتالي، هذه الأنواع من عمليات الزواج، تساهم بشكل أو آخر في تحطيم المجتمع السوري.
ومصير هؤلاء الأطفال، ضحايا الزواج المجهول، وفق مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، غير مسجل بشكل قانوني، أو مسجل في محاكم شرعية محلية، وفي حال حدوث أي تطور عسكري أو تدمير هذه المحكمة، تضيع الوثائق فتضيع معها حقوق السورية وأطفالها.
في غالبية الأحيان، تكون هوية الزوج المقاتل غير سوري، وبالتالي فهو مجهول الهوية، مما يعني ان الزواج غير مثبت، وفي حال قتل الزوج، لا توجد طريقة لتثبت الأم زواجها، وأطفالها، فتضيع حقوق كليهما، في مثل هذه الحالات.
في حين قالت مصادر محلية لـ «القدس العربي»: العائلات التي وافقت على تزويج فتياتها من المقاتلين المهاجرين أو الأجانب، تحاول إخفاء الحادثة أمام المجتمع المحلي، وحتى الرأي العام، لما يترتب على أرباب تلك العائلات من مسؤولية قانونية، وكذلك خوفاً من العبارات التي قد تطلق على هذه السيدة أو تلك.
كما أفاد مصدر خاص، بأن النظام السوري، يحاول عبر مجموعات سرية، الحصول على معلومات محلية حول اسم السوريات المتزوجات من المقاتلين الأجانب، بهدف الاستفادة منها في الجانب الاستخباراتي.
الناشط المعارض أبو محمد الإدلبي، قال لـ «القدس العربي»: سوريا، كانت عايشت في أواخر عام 2012 حتى عام 2015، توافداً غير مسبوق للمقاتلين الأجانب بعد تعمد النظام إفراغ جيوبه العسكرية من النقاط الحدودية، الأمر الذي سهل عبور المقاتلين نحو العمق السوري».
وأضاف، «المقاتلون الأجانب ممن دخلوا سوريا في تلك الحقبة، كانوا من مختلف الجنسيات، وبعضهم متزوج وبعضهم لا، وفِي سوريا كليهما جنح نحو الزواج من السوريات، كخيار أقل مسؤولية وكلفة، وكحل بديل عن احضار الزوجة المنحدرة من ذات وطن المقاتل الأصلي».
وقد وقع في ذلك المستنقع، الطبقات السورية غير المتعلمة في أكثر الحالات، وكان العامل المادي من الدوافع المؤثرة على تزويج السوريات من مقاتلين أجانب مجهولي النسب، وغالبية المتزوجات هن زوجات شهداء أو مطلقات، وبعد حدوث الزواج ترحل السورية مع زوجها من مدينة لأخرى. ولكن مع انحسار الرقعة الجغرافية للجهاديين في سوريا، رحل الزوج – أي المقاتل الأجنبي، وترك زوجته وأطفاله دون أي إثبات قانونية تحفظ حقوقهم، فيما تلجأ العائلات إلى البحث عبر طرقها الخاصة عن أي وسيلة للوصول إلى عائلة زوجها في موطنه الأصلي، عساه تلملم بعضاً من حقوقها وحقوق أطفالها، وتبعد عن نفسها أي إجراءات دولية قد تطالها مستقبلاً.
الإدلبي، رأى أن توسع تنظيم «الدولة» وجبهة النصرة في منتصف أعوام الثورة السورية، انعكس على الواقع الاجتماعي، وجعل تزوج السوريات من المقاتلين الأجانب أمرا غير مرفوض، لاعتقاد العائلات السورية الموافقة على تزويج بناتها من الأجانب، بان تلك التنظيمات خطت مستقبلها وثبتت قواعدها، وستكون هي السلطة المقبلة. وهنا وفق ذات المصدر، فان المنظمات الإنسانية والحقوقية تتحمل مسؤولية كبيرة لعدم تقديم الوعي اللازم للعائلات السورية، وأن لكل حرب ضريبة باهظة سيدفع المدنيون ثمنها في كل الأحوال. وأضاف المصدر المطلع على بعض الحالات في الشمال السوري، بعض السوريات ممن تزوجن بمقاتلين أجانب، تعرضن للضرب المبرح، ومنعن من زيارة عائلاتهن، وبعض الحالات كانت ناجحة نتيجة تقارب الواقع الاجتماعي للمقاتل والحياة الاجتماعية السورية، ولكن هناك بعض الزيجات، لا يوجد فيها أي تقارب من ناحية العرق أو اللغة وحتى العادات الاجتماعية بين المقاتل الأجنبي والسورية، مما أدى إلى انهيار سريع في الحياة الزوجية، وهذا أيضاً عاد بأضرار غير قليلة على الزوجة السورية، أما المقاتل فعاد وتزوج بأخرى.

«مين زوجك؟»

مجموعة من الناشطين الإعلاميين والحقوقيين في مناطق إدلب وريف حلب الغربي، وريف حماة الشمالي، كانوا قد أطلقوا، مطلع عام 2018، مبادرة تدعو النساء السوريات لعدم الزواج من المقاتلين الأجانب تحت عنوان «مين زوجك؟».
ما يقرب من الـ 1750 حالة زواج لسوريات من مهاجرين، 1124 منهن أنجبن أطفالاً، وبلغ عدد المولدين لآباء مهاجرين 1826 طفلاً، في حين لا توجد أي احصائيات لزواج رجال سوريين من أجنبيات مهاجرات لفصائل إسلامية، وفق ما نقله موقع «سناك سوري».
كما شملت الحملة جلسات حوارية نسائية بالتعاون مع عدد من المنظمات والفرق المدنية في المناطق المستهدفة، بالإضافة لحملة إعلامية عن طريق لصق بوسترات وبروشورات ورسوم غرافيتي على جدران الأماكن العامة في النطاق الجغرافي للحملة والنشر الإعلامي والتعريف بها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

11HOR

زواج السـوريات من المقاتلين الأجانـب
حرب اجتماعية تدمر المتورطين فيها
حسام محمد
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left