برلمان العراق: شطرنج أقرب إلى كراسٍ موسيقية

صبحي حديدي

Aug 25, 2018

بينما تنزلق الكتل البرلمانية العراقية إلى حلقة مفرغة تلو أخرى، في قلب الدوامة ذاتها التي تدور بهم حول مناورات التوصل إلى تحالف ذهبي قادر على تشكيل الحكومة العتيدة المقبلة؛ تذهب الاحتجاجات الشعبية في الجنوب نحو منعطف جديد فارق، لن يتأخر في قلب الطاولة على رؤوس المناورين، أجمعين ربما. المطالب هذه المرة تجاوزت الحاجات المعيشية والخدمات العامة والكهرباء والفساد، لأنّ المعتصمين والمتظاهرين بدأوا يطالبون بمنح البصرة حقوق الإقليم، كاملة غير منقوصة، فليس إقليم كردستان بأفضل منهم في استحقاق هذا المطلب. والبصريون يذكّرون أخوتهم المواطنين العراقيين في المناطق الأخرى (ولكن في «المنطقة الخضراء» البغدادية على وجه الخصوص، حيث ينزلق الساسة وتتخبط المناورات) أنّ البصرة تزوّد الحكومة الاتحادية بالنسبة الأكبر من الموازنة، وتنتج 2،8 مليون برميل من النفط يومياً، وتتمتع جغرافياً بموقع فريد برّي وبحري، ولا يتلقى أبناؤها (قرابة 1،5 مليون نسمة) إلا النزر اليسير من هذه المزايا.
ليس في وسع السادة مقتدى الصدر وحيدر العبادي وعمار الحكيم وإياد علاوي، من جهة أولى؛ ولا السادة نوري المالكي وهادي العامري وأسامة النجيفي وجمال الكربولي وأحزاب إقليم كردستان، من جهة ثانية؛ صمّ الآذان عن هتافات البصرة، وسواها من مدن الجنوب وبلداته وقراه. هذه باتت تنادي الفاسدين بأسمائهم، اهتداءً بما درجت على اعتماده مرجعية آية الله علي السيستاني، وتنذر بأنّ المرحلة التالية قد لا تشبه سواها، خاصة تجارب الانتخابات وتشكيل الحكومات في أعقاب دورتَيْ 2010 و2014. الحال ذاتها تسري، كما يشير المنطق البسيط، على أسماع قائد «فيلق القدس»، الجنرال قاسم سليماني، الذي وصل إلى العراق لترتيب (وربما الإشراف على) شؤون الفئة الثانية؛ أو أسماع بيرت ماكغورك، المبعوث الأمريكي الخاص، الذي التحق بالبلد أيضاً وباشر جولات مكوكية بين بغداد وأربيل، لمساندة الفئة الثانية.
اللعبة، مع ذلك، تعطي الدلائل الشكلية على شطرنج محتدم، قائم على قواعد تقليدية في احتساب القوى وضبط التوازنات، ربما على مستوى اكتساب هذا البرلماني المتذبذب بين الفئتين، أو تلك المجموعة المتطلعة إلى حقيبة وزارية أو أخرى. ومن هنا فإنّ مضمون الأخذ والعطاء يميل، أكثر من الشطرنج الذي يتيح ترقية البيدق إلى وزير، نحو لعبة الكراسي الموسيقية التي تُشعل التنافس على الكرسيّ الواحد المبتغى. كلّ هذا بالرغم من أنّ معطيات ماضي العراق، ومنذ الاجتياح الأمريكي سنة 2003، وتنصيب الحكومات المرتهنة للاحتلال أو للجارة إيران، لا تشجع على التماس أيّ تغيير جوهري في ميزان المناورات والصفقات والعهود، ثمّ النكث بها والانقلاب عليها.
وهنا لا يحتاج المرء إلى مراقب غربي مستشرق، أو حتى مستعرب يدّعي الخبرة بشؤون العراق وشجونه، كي يدرك طبائع جعجعة بلا طحن تخيم على المشهد هذه الأيام، أو خلال الأسابيع التي ستعقب التئام المجلس النيابي وابتداء العدّ العكسي نحو التكليف؛ أو أن يستقبل المرء ذاته مختلف التأويلات حول غرائب مثل جود الشيوعيين في تحالف «سائرون» الصدري، أو عجائب مثل أن يحمل تحالف المالكي اسم «دولة القانون»! وعلى نحو أو آخر، قد يكون الطحن آخر ما ينتظره المواطن العراقي من هؤلاء الساسة وهذه الكتل، خاصة بعد أن تمخض الجبل في اجتماعات فندق بابل عن «نواة» فقط، فشلت في الانقلاب إلى كتلة، رغم أنها تضمّ العدد الأكبر من مقاعد البرلمان.
وما خلا المساعي الحميدة (أي: الابتزاز أو الضغط أو التهديد أو التشهير…) التي يواصل بذلها سليماني وماكغورك، كلٌّ على طريقته وبأدواته وما تحويه جعبته من تنويعات العصا والجزرة؛ يبقى تمويه أحجار الشطرنج في كراسٍ موسيقية، أو العكس، هو الكوميديا الأفضل حظاً في انتزاع ضحكة نادرة من مواطن عراقي، تتناهبه الأوجاع أكثر من المسرات!
11RAI

برلمان العراق: شطرنج أقرب إلى كراسٍ موسيقية

صبحي حديدي

- -

4 تعليقات

  1. العراق دولة محتلة من امريكا و ايران. و تشكيل الحكومة لا يمكن ان يتم قبل ان يكون هناك اتفاق بين امريكا و ايران.

    في ظل انسحاب امريكا من الاتفاق النووي و اتجاهها الى تشديد العقوبات على ايران، من غير الوارد ان يكون هناك اتفاق بين امريكا و ايران في القريب العاجل. على الارجح سيستمر الوضع كذلك الى تهدأ ضغوط اليهود على الادارة الامريكية الحالية و يتقرر مصير راس الادارة.

    الوضع الحالى يخدم مصلحة الطرفين، فنهب ثروات العراق من قبل الطرفين لا يحتاح لمصادقة من الحكومة العراقية، و عدم وجود حكومة عراقية يحفظ وجه ماء امريكا حيث ان وضع العراق الحالى يحعل من المستحيل تطبيق اي عقوبات على ايران و الذي يمكن تبريره امريكيا بعدم وجود حكومة جديدة قادرة على تطبيق العقوبات.

    الحديث عن نتائج الانتخابات العراقية و مختلف الكتل و السياسيين هو مضيعة للوقت. فهؤلاء لا يمثلون حتى انفسهم و ودورهم هو التغطية باسم العملية السياسية على عملية النهب الممنهج لثورات و موارد العراق منذ 2003.

  2. برلمانات العرب لا هي شطرنج ولا هي فرق موسيقية بل هي أقرب إلى مأتم أو مجلس عزاء.
    العرب رأوا أن الغرب عنده برلمانات جابوا عباد حطوهم على كراسي وقالوا هذا برلمان. العرب حالهم يكرب وليس العراق إلا نموذجا سواء قبل أو بعد حرب أمريكا.

  3. نعم انها جعجعة بلا طحن، وليس فقط منذ هذه الأيام ، بل منذ بداية الاستقلال المنقوص، وخصوصا منذ انقلابات حزب البعث العصابه، الذي فتت النسيج الاجتماعي لكل لأوطان الذي تواجد بها ، حزب انصهرت به اوهام وأحقاد ومظلوميات اقليات وعشائر وقرى ، وصبت جام عنفها على كل من مايمثل المدنيه والمدينه ( المدن)، وهكذا وءدت براعم الوطنيه الفتيه رغم هشاشتها وتناقضاتها ، وقد نكون محطوظون( وأي حظ؟) ان نعيش تحلل وفناء دول، كان يقال عنها ( وكان ذلك وهم ومقصودا) انها تملك أقوى رابع جيش بالعالم؟؟؟؟ودوله وصفها مواطن عربي بقلب العروبه النابض ، وإذ بها تتحول الى دمله سرطانيه نشرت تمدادتها على اجزاء كثيره من اوطاننا واولها ما كان يسمى ريءة العالم العربي.

  4. *كان الله في عون (العراق) وشعب
    العراق المنكوب المظلوم .
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left