غلق قنوات المعلومات والأجواء السياسية والأمنية الخانقة تعلن موت الصحافة في مصر والنظام الصحي في تراجع مستمر

حسنين كروم

Aug 27, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرز ما اهتمت به الصحف المصرية الصادرة يومي السبت والأحد 25 و26 أغسطس/آب وكذلك الأغلبية، كان العملية التي نفذتها مجموعة إرهابية رابع أيام العيد بمهاجمتها كمينا للشرطة في الطريق الساحلي لمدينة العريش، والمفاجأة سببها أن قوات الأمن حققت ما وعد به وزير الداخلية اللواء محمود توفيق الشعب، بأنه تم توفير كل الإمكانيات لقضاء العيد بعيدا عن أي مشاكل يسببها الإرهابيون أو البلطجية، حيث انتشر مئات الألوف من الضباط والجنود في جميع المحافظات بسياراتهم وأسلحتهم، بالإضافة لقوات من الأمن بالملابس المدنية.
جاء الهجوم الإرهابي في رابع يوم على أساس أنه ستحدث حالة من الارتخاء الأمني، ورغم الأسف لاستشهاد أربعة من أفراد الكمين، إلا أن نجاحهم في التصدي للمهاجمين والاشتباك معهم وقتل أربعة منهم، وإجبارهم على الفرار، خوفا من وصول نجدات، بعد أن استمر تبادل إطلاق النار أكثر من ساعة، ما أدى إلى تركهم جثث الاربعة والأسلحة، وهو ما سيمكن الأمن من معرفة أصحابها، بعد تحليل الـ«دي أن أن» ومن أين جاءوا أمن العريش؟ أم من الشيخ زويد؟ أو من مخابئ في صحراء وسط وشمال سيناء؟
ومن الأخبار الأخرى التي تناولتها الصحف، أزمة الرئيس الأمريكي، والأوضاع في تركيا والحملات العنيفة ضد معصوم مرزوق والستة المقبوض عليهم، الذين تحقق معهم النيابة ومنهم الدكتور يحيى مزاز أستاذ الجيولوجيا في جامعة حلوان. أما الموضوع الأكثر أهمية فكان استعدادات عشرات الملايين من الأسر المصرية للعام الدراسي الجديد وأعبائه المالية.
لدرجة أن الرسام مخلوف أخبرنا في «المصري اليوم» أن الأزمة المالية دفعت الكثيرين لعدم شراء خراف الأضحية لدرجة أنه شاهد معجزة في الشارع خروف ويقول لرب أسرة:
بالسلامة أنت عشان تلحق تدبر فلوس المدارس.
والاهتمام الثاني كان لمباريات الدوري العام لكرة القدم. بعدها تعددت الاهتمامات حسب كل طائفة أو محافظة أو مدينة مثل، أصحاب الحالات الحرجة وقرار الرئيس بمد طلبات علاجهم إلى ثلاث سنوات، بدلا من ستة أشهر على نفقة الدولة، وأن يشمل فحص إصابات فيروس الكبد سي خمسين مليون مواطن، وسرعة معالجة أزمة النمل الأبيض في أسوان والأقصر والقمامة في كثير من شوارع المحافظات، وقرار وزير التنمية المحلية تسهيل استخراج تراخيص لأصحاب التوك توك، وتحصيل الرسوم منهم، وتحديد مسارات لهم بعيدا عن الطرق الرئيسية في المدن، والاقتصار على المناطق الشعبية والقرى. وإلى ما عندنا من تفاصيل الأخبار وأخبار غيرها متنوعة..

حكومة ووزراء

ونبدأ بأبرز ما كتب عن الحكومة ووزرائها وأوله كان في «الأخبار» لخفيف الظل عبد القادر محمد علي وقوله وهو في غاية السعادة والانشراح: «طوال أيام الوقفة والعيد كنت أقطع المسافة بالسيارة من مدينة نصر إلى عملي في أخبار اليوم في 12 دقيقة بدلا من 40 دقيقة، وأحيانا 90 دقيقة لماذا؟ لأن أهل القاهرة يهجرونها ويختفون تماما من الشوارع في العيد، الفقراء – وهم الأغلبية العظمى- يتوجهون إلى قراهم للاحتفال مع الأهل. والأغنياء يطيرون إلى المنتجعات لممارسة الشواء بعيدا عن عين الحسود، أما ذوو الدخل المحدود، فبعد أن جارت عليه الحكومة وانخفض تصنيفه إلى «صفر كبير»‬ أصبح يفضل النوم لأنه النشاط الوحيد المعفى من الضريبة».

إكراميات لتسهيل إنجاز المعاملات!

أما زميله أحمد شلبي فقد سخر من اقتراح أن تكون إجازة الموظفين ثلاثة أيام في الأسبوع مع مد فترة العمل ساعتين لتسهيل إنجاز المعاملات فقال: «ليس مطلوبا زيادة أيام الإجازة ولكن أداء الخدمات للجمهور بسهولة ويسر حتى لو أخدوا خمسة أيام إجازة، ما يهم الناس – الذين تدعي الحكومة أنها تعمل من أجل راحتهم – ألا يتعذبوا مرارا وتكرارا لأداء أي خدمة يطلبونها أو يضطروا لدفع إكراميات لأدائها والتعجيل بها. سمعنا كثيرا عن استخراج رخص السيارات والقيادة إلكترونيا، وحتى الآن مازالت الخدمة في علم الغيب ما فائدة التكنولوجيا إن لم تسهل تقديم الخدمات للناس، بدون معاناة وبدون الحاجة لدفع إكراميات مثلما يحدث الآن في حجز تذاكر السفر؟».

المحافظون

وفي «الأهرام» تناول عبد المحسن سلامة رئيس مجلس الإدارة ونقيب الصحافيين حركة تنقلات وتعيينات المحافظين وقال: «لا أدري هل سيتم إعلان حركة المحافظين الجدد أم لا وقت قراءة هذه الكلمات؟ وبغض النظر عن إعلان الحركة وتوقيتها، فالمهم أن نشهد انطلاقة كبرى للعمل في المحليات، لأنه مهما تبذل الحكومة المركزية من جهد تظل المحليات هي الحلقة الوسيطة لتقديم كل الخدمات للمواطنين من نظافة ورصف ومياه شرب وصرف صحي وغيرها من الخدمات التي ترتبط بحياة المواطنين اليومية. أعلم أن اللواء محمود شعراوي وزير التنمية المحلية حريص على «التدقيق» في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالاختيارات ودراستها، لكي تخرج حركة المحافظين كما يتمنى المواطنون في كل محافظات مصر، خاصة أن هناك محافظين نجحوا خلال فترة توليهم مسؤولياتهم وآخرين لم يحالفهم التوفيق. المهم متابعة الأداء بشكل ميداني، فلا يعقل أن تكون مشكلتنا حتى الآن هي النظافة، أو التعديات، فهناك جهود جبارة تبذل الآن للانطلاق بالاقتصاد الوطني وجني ثمار الإصلاح، ولابد من أن تكون القيادات المحلية على المستوى نفسه، وأعتقد أن ذلك ربما يكون وراء تأخر إعلان الحركة بعض الوقت لتأتي مواكبة لما هو مأمول منها».

في مصر أغرب نماذج الإدارة

ونظل في «الأهرام» لنكون مع أحمد عبد الحكم وسخريته مما يحدث في مصر من عجائب مع الوزراء والمحافظين وغيرهم قال: «من أغرب نماذج الإدارة ما يحدث كثيرا في البيروقراطية المصرية في العالم كله، إذا نجح وزير أو رئيس وزراء أو أي مسؤول في عمله، وحقق تقدما وتطويرا، وأدى مهمته بنجاح وعلاقات متميزة مع المواطنين، فهذه كلها مبررات كافية ليظل هذا المسؤول في موقعه، أما عندنا في نموذجنا العجيب، إذا تفوق مسؤول في عمله أو محافظ أو أي مستوى إداري أعلى، فهذا مبرر كاف لنقله. كثير من المحافظين في فترات سابقة انتصروا على الظروف الصعبة في محافظاتهم، وحققوا تقدما كبيرا، وأحدثوا حالة من التعاون والمشاركة المجتمعية في تنفيذ خطط التنمية، لكن تم نقلهم إلى محافظات أخرى ولم يكملوا ما بدأوه في المحافظة الأولى، وكثير من رؤساء المدن والأحياء والقرى ونواب المحافظين والسكرتيرين العامين يتنقلون بين الأحياء والمدن كقطع الشطرنج، لا تعلم لماذا جاء هذا ولماذا ذهب ذاك؟ أكتب هذه السطور وقد تكون حركة المحافظين قيد الإعلان، إن لم تكن قد أعلنت بالفعل، لنعطي الفرصة لمن نجح في موقعه أن يكمل مشواره ويراكم ما حققه من إنجازات، أما الفاشلون فيجب ألا يستمروا في مناصبهم يوما واحدا، فالإبقاء عليهم خسارة للوطن وخصم من رصيد الثقة بين الدولة ورعاياها».

مشاكل وانتقادات

ومن الحكومة إلى المشاكل التي تواجهها، ومنها مشكلة الزيادة السكانية التي تلتهم كل ثمار التنمية، ما جعل الحكومة تفكر في تقديم مزايا لمن يقتصر إنجابها على اثنين، وحرمان من زاد على هذا العدد منها، خاصة في المواد التموينية. وعن هذه المشكلة نشرت «الشروق» حديثا لأسماء سرور مع سحر السنباطي رئيسة قطاع السكان وتنظيم الأسرة في وزارة الصحة ودارت فيه الأسئلة والإجابات كالتالي: «كيف ترين مشروع قانون تنظيم الأسرة ومواجهة الزيادة السكانية؟ وما رأيك في الحوافز المقترحة؟ المقترح خطوة وجهد مطلوبان للعمل في القضية السكانية، فهي ليست قضية وزارة الصحة وحسب، بل المجتمع بأسره، لكن أرى أن وجود مثل هذه الحوافز يحتاج إلى حوار مجتمعي على أوسع نطاق لدراسة احتياجات الناس وكيفية تحفيزهم. وفكرة وضع حوافز معنوية أمر جيد، لكن لا بد من ربطها بأسباب أخرى توضح عائد تنظيم الأسرة على الأم والأولاد، فيكفي أن دراسات منظمة الصحة العالمية أظهرت أن تنظيم الأسرة يقلل بنسبة 25٪ من وفيات الأمهات والأطفال، بخلاف القدرة على رعاية أبناء أصحاء. معنى ذلك أن الحوافز غير كافية من وجهة نظرك؟ لا أظن أن أي حوافز ستكون أغلى من صحة الأم والأبناء، فالأفضل هو إعلاء وترسيخ الاقتناع بالفكرة، والتأكيد على أن تنظيم الأسرة لصالحها وليس لمصلحة مؤقتة، وفي المقابل إذا فكرنا في فرض غرامات أو حوافز سلبية، سنجد أن أغلبها غير دستوري ومخالف لحقوق الإنسان، لذلك أؤكد على أن الأمر ليس قرارا فرديا، بل يحتاج إلى حوار مجتمعي جاد. ماذا عن المواليد والمحافظات الأعلى في ذلك؟ عدد المواليد في مصر يبلغ نحو 25 مليون مولود سنويا يضافون إلى كاهل الدولة، والزيادة السكانية خطر داهم يعيق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويلتهم كل ما يتحقق من إنجازات، وتظل محافظات الصعيد هي الأعلى في هذا المعدل وما تزال بحاجة إلى الكثير من المجهود بسبب الخصائص السكانية.

الشراكة مع الجامعات الأجنبية

وثاني المشاكل كان عن موضة الشراكة مع الجامعات الأجنبية، التي بدأتها الجامعات الخاصة وتبعتها فيها الجامعات الحكومية، وهو ما حذر منه الدكتور حسام محمود أحمد فهمي أستاذ هندسة الحاسبات في جامعة عين شمس في مقال له في «الأخبار» قال فيه: «بدأت الشراكةُ مع الجامعات الأجنبية منذ إنشاء الجامعات الخاصة وبمقتضي هذه الشراكة يُمنحُ الطالبُ شهادة مزدوجة من الجامعة الأجنبية ومن الجامعة الخاصة، اعتبرَت الجامعاتُ الخاصة هذه الشراكة جاذبة للطلاب في إطار المنافسة في ما بينها، والآن ظهرَت في بعض الكليات في الجامعات الحكومية شراكات مماثلة مع جامعاتٍ أجنبيةٍ، ومن حيث المبدأ فإن الكليات الحكومية لا تحتاجُ شراكة مع جامعاتٍ أجنبية لأن الطالب يدخلُها بحكم المجموع فلا تنافسَ بين الكليات الحكومية ونظيراتها الخاصة والعامة، لكن لو كان من شأن شراكة الجامعات الحكومية مع الجامعات الأجنبية رفعُ مستوى التعليم وفتح آفاقٍ للخريجين فهي بالفعل شراكةٌ مُثمرةٌ. مستقبلُ طلابنا لا مجازفةَ فيه، ما هي السلوكياتُ التي سيكتسبونها لما يتيقنون أنهم وقعوا على مرأى ومسمع الدولة في ما لم يعدْ عليَهم بنفعٍ حقيقي؟ هل سيُباعُ الحلمُ لطلابنا أم سيتلقون فعلا تعليما مختلفا يفتحُ لهم فرصا أفضل؟ جميلٌ أن تمدَ جامعاتُنا لبَرة بما يحققُ النفعَ الحقيقي اللهم لوجهك نكتبُ».

أصداء قضايانا في الخارج

بعيدا عن الضجة التي عاشتها مصر ووصلت أصداؤها للعالم الخارجي بالقبض على مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير معصوم مرزوق والدكتور يحيى القزاز وخمسة آخرين، ثم تقديمهم للتحقيق ثم حبسهم على ذمة قضية جديدة، إلا أن حدثا لا يقل أهمية شهدته تلك الواقعة، كما يقول جمال سلطان في «المصريون»، وهو متصل بالصحافة المصرية وما آلت إليه أوضاعها في السنوات الأخيرة، في ظل جو خانق اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، وانسداد قنوات المعلومات الأساسية لأي عمل صحافي يحترم مهنته ويحترم قارئه، وهي كلها عوامل تخنق الصحافة وتقتلها ببطء، غير أن ما حدث أمس هو أشبه بإعلان موت الصحافة فعليا في مصر. عندما حدثت واقعة إلقاء القبض على السفير معصوم والآخرين، انتشر الخبر كالنار في الهشيم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومن خلال تصريحات مؤسسات حقوقية ومحامين مهتمين بقضايا الشأن العام، مثل طارق العوضي وخالد علي وعمرو إمام، وازداد الأمر وضوحا بعد ساعات عند وصول المقبوض عليهم إلى نيابة أمن الدولة العليا، تمهيدا لبدء التحقيق معهم، وهو التحقيق الذي انتهى في ساعة متأخرة بقرار حبسهم على ذمة التحقيقات، خمسة عشر يوما. مثل هذا الخبر كان يجد مكانه ـ عادة ـ في صدر مواقع الصحف القومية والخاصة والحزبية على الفور، وخلال دقائق، بل هو حتى بمعايير المهنة ـ وبعيدا عن أي تسييس ـ سبق صحافي مهم يقاتل الصحافي من أجل أن ينشره أولا، كما تحارب الصحيفة وموقعها من أجل نشره قبل غيرها، لأنه يسجل لها في محركات البحث الكبرى بطبيعة الحال، لكن الذي حدث أن الناس انتظرت طويلا أن تقرأ شيئا عن هذا الحدث المهم في أي صحيفة مصرية قومية كبيرة أو صغيرة، وحتى الصحف الخاصة المحسوبة على النظام والمقربة من الأجهزة، إلا أن انتظارهم الذي طال باء بالفشل، فلم تنشر صحيفة واحدة أي خبر عن الاعتقالات، وانشغلت بدلا من ذلك بنشر خبر توقيف الداخلية لأمين شرطة أساء معاملة طفل يبيع المناديل في مترو الأنفاق، وانتشر الفيديو الخاص به على الإنترنت. بعد أقل من ساعة من انتشار خبر اعتقال السفير معصوم مرزوق على صفحات التواصل الاجتماعي وتصريحات المحامين، بدأت الصحافة العالمية بالاهتمام به وإبرازه والكتابة عنه، فنشرت عنه الصحافة الأمريكية بما فيها «نيويورك تايمز» الأكثر شهرة في العالم، كما نشرت عنه مواقع التلفزيون الرسمي الروسي شرقا، كما نشرت عنه قناة «بي بي سي» ومواقعها باللغات المختلفة، كما نشرت عنه «فرانس 24» الفرنسية الشهيرة وكذلك «الدوتش فيله» الألمانية وغير ذلك من صحف وقنوات تلفزيونية كبرى، كلها تتحدث عن الاعتقالات المثيرة التي حدثت في مصر وأسبابها وأبعادها، وبعضها يستطلع آراء بعض المحللين حولها، وصلتها بالمبادرة التي قدمها معصوم للإصلاح السياسي، وبعض تلك الصحف والفضائيات يرصد أصداء الاعتقالات في مواقع التواصل الاجتماعي، إلا صحافة مصر وفضائيات مصر، الحكومية والخاصة، لم ينشر أحد فيها شيئا، وكأن ما جرى كان في جزر القمر أو الفوكلاند. كان مثيرا للدهشة والشفقة معا، أن يصل الخبر وينشر في لندن وباريس ونيويورك وموسكو ومختلف أنحاء العالم، بينما هو لم يصل بعد إلى شارع الجلاء أو شارع رمسيس في وسط القاهرة أو ميدان مصطفى محمود في المهندسين، هذا أمر لا أظن أنه حدث من قبل في مصر خلال النصف قرن الأخير كله، وهو مهين جدا للصحافة وأبنائها، بكل أطيافهم، حتى أبناء الصحف القومية، هو مهين للمهنة في حد ذاتها، وكأن أحدا أراد أن يبعث برسالة للجميع، تعلن لهم سحب أي كرامة لمهنتهم أو أي حد أدنى من تلك الكرامة التي تحفظ ماء الوجه، أحدهم ضن عليهم حتى بماء الوجه».

«بيبوظ الطبخة على شوية ملح»

لا يخفى على المتابعين لحجم العمل والإنجاز في مجال البناء والتشييد الحكومي للإسكان والمرافق، وتطوير العشوائيات، نماذج النجاح المتميزة التي يجب أن تستمر، ويجب أن نحميها من الترهل أو التحول إلى أرقام والسلام، مثلما لا يخفى على الدكتور مصطفى مدبولي رئيس وزراء مصر، المثل الشعبى الشهير: «بيبوظ الطبخة على شوية ملح». والحكاية كما يقول محمد فتحي في «المصري اليوم» باختصار يا سيدي أن شوية الملح ناقصين من عدد من المشروعات التي يسهل للمواطن العادي رصدها بمنتهى السهولة، ولا يتناقض ذلك مع الجهد المبذول، لكنه يجعلنا نضرب كفا بكف على ضياع الرؤية التي قد تكلفنا الكثير، وتتسبب في «بوظان» الطبخة شوف يا سيدي.. عندك مشروع تطوير العشوائيات العظيم، الذي تم رصد ما يقرب من 15 مليار جنيه للحاق بأكثر من 300 منطقة عشوائية في مصر. حاجة محترمة وكلام جميل، لكن إذا توجهت للسيدة زينب، ورأيت الإنجاز الذي حدث في منطقة تل العقارب، التي تم تطويرها وتغيير اسمها إلى (روضة السيدة زينب)، لتشمل بلوكات سكنية مبنية على الطراز الإسلامي، وكاملة التشطيب لأهل المنطقة، الذين سكّنتهم الحكومة مؤقتا حتى تسليم المشروع (بالمناسبة كان مقررا تسليمها في يونيو/حزيران الماضي ولم يحدث ولا نعرف السبب»، والسؤال هو: بعد هذه المباني الجميلة، ماذا عن فوضى (المذبح) الملاصقة لروضة السيدة زينب، وعمليات الذبح والتنظيف وإلقاء الفضلات والمخلفات في الشارع على ناصية المشروع الذي لم يسلم بعد.. ألم يلاحظ أحد (شوية الملح) القادرة على إفساد الطبخة، وإعادة المنطقة لعشوائية مرة أخرى، وهل هناك حلول أصلا لهذا الأمر. بلاش دي. في مدينة الشيخ زايد، حيث يسكن الدكتور مصطفى مدبولي، فرح الجميع بكوبري مشاة على المحور، بدلا من الحوادث أمام «هايبر وان»، وانتظروا فترة للانتهاء من الكوبري، فلما انتهى اتضح أن (شوية الملح) ناقصين، حيث لم يراع المهندس المحترم والمنفذون المحترمون ورؤساء الجهاز المحترمون أهالينا كبار السن والعجائز، الذين سيكون لزاما عليهم صعود (48) درجة سلم، وهبوط مثلها، حيث قرر المهندسون ألا تكون السلالم كهربائية، غير عابئين بالمرضى وكبار السن، بل غير عابئين بالمرة بكود ذوي الاحتياجات الخاصة. مثالان كتبت عنهما بحكم المعايشة، لكن الملح الذي نحتاجه يبدو أنه أكثر من المثالين سابقي الذكر يا سيادة رئيس الوزراء.. حتى لا تبوظ الطبخة من سعادتك، لأن الواقع إن (أحنا اللي بناكل)».

شفافية الكنيسة

عمرو الشوبكي في «المصري اليوم» يقول في مقاله الذي عنونه بـ«شفافية الكنيسة»: «أصابت عملية قتل الأنبا أبيفانيوس، رئيس دير أبومقار، الرأي العام المسيحي والمصري بصدمة كبيرة، خاصة أن الراحل هو رجل علم وأخلاق رفيعة، ونموذج للإيمان المسيحي في صورته السمحة والمشرقة، والمتهم بتنفيذ الجريمة أحد رهبان الدير (بمشاركة راهب آخر حاول الانتحار). وكما اعتدنا مع كل مؤسسات وكيانات الدولة المصرية الكبيرة، فإن هناك مواءمات كثيرة توجه موقفها حين يخطأ أحد أبنائها، خاصة إذا كان هذا الخطأ هو جريمة قتل، وليس مجرد انحراف بسيط، كما أن الكنيسة تحكمها حسابات كثيرة منها حرصها على صورتها أمام الرأي العام، خاصة في ظل وجود بعض المتطرفين المسلمين، الذين سيحولون الجريمة الفردية إلى مناسبة للتعميم والإساءة للمسيحيين. يقينا وضع الكنيسة المصرية في ظل دولة قانون ومواطنه كاملة ومناخ عام متسامح سيكون أكثر راحة في التعامل مع أي أخطاء تحدث داخلها، والعكس صحيح ستكون شديدة الحذر والتردد في ظل شعورها، ومعها قطاع واسع من المسيحيين، بأن هناك من يستهدفهم. ولهذه الأسباب أو لبعضها أصبحت الثقافة السائدة داخل مؤسسات الدولة الكبيرة هي «التكتم» على الأخطاء وعدم إيصالها للرأي العام والتمسك بثقافة «كله تمام»، واعتبار كل من يعيش فيها ملائكة وليسوا بشرا، بينهم بالتأكيد خطاءون، ويكون الحساب عادة داخليا بعيدا عن الرأي العام، بل إن هناك مؤسسات تعتبر أن نشر أخطائها على الرأي العام إساءة لها ومحاولة لهدمها، وليس مجرد بداية لتصويب الأخطاء من خلال رقابة المجتمع والرأي العام. ورغم كل الأجواء غير المواتية للصراحة والشفافية في مصر، ورغم اعتياد المؤسسات والكيانات الكبرى في البلاد على اعتبار أي اعتراف بخطأ انتقاصا من هيبتها، إلا أن الكنيسة المصرية فعلت العكس واختارت بشفافية الاعتراف بخطيئة أحد أبنائها، بدون أي تلكؤ أو مراوغة. كان يمكن للكنيسة أن تقفل على الحادث وتبتعد عن وجع الدماغ، خاصة أن لها قنوات اتصال عديدة مع الدولة (مرئية وغير مرئية) تسمح لها بأن يكون الحساب على جريمة القتل بشكل سري وغير معلن، لكنها اختارت الخيار الأنزه والأسلم وقدمت كل المعلومات اللازمة للدولة، لكي يأخذ القانون مجراه. واتخذ البابا تواضرس، عقب الجريمة، قرارات جذرية، فوضع قواعد جديدة لتنظم شؤون الرهبنة، أبرزها وقف الرهبنة لمدة عام، وتجريد كل راهب يحول مكانه إلى دير بدون موافقة البطريركية، وعدم ظهور الرهبان الإعلامي، وعدم دخولهم في تعاملات مالية أو البقاء بدون سبب لفترات طويلة خارج الدير. لم تتردد الكنيسة لحظة في محاسبة المخطئ/ المجرم مهما كانت التحديات المحيطة، ومهما كان الثمن الذي يمكن أن تدفعه من صورتها أمام قطاع من الرأي العام، وهي رسالة لكل المؤسسات والكيانات بأن طريق الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالأخطاء والعمل على مواجهتها وتصحيحها».

الإصلاح الثقافي والإصلاح الديني

رغم أن إعلان الدولة المصرية عن استراتيجية بناء الإنسان المصري كهدف استراتيجي لها، ورغم أن هناك خططا وجهودا تم بذلها على أرض الواقع في مجالي التعليم والصحة، فإنه يظل هناك سؤال معلق عن دور الثقافة في بناء الإنسان المصري، أو عن الدور الذي تصورته الدولة للثقافة في بناء الإنسان المصري إلى جانب التعليم والصحة.. لقد استمعت، كما يقول وائل لطفي في «الوطن»، بسعادة عظيمة في مؤتمر الشباب السادس للجلسات التي تحدث فيها وزيرا التعليم والصحة عن جهود الدولة المصرية لتطوير هذين المرفقين المهمين، ودورهما في بناء الإنسان المصري، لكننى كنت أنتظر جلسة ثالثة عن دور الثقافة في هذا البناء، وكنت أنتظر أن أرى وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبدالدايم، تشرح استراتيجية الثقافة المصرية في بناء الإنسان المصري، ومقاومة عوامل التجريف التي تعرّضت لها الشخصية المصرية طوال العقود الخمسة الماضية.. لكن شيئا من هذا لم يحدث، غابت الوزيرة وغابت الثقافة، رغم إدراكي بالطبع أن تطوير التعليم ينطوي في جزء منه على تطوير لثقافة الطلاب، لكنني أتحدث هنا عن الخدمات الثقافية التي تقدم لجموع المصريين، وليس للطلاب منهم فقط.. وما أقوله عن الثقافة أقوله عن إصلاح الخطاب الديني أو إصلاح الفكر الديني، كما أحب أن أسميه، إذ إنه بغير إصلاح الفكر الديني، يصبح من الصعب جدا أن نحلم بنهضة حقيقية ينطلق فيها هذا الشعب إلى آفاق المستقبل بدون أكياس رمل تكبل قدميه، وتمنعه من التحليق في سماوات التقدم، كما حلقت شعوب وأمم من قبله. إنني أعتبر الإصلاح الثقافي والإصلاح الديني، الساقين الغائبتين في عملية بناء الإنسان المصري، التي بدأتها الدولة المصرية، وأطالب بسرعة وضع استراتيجيات وخطط تسير في تنفيذها جنبا إلى جنب مع عمليتى تطوير الصحة والتعليم، بحيث يكون لدينا نتيجة ملموسة على الأرض في نهاية الفترة الرئاسية الثانية عام 2022.. هذا إذا أردنا أن نبنى إنسانا يكون ركيزة للنهضة، لا قنبلة موقوتة، تقاومها وتهدّدها من داخلها.. وعلى الله قصد السبيل».

نظرة ظالمة

يقضي الموظف في القطاع الخاص حياته متنقلا بين الشركات بحثا عن الأمان الوظيفي الذي يضمن له معاشا عندما يصبح عاجزا عن العطاء، على رأي عمرو جاد في «اليوم السابع»، وعبر تلك المسيرة تخصم الحكومة من راتبه لصالح التأمينات الاجتماعية، لتوفر له هذا المعاش، معادلة تبدو في ظاهرها متوازنة ومنصفة، بينما جوهرها لا يستطيع إقناع موظف متقاعد ينفق ثلثي معاشه على شراء الأدوية التي تبقيه على قيد الحياة، لأن نظام التأمينات في مصر يعتبر المعاشات «منحة» يجب أن يقبلها المواطن شاكرا، ويتعامل مع أصحاب المعاشات بوصفهم طاقات معطلة غير منتجة، مع عدم مراعاة تطورات السوق والتقلبات المالية عند إقرار زيادة في المعاشات، وتلك نظرة ظالمة تنتهي حينما تعود الحقوق لأصحابها بحسبة عادلة لقيمة العملة عند الخصم والمقارنة بقيمتها عند الصرف، وهذه أيضا تبدو نظرية مثالية في عدالتها لدرجة يستحيل معها التطبيق، لكن على الأقل نريد إعادة النظر في نظام المعاشات الحالي ليكون أقل ظلما».

الدوائر المغلقة

أما أكرم القصاص في «اليوم السابع» فيقول: مشكلة الصحة والعلاج في مصر مستمرة، وهناك محاولات دائمة لإصلاح المنظومة تنتهي إلى الحال نفسها، ونحن نتحدث عن البدء في تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل بعد سنوات من التعطل والتأخر، ويبدو السؤال الدائم «هل النقص هو في الإمكانات والأجهزة الطبية والأدوية أم في القوى البشرية من أطباء وتمريض؟»، ونظل ندور طوال سنوات في دوائر مغلقة. خلال العام الماضي، نظمت الأجهزة الرقابية، من رقابة إدارية ونيابة إدارية، حملات على مستشفيات وزارة الصحة، كشفت عن تسيب وإهمال وترهل.. ويومها كشفت حملات الأجهزة الرقابية أن المستشفيات التي تكلفت مئات الملايين، وتم تجهيزها وتزويدها بغرف عمليات، لا تعمل، بسبب غياب الأطباء والتمريض، وربما مديري هذه المستشفيات، وفي بعضها يتم نهب هذه المستلزمات باعتبارها «مال سايب». كل هذا وغيره يؤكد أن الصحة والعلاج في مصر لا يفتقدان إلى المال والإمكانات المادية.. لكن إهدار ما هو متاح من إمكانيات، وكشفت الحملات عن مبانٍ بمليارات، لكنها مغلقة.. وأجهزة حديثة في المخازن.. وأدوية تتسرب ولا تذهب للمرضى، فضلا عن غياب الأطباء في بعض الأحيان. وبالتالي فإن نظام الإدارة هو الذي يؤدي إلى الدائرة المغلقة، وعلى الرغم من أنه لا يمكن التعميم على الجميع، فهناك أطباء يقومون بدورهم، ومستشفيات تقدم ما تقدر عليه، وفي بعض الأحيان تقدم المستشفيات العامة والمركزية خدمات أفضل من التي تقدمها المستشفيات الخاصة. اللافت للنظر أنه لا يدور حديث حول أحوال العلاج والمستشفيات، إلا ونكتشف أن من يعملون في هذه المؤسسات يشكون من سوء توزيع الإمكانات والأجهزة الطبية. هناك مستشفيات عامة ومركزية فيها أجهزة أشعة مقطعية، ولا يوجد أطباء وفنيون لتشغيلها، والنتيجة أجهزة بملايين ملقاة بالمخازن. وبالتالي يبدو الضعف ليس في الإمكانات، لكن في الإهدار وعدم معرفة الإمكانات والاحتياجات بشكل واضح، فضلا عن غياب الرقابة والإدارة. لدينا مبانٍ بمليارات ولا يمكن لمريض أن يجد علاجا لدور برد أو يجري عملية زائدة أو لوز، ولا يجد مصاب في الحوادث إسعافا، ويضطر المرضى للبحث عن مستشفيات عواصم المحافظات أو المستشفيات الجامعية والقاهرة، وهو ما يشكل ضغطا على هذه المستشفيات، بينما تضيع مئات المليارات في الأرض، لأن مشكلة النظام الصحي ليست عجزا في الإمكانات، لكنها عجز في العقول، وإهمال، لا يتعلق بصغار الأطباء ولكن بالإدارة الغائبة وغياب القدرة على اتخاذ القرار. الصحة عندنا ليست فقيرة في الإمكانات، لكن المشكلة في الإهمال، والتسرب، والفقر في المتابعة والرقابة والإدارة».

المخابرات العامة وبرنامج القضاء

وإلى جهاز المخابرات العامة وبرنامج القضاء المصري الذي بدأه وحكي عنه في «المصري اليوم» رئيس تحريرها السابق محمد السيد صالح، إذ أشار في بابه الأسبوعي «حكايات السبت» إلى عشقه لأخبار الفلك والقضاء وارتباطه بعدد من رموزه وأضاف: «تبقى علاقتي بالدكتور علي صادق مؤسس البرنامج الفضائي المصري وكيل أول جهاز المخابرات العامة الأسبق، أيقونة هذه العلاقات، رجل صادق ومخلص لمبادئه ولدوره وللجهاز الذي عمل فيه، وشجعه لتأسيس برنامج الفضاء. والكلام يطول في هذه المسألة خاصة المتعلقة بالدور السلبي الذي لعبه البعض لإجهاض هذا الحلم الفضائي نهاية عصر مبارك، الذي يهمني هنا هو الإشارة إلى عودة الروح للبرنامج، ليس فقط بظهور قانون الفضاء، بل باعتماد اللائحة التنفيذية له من خلال لجنة شكلها الوزير وترأسها الدكتور علي صادق، هناك علاقات احترام وتقدير من صادق للوزير عبدالغفار يقول: «هو أياديه بيضاء على المشروع لم يقدم أحد من المسؤولين كل هذا الدعم لـ«الفضاء» منذ الخمسينيات من القرن الماضي أكثر الله من أمثال عبدالغفار» والحق أقول إن الوزير النشيط مدعوم بشكل أساسي في هذه المجالات البحثية والعلمية المرتبطة بالفضاء والفلك وبراءات الاختراع من المؤسسات السيادية، وعلى رأسها بالطبع مؤسسة الرئاسة، بقي فقط القول إنه لم يتم الاستقرار حتى الآن على موقع بديل للمرصد الجديد العملاق، بعد أن زحفت العاصمة الإدارية على مرصد القطامية الكبير. سألت الوزير عن «سانت كاترين» وهل استقر الأمر على بنائه هناك، فقال إن نسبة الإضاءة فيها مرتفعة ونفاضل بين أكثر من مكان في وسط وجنوب سيناء».

غلق قنوات المعلومات والأجواء السياسية والأمنية الخانقة تعلن موت الصحافة في مصر والنظام الصحي في تراجع مستمر

حسنين كروم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left