من أفلاطون وإليوت إلى الجرجاني وطه حسين: عن نظريات النقد الأدبي

عبد الواحد لؤلؤة

Sep 01, 2018

منذ حوالي عشر سنوات، أجرت معي مجلة أدبية حواراً حول الشعر والنقد الأدبي والترجمة. وكان المحاور صحافياً شاعراً، غلبت عليه مهنة الصحافة فبدأ بسلسلة من معلقات المديح بانجازاتي على مستويات أدبية شتى، فاستطعتُ إيقاف تيار حماسته عندما وصفني بالناقد الكبير. قاطعته قائلاً: أنا كبير بالعمر، لكنني لستُ ناقداً، فلا أحسب أن قد ظهر لدينا، منذ القرن الرابع ـ الخامس الهجري من يستحق لقب الناقد، منذ عبد القاهر الجرجاني (377 ـ 471 هـ/1078 ـ 1082م). فالناقد هو الذي يمتلك نظرية في النقد تختصّه دون سواه. وما زلت أقول ما قلتُه في تلك المقابلة التي أعادت نشرها بعض الصحف والمجلات، في بعض البلاد العربية، فانهالت عليَّ حملات الهجوم من كتَبة وصحافيين لم أسمع بهم ولا قرأت لهم، فسألتُ من حولي من المتابعين في شؤون الأدب والصحافة، فلم يعرفهم أحد، فاستغربتُ من صورة أحدهم في المجلة وهو «آخذ بوز» ويده تحت حنكهِ وعيناه زائغتان نحو الأفق، وتحت الصورة عبارة «الناقد فلان الفلاني». لا بأس، فهو حُرّ في ما يفعل ويقول. ولكن هجومه على شخصي ووَصفي بالجاهل، ورأيي في وجوب امتلاك الناقد نظرية في النقد تختصّه دون غيره هو رأي سيؤدي إلى «ظهور ألوف النظريات النقدية» وهذا «أمر خطير»! وكاتب آخر راح «يعيّرني» لأن المغول دمّروا ألوف الكتب في بغداد، لذا فأنا غير مطلع بما يكفي للحديث عن الأدب والنقد! سبحانه!
لا بأس، فهذا عبثٌ يحسن المرور به مرور الكرام. ولكن، فعلاً وصدقاً، هل ظهر لدينا من يمتلك نظرية في النقد تختصّه دون غيره لكي نكرِّسه ناقداً؟ بلى، لدينا الكثير من الأدباء الكبار في بلاد عربية شتى، لديهم معرفة واسعة بالأدب العربي، واطلاع واسع على الآداب الأوروبية والعالمية، وبعضهم يتقن لغة غير عربية، أو أكثر، يقرأ بها ويترجم بها عن آداب غير عربية، ويكتُبُ دِراساتٍ نقديّةٍ رصينة، ولكن أحداً منهم لا يمتلك نظرية في النقد تختصّه وحده، بل إنّه يُفيدُ من معرفته بنظريّات عالميّة درَسَها. حتى طه حسين، الأديب الكبير الذي أقام سمعته الأدبية على أول كتاب صدر له بعنوان «في الشعر الجاهلي» 1926 لم يدّعِ أنه ناقد، ولو أن كتابه نقد رصين يقوم على معرفة واسعة، لكنه كان يستعمل «نظرية الشك» أو مُقترب الشك كما قدّمه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 ـ 1650). ولم يدّعِ طه حسين أنه ناقد أو أن مُقتَرَب الشك هو نظرية تعود إليه دون سواه. فما بالك بكتبةٍ آخرين يدّعون أنهم من رعيل النقاد؟
يرى العارفون أن الفيلسوف الإغريقي أفلاطون من القرن الرابع ق.م. هو أول من شكّل «نظرية في النقد» تقوم على مفهوم «المحاكاة». ففي حدود عام 388 ق.م. كان أفلاطون يقول إن مصدر الشعر وحيٌ من الأرباب، وبخاصة الأخوات التسع، وفينوس أولاً. وهو القائل إن الفن والشعر بخاصّة، هو محاكاة، وأن كلّ ما في الوجود محاكاة لما في عالم المُثُل، وأن على البلاغي (الناقد) أن يفهم الشاعر قبل الحديث عنه. نظرية المحاكاة هي ما يراه أفلاطون القناعة الأساس التي يجب توافرها عند من يتصدّى لعمليّة نقد الشعر، وهو أول الفنون. ثم جاء تلميذه أرسطو فتحدّث في كتابه «فن الشعر» 330 ق.م كما وصلنا عن ترجمة عربية لابن رُشد عن ترجمة سريانية عن الإغريقية، حديثاً عن الوحدات الثلاث التي يجب توافرها في العمل الدرامي والمأساة بخاصّة، وهي وحدة الزمان، والمكان والحَدَث. وهذه ضروري توافرها في العمل الدرامي الجيد. وفي الشعر الغنائي تكون أقسام الكلمة ضرورية للبلاغي (الناقد) الذي يجب أن يلاحظ الروابط بين الجُمل والأسلوب. هذه الآراء من جانب أفلاطون وأرسطو تشكل أول نظريات النقد في عالم الإغريق. ونقرأ رأي هوراس (65 ـ 8 ق.م.) في كتابه «فن الشعر» عن قواعد لكتابة الشعر الغنائي الذي يجب أن يقدِّم السعادة والإرشاد. وفي القرن الأول الميلادي نسمع عن لونجينوس الذي خدم في بلاط زنوبيا ملكة تدمر، وهذا يجعله من رجال القرن الثالث الميلادي وليس القرن الأول. وثمة من يقول إنه كاتب إغريقي مجهول الاسم. ولكن المهم أنه ترك كتاباً بعنوان «السّموّ» أي سُمُوّ الأسلوب في الشعر، أو «الرفيع» ويترجمه بعضهم «الجليل» وهو حديث عن قدرة الشعر والبلاغة على السموّ والارتفاع بذوق القارئ، شريطة تجنب السقوط في المبالغة أو اللهاث نحو الجديد.
ويدعو الكتاب إلى الانتقال من بلاغة الخطابة إلى الشعر، وبذلك نجد الكتاب يقصّر عن أرسطو في التحليل لكنه يفوقه في جمال الأسلوب. وكان القرن الثامن عشر في بريطانيا شديد الإعجاب بهذا الكتاب الذي تُرجم إلى الفرنسية أولاً في القرن السابع عشر، ثم نقل إلى الإنكليزية فقال عنه الشاعر الناقد الإنكليزي درايدن، إنه أهمّ ناقد بعد أرسطو. فهل في تراثنا الأدبي العربي ما يشبه هؤلاء الفلاسفة الأدباء النقاد، أصحاب النظريات واضحة المعالم والحدود ـ قبل أن نصل إلى أول «ناقد» يستحق الاسم، ذلك هو عبد القاهر الجرجاني (377 ـ 471 هـ/1078 ـ 1082) في كتابيه: «دلائل الإعجاز» و»أسرار البلاغة»؟ طبع هذا الكتاب في الأزهر برعاية الأفغاني عام 1320هـ/1902م، كما طبع «دلائل الإعجاز» في السنة اللاحقة. وإذ يتحدث «دلائل الإعجاز» عن لغة القرآن الكريم، يتحدث «أسرار البلاغة» عن نظرية النظم، عن اللفظ والمعنى، وأن مقياس الجودة الأدبية هو تأثير الصور البيانية في نفس متذوّقها. هكذا نرى هذه الآراء في البلاغة والشعر قد تقولبت في شكل نظرية محددة المعالم كان أول القائلين بها في العربية أول من يستحق لقب ناقد.
وفي عصر النهضة الأوروبية، منذ القرن السادس عشر فصاعداً، كان النقد الأدبي في أوروبا يمتاح من التراث الإغريقي ـ اللاتيني، ويتطلب من الناقد معرفة بلغتي العالم القديم. أما في القرن التاسع عشر، ومع توافر الترجمات من لغة التراث صار النقد يتخذ صوراً «قومية» من إيطالية وفرنسية وإنكليزية. ففي النقد الإنكليزي لدينا الشاعر ـ الناقد ماثيو آرنولد (1822 ـ 1888) الغارق في ثقافة أكسفورد، والذي يتقن عدداً من اللغات من إغريقية ولاتينية وفرنسية وايطالية، ويقرأ بهذه اللغات جميعاً.
لقد طوّر هذا الشاعر نظرية في النقد أطلق عليها اسم «نظرية المحَكّ». والمحَكّ هو ما يدعى أحيانا باسم «حجر الفيلسوف» وهو معدن «أسطوري» يبيّن نسبة الذهب في معدن آخر يُحكّ به. يرى آرنولد، أن أفضل الشعر من القديم والحديث يجب أن يوضع إزاءه أي عمل شعري، ليظهر «بالحكّ» مقدار ما فيه من ذهب، أو قيمة أدبية شعرية. وهذا شرط تعجيزي، إذ يتطلب من الناقد أن يكون، مثل أرنولد، ضليعاً بعدد من لغات التراث لكي يستطيع الحكم على قيمة ما يُعرض عليه ليختبره بعملية «الحكّ».
وفي عام وفاة أرنولد ولد الشاعر الأمريكي، الإنكليزي لاحقاً، ت.س. إليوت، الذي يشكل استمراراً لمسار أرنولد في النقد. يقول إليوت في مقال شهير له بعنوان «التراث والموهبة الفردية» إن الشاعر الذي يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر يجب الاّ يكتب الشعر إلا وقد استقر في نخاع العظم منه أفضل ما كتبه الشعراء من هوميروس إلى المعاصرين، وبلغاتهم الأصلية، إضافة إلى الشعراء بلغته هو. يا ترى هل هذا سوى شرط تعجيزي، لا يقوى عليه سوى أرنولد وإليوت؟
أين هذا من أدعياء النقد في بلادنا «اللا تُشرق الشمس» في أرجائها، هذه الأيام، من المحيط إلى الخليج، جيئةً وذهوباً؟

11ADA

من أفلاطون وإليوت إلى الجرجاني وطه حسين: عن نظريات النقد الأدبي

عبد الواحد لؤلؤة

- -

2 تعليقات

  1. رائع ياأستاذنا الدكتورالفاضل عبد الواحد لؤلؤة..رؤية كثيفة لمراحل طويلة وصلت من دون عناء إليّ كقاريء ؛ ـأفضل ألف مرّة من قيل وقال…
    نعم عبد القاهرالجرجانيّ علم على رأسه نارفي تاريخ الأدب العربيّ والبلاغة الشرقية ؛ متفوق حتى اليوم على الكثيرمن حملة الشهادات العليا…
    لك بركة العمرومديد العطاء حيثما تكون ياابن الرافدين.

  2. الأستاذ الدكتور عبد الواحد لؤلؤة …
    لك مني أجلُّ تحية ، وكل التقدير والاحترام لشخصك الكريم
    إذا رفضتَ يا أستاذنا ..أستاذ الجيل الدكتور عبد الواحد لؤلؤة صفة ( ناقد) ، وأنت تستحقها ، فليخجل الآخرون من التباهي بها .
    أنت يا سيدي تطلب من الناقد الأدبي العربي أن يكون أصيلا صاحب فلسفة ورؤية نقدية متفردة لكي يقبل نقده ويستفاد منه ، وأنا أتفق معك في هذا كل الاتفاق.
    للأسف يا سيدي إنك خير من يعلم أن النقد الأدبي عندنا لم يستطع حتى الآن إيجاد نظرية نقدية تلائم النتاج الأدبي العربي، فالناقد الأدبي العربي لا يزال يعتمد على نظريات ومناهج نقدية مختلفة كالبنيوية و التفكيكية و السيمائية والتلقي التي أبدعتها عقول من خارج البيئة العربية مثل رولان بارث ورومان جاكبسون وغولدمان وجيرار جينيت وجاك دريدا وليتش وغيرهم، وأنت يا سيدي تعلم علم اليقين أننا لسنا وحدنا نحن العرب في العالم من يستهلك المنجز النقدي الغربي.
    متعك الله بالصحة والعافية ، ودعائي لك دائما بالتألق والإبداع …

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left