المساواة في الإرث بين المقبولية الاجتماعية والسياقات السياسية

هشام الحاجي

Sep 01, 2018

يبدو انه قد كتب على تونس ان تشهد جدلا محتدما في كل مرة تطرح فيها مكانة المرأة في علاقة بالتشريع الإسلامي. فمنذ كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد إلى تقرير لجنة «الحريات الفردية والمساواة» مرت ثمانية عقود ولكن الجدل لم يغب حتى وان تغيرت مفرداته واختلفت أدواته. ولكن أشياء عدة لم يستطع الزمن المساس بها ومن العودة دوما إلى العلاقة بين التشريع والبنى النفسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، إلى جانب التساؤل عن الدور الذي يلعبه السياق السياسي في عملية «المباغتة التشريعية» ان صح القول. والحديث عن هذين الأمرين يحيلنا مباشرة إلى نظرية «التطوير بواسطة التشريع» التي اعتمدتها تونس تحت قيادة الحبيب بورقيبة عند سن مجلة «الأحوال الشخصية» سنة 1956. لقد أراد بورقيبة اعطاء دفع جديد للبنى الاجتماعية في اتجاه تحديثها من خلال إلغاء تعدد الزوجات، ولكنه حرص أيضا على استغلال الظرف السياسي من أجل «مباغتة « الرأي العام، لان الدولة الوطنية كانت في بداياتها وتحظى بمشروعية هامة تجعلها أكثر قدرة على فرض توجهاتها هذا دون ان ننسى ان ظاهرة تعدد الزوجات لم تكن منتشرة بالشكل الذي يجعلها ممارسة تهم كل التونسيين.
وفي تقديري فان هذين الاعتبارين وهما التحديث بواسطة التشريع والمباغتة السياسية كانا حاضرين في ذهن الباجي قائد السبسي المحكوم في لاوعيه برهان آخر وهو توظيف الإرث البورقيبي إلى جانب الاتيان بمبادرات تتجاوز في مضمونها ما قام به الحبيب بورقيبة من مبادرات في علاقة بالمرأة. ذلك ان تحويل المساواة في الإرث إلى معطى ممكن قانونيا ستكون له عدة تداعيات على توزيع الثروة وتداولها وفي تمكين النساء من النفاذ من موقع أفضل إلى الحقل الاقتصادي، علاوة على انه سيحد من الالتفاف على حق النساء في الإرث. وأما في ما يتعلق بالمباغتة السياسية فان السبسي أراد إحراج حركة النهضة التي تعيش تحت ضغط التقييم الخارجي بسبب التحولات الإقليمية وهو ما يجعلها حريصة على عدم تخييب ظن «أصدقائها» الأوروبيين فيها وهي التي ما انفكت تؤكد انها تؤمن بمدنية الدولة من ناحية وبحرية المرأة. ولا شك ان مبادرة السبسي تستفيد من التحولات التي عرفها المجتمع التونسي والتي فتحت لقيم الحداثة مجالات أوسع وعمقت الإيمان بالمساواة بين الجنسين لدى قطاعات واسعة من التونسيين والتونسيات. ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى ان سياق الحاضر يتسم أيضا ببروز تيار تقليدي منظم و«شرس» خاصة على شبكات التواصل الالكتروني والإعلام يرفض بشدة مجرد طرح المساواة في الإرث للنقاش.
وحين ننظر لمحصلة المبادرة كما تجسدت في خطاب رئيس الجمهورية السبسي في 13 اب/اغسطس الماضي يمكن القول ان الخطوة التي أقدم عليها السبسي قد حققت الكثير من أهدافها رغم انها تنزلت في سياق سياسي صعب بالنسبة له ولحزبه، لأنه فشل منذ توليه رئاسة الجمهورية سنة 2014 في تحقيق الوعود التي أغرى بها الناخبين، بل ان الأوضاع العامة قد تراجعت إلى أبعد حد ودخلت البلاد في متاهة أزمة سياسية غير مسبوقة ولا يمكن التكهن بمآلاتها.
ستتحول المساواة في الإرث إلى مبادرة تشريعية لتفتح تونس بابا لم يسبق لأي دولة عربية مجرد الاقتراب منها وهذا هام خاصة وان ردود الفعل في المستوى الاجتماعي تبقى في مجملها قابلة لهذه المبادرة. ويمكن للمقارنة ان تكون مفيدة هنا. فقد عبر التونسيون والتونسيات عن مواقفهم من المساواة في الإرث ومن مجمل توصيات لجنة «الحريات الفردية والمساواة» باستعمال كل وسائل التعبير المتاحة بما في ذلك التظاهر في الشوارع ولكن في كنف احترام القانون ودون تجاوزات تذكر وهو ما يمثل في حد ذاته دليلا على قابلية لاستيعاب قوانين جديدة وعلى ان المقبولية الاجتماعية للتطور في تونس أكبر مما يعتقد وهو ما يفرض إلى جانب التفكير في خطوات أخرى تعهد البنية السياسية بالإصلاح حتى لا نجد انفسنا أمام إصلاح أعرج، يطور الفضاء العام ويحد من أفق تطور الفضاء العام، وهو ما يعيدنا إلى الأزمة الهيكلية لدولة الاستقلال التي حررت المرأة و «صبينت» الرجل على حد العبارة الرشيقة لعالم الاجتماع التونسي عبد القادر الزغل.

11HAD

المساواة في الإرث بين المقبولية الاجتماعية والسياقات السياسية

هشام الحاجي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left