تونس والمساواة في الميراث: بين التوظيف السياسي والاستحقاق الاجتماعي

روعة قاسم

Sep 01, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: تميزت تونس على الدوام على سائر دول المنطقة بالنفس التقدمي لمصلحيها سواء أولئك الذين ظهروا مع مطلع القرن التاسع عشر مثل خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف والجنرال حسين وغيرهم، أو حتى من سبقهم منذ العصر القرطاجي وصولا إلى زمن العلامة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع. كما تميزت المدرسة الدينية التونسية ممثلة في جامعة الزيتونة، الأعرق في العالم العربي من حيث تاريخ التأسيس، بانفتاحها واعتدالها ونبذها لكل أشكال التطرف والانغلاق متأثرة ببيئتها المتوسطية التي تجعلها في تواصل حضاري مستمر مع الآخر، وبالهجرات الأندلسية إلى شمال افريقيا بعد سقوط مدنهم في أيدي الإسبان.
فأغلب ما كان يصدر عن الفقهاء والسياسيين التونسيين في التاريخ الحديث وفي علاقة بالمسألة الدينية، كان يثير جدلا واسعا في أرجاء العالم الإسلامي. ومن ذلك منع تعدد الزوجات الذي أقر بمقتضى قانون الأحوال الشخصية المؤرخ في 13 آب/أغسطس 1956 والذي أصبح بمقتضاه الرئيس بورقيبة في نظر البعض كافرا ملحدا لا يتورع عن العبث بشرع الله.
فتونس هي موطن أروى القيروانية زوجة الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور التي اشترطت عليه عدم الزواج بغيرها طيلة حياتها وهو ما حصل فعلا. ومنذ ذلك التاريخ شاع بين التونسيين ما يعرف بـ«الصداق القيرواني» الذي يترك العصمة للمرأة ويحول دونها وزواج زوجها بثانية، وهو زواج اختياري ميز حرائر تونس عن غيرهن من سكان البلاد ممن تم استقدامهن سبايا أو قدمن في هجرات.
وتعتبر مسألة المساواة في الميراث آخر المسائل المثيرة للجدل في تونس وخارجها والتي صنعت الحدث وخطفت الأضواء وباتت حديث مختلف وسائل الإعلام. حيث وعد رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في وقت سابق بأن يقع النظر في هذا الأمر بعد أن بات كل شيء جاهزا لسن قانون يتلاءم مع دستور البلاد الجديد الذي ينص على المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات ثم أعاد الكرة هذه السنة بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة وبدا أنه سيمضي قدما مقلدا الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في جرأته.
وللإشارة فإن بورقيبة عجز عن إقرار المساواة في الميراث بعد أن وجد معارضة من أهل الاختصاص إبان إعداد مجلة الأحوال الشخصية ولم يتجرأ على تحدي أهل الحل والعقد.
وبقي الأمر على ما هو عليه طيلة ستين سنة من استقلال البلاد ولم تتم إثارة الموضوع رسميا طيلة حكمي بورقيبة وبن علي، إلا من بعض الأطراف والمنظمات الحقوقية والنسوية التي لم يكن يسمع لها صوت في العهد السابق. ولا أحد تصور أن مثل هكذا مسائل تطغى عليها الصبغة الدينية ستتم إثارتها في زمن يشارك فيه الإسلاميون في حكم البلاد مشاركة فاعلة وأساسية باعتبارهم أصحاب أكبر كتلة نيابية في البرلمان التونسي.
ففي زمن المشاركة الفاعلة للحركة الإخوانية في الحكم أصبحت التونسية المسلمة تستطيع الزواج بغير المسلم ويصدر تقرير متعلق بالحريات يدعو إلى المساواة في الميراث وإلى إلغاء نص في القانون التونسي يجرم المثلية الجنسية.
ورغم رفض الحركة لما ورد في تقرير الحريات في بيان، إلا أن البعض يرى فيه محاولة للتخفيف من حدة ما يحصل على أنصارها وقاعدتها الانتخابية الواسعة. فالنهضة حسب هؤلاء كانت لديها القدرة على منع إباحة زواج التونسية المسلمة بغير المسلم ولديها القدرة اليوم على منع المساواة في الميراث، لكنها تكتفي بالبيانات التي لا تسمن ولا تغني من جوع بنظر أصحاب هذا الرأي الذي يجد آذانا صاغية لدى الشارع المحافظ.
ويتهم أصحاب هذا الرأي حركة النهضة بالرضوخ إلى الخارج ومحاولة الظهور بمظهر الحركة الحداثية حتى وإن كان ذلك على حساب المبادئ وما كانت تؤمن به قبل وصولها إلى الحكم. فيما يرى البعض الآخر أن الضغوط الداخلية والخارجية قوية على الحركة ولا قبل لها بمجابهتها وهي بصدد المناورة ولا يمكنها في أي حال من الأحوال أن تفعل أكثر مما فعلت.
ويرى البعض ان رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بصدد البحث عن جمهور حداثي صوت له في انتخابات 2014 خصوصا من النساء خسره بعد تحالفه مع حركة النهضة. ويبدو أنه حقق بعض النجاح في هذا الإطار وهو الذي قد يخوض غمار الانتخابات الرئاسية مجددا وذلك في سنة 2019 التي باتت قاب قوسين أو أدنى وباتت معها أطراف عديدة تسابق الزمن لجمع شتات حركة نداء تونس، الحزب الذي أسسه الباجي وكان له الفضل في إيصاله إلى قصر قرطاج.
ويرى محللون أن ما يفسر هذه المسارعة إلى تكريس مساواة في الميراث في تونس، هو الضغوط الخارجية الآتية من صندوق النقد الدولي ومن رعاة مشروع الربيع العربي الراغبين في أن تكون تونس نموذجا يحتذى لتصديره إلى بقية بلدان العالمين العربي والإسلامي. كما أن وجود حقوقيين من اليسار التونسي محيطين بالرئيس سهل كثيرا عملية السير قدما في اتجاه تكريس مساواة في الميراث كم قد يتم الذهاب قريبا نحو إلغاء النصوص القانونية التي تجرم المثلية الجنسية.
ويذهب البعض أيضا باتجاه أن هذه القوانين لم يحن وقتها بعد وأنها سابقة لأوانها وأن المجتمع التونسي ما زال غير مؤهل للقبول بمثل هكذا أمور وكان من الأفضل الالتفات إلى الأزمتين الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فهي عملية تغطية لا غير على فشل منظومة 2014 في تسيير شؤون الحكم وفي القضاء على الآفات الاجتماعية التي أصابت التونسيين في مقتل وحولت حياتهم إلى كابوس.
كما يرى فريق من التونسيين أن هذا «الانفتاح» في الحريات يخدم الطرف المقابل أي الجماعات التكفيرية، فهو يوفر لها الذريعة لزعزعة استقرار البلاد، كما أنه يوسع من دائرة الناقمين على منظومة الحكم من ذوي الزاد العلمي والمعرفي المحدود ممن يسهل استقطابهم صلب الجماعات التكفيرية التي تعج بهم بلاد «المغرب الإسلامي» والذين نجحوا في استقطاب أعداد هائلة من تونس ومحيطها المغاربي.
وفي خضم كل ذلك يرى محللون أن حركة النهضة مستفيدة من مثل هكذا قوانين ترسخ الحريات باعتبارها تمثل الإسلام بالنسبة للبعض والملاذ للتصدي للتيار الحداثي. ولعل السؤال الذي سيطرح كيف سيتقبل الشارع التونسي هذه القوانين المثيرة للجدل؟ وهل هو مؤهل فعلا للقبول بها؟ أم أن من يقفون وراء هذا التمشي سائرون على خطى بورقيبة عندما فرض مجلة الأحوال الشخصية بأحكامها المثيرة للجدل على التونسيين ولم ينتظر تطور المجتمع؟ ولعل السؤال الأهم، من سيقطف ثمار هذه المعركة الجديدة من أجل المساواة في الميراث وغيرها من الحقوق تحت شعار الدفاع عن الحريات الفردية؟

11HAD

تونس والمساواة في الميراث: بين التوظيف السياسي والاستحقاق الاجتماعي

روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left