تونس: جدل الهُويات يُعمق الشرخ الثقافي بين النخب

Sep 01, 2018

رشيد خشانة: أنهت مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، الرامية لتكريس التساوي بين المرأة والرجل في الإرث، خمس سنوات من التوافق بين حزب «نداء تونس» الليبرالي وحركة «النهضة» المحافظة، ما جعل البلد على أبواب العودة إلى مناخات الاستقطاب الثنائي بين الأوساط ذات المرجعية الأصولية من جهة وتيارات الحداثة، بجناحيها اليساري والليبرالي، من جهة ثانية. انطلق التوافق منذ خمس سنوات، بعد لقاء بين قائد السبسي زعيم حزب «النداء» وراشد الغنوشي رئيس حركة «النهضة» في باريس يوم 13 أغسطس/ آب 2013. وأثمر اللقاء تشكيل حكومة ائتلافية بين الحزبين أساسا، إلى جانب أحزاب أخرى، استطاعت الصمود طيلة السنوات الماضية، بالرغم من تغيير رئيسها في 2016.

منافسة تاريخية

ما هي الاعتبارات التي دفعت الرئيس التونسي إلى اتخاذ مبادرة ستقود إلى إنهاء التوافق، عمليا، بينه وبين شريكه؟ من الواضح أن قائد السبسي، الذي تنتهي ولايته العام المقبل، يسعى إلى ترك أثر في التاريخ. وهناك من يعزو هذا الصراع إلى المنافسة التاريخية بين الإصلاحيين من ذوي النزعة الليبرالية، والأصوليين المُتمسكين بمآثر السلف، وهي منافسة ألقت بظلالها على مسار الحركة الوطنية، غير أن الغلبة فيها كانت للحداثيين الذين بنوا الدولة الوطنية. ويمكن إرجاعُ هذا الاصطفاف إلى ظهور المدرسة الصادقية (1875) التي درَست العلوم واللّغات (الفرنسية والايطالية والتّركيّة)، بموازاة جامعة الزيتونة التي بقيت متخصصة في العلوم الشرعية. واعتمدت الدولة كثيرا، حتى في فترة الاستعمار الفرنسي، على خريجي الصادقية الذين عملوا مترجمين وموظفين وخبراء لإجادتهم اللغتين. غير أن الاختلاف بين المؤسستين لم يكن يُمثلُ خطين مُتوازيين، وإنما كانت هناك تقاطعات عدة بين الصادقيين والزيتونيين. ونجد في المنطقة الوسطى شخصيات فكرية وسياسية من الصف الأول أسوة بالدكتور فاضل بن عاشور، المُدرسُ الزيتوني الذي كان يُعلم أيضا في الصادقية، والدكتور محمد السويسي الذي كان يُدرِسُ العلوم العربية والقائد الوطني علي البلهوان أحد أبرز مُدرسي الصادقية. غير أن قرار اقفال الجامعة الزيتونية بعد الاستقلال عمَق الشرخ الثقافي بين فئتين من النُخب المتعلمة بدل تجسير الفجوة بينهما.

أتاتورك وبورقيبة

مع أن بورقيبة أصرَ على تفكيك مؤسسة التعليم الديني، إلا أنه راعى المشاعر الدينية لدى سنِ قانون الأحوال الشخصية في 1956. وخلافا لمصطفى كمال أتاتورك حرص على دعوة مشائخ المذاهب الأربعة لتأصيل التشريعات الجديدة، ما منح غطاء فقهيا للإجراءات التي قررها لصالح النساء، والتي كانت الأولى في نوعها في المجتمعات العربية الإسلامية. وفي هذا الصدد يقول عالم الاجتماع التونسي الدكتور عبد اللطيف الهرماسي، إن حداثة بورقيبة كانت حداثة مواجهة في خدمة مشروع مجتمعي للخروج من التخلف والارتقاء بالمستوى المادي والفكري والأخلاقي للتونسيين. وعلى رغم جرأتها البالغة، سواء في مجال التمكين للمرأة أم إزاء الممارسة الدينية، وقفت عموما عند حدود المقدسات الدينية الأصلية ولم تمس بالأخلاق المقبولة اجتماعيا، بل استنكرت في لحظة وعي، مظاهر الانحلال الذي كان من المضاعفات الثانوية للتحديث والتغيّر الاجتماعي والثقافي السريع. ويختزل ذلك في العبارة التالية «كانت البورقيبية باختصار ثورة من داخل الإسلام لا ثورة على الإسلام».
بدأت «النهضة» ردها في البدء مُتحاشية أي استعراض للقوة في الشارع من شأنه أن يُحيي المخاوف من تغوُلها. ثم حسم مجلس الشورى الأمر بأن قرر «التمسك بنظام المواريث مثلما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنة، و(الذي) عبر عنه قانون الأحوال الشخصية».
وانتقد أعضاء المجلس المبادرة من دون ذكر صاحبها، مُعتبرين أنّها «تثير جملة من المخاوف على استقرار الأسرة التونسية ونمط المجتمع، فضلا عن تعارضها مع قطعيات الدين ونصوص الدستور وقانون الأحوال الشخصية». ووضع المجلس شرطا لدعم «أي مسعى لتطوير قانون الأحوال الشخصية، بما يساهم في ضمان حقوق المرأة، ألا وهو عدم تعارضه مع النصوص القطعية في الدين ونصوص الدستور.»

إسلاميون مستقلون

يولي الدكتور احميدة النيفر، أبرز الإسلاميين المستقلين، أهمية كبرى للعولمة ودورها في استحضار المفاهيم المتعلقة بتحرير المرأة، إذ يرى أن «ظاهرة العولمة التي تفرض نفسها على الجميع، في المجالات الاقتصادية والمالية والسياسية، لن تقف دون اختراق المجالين الاجتماعي والثقافي». ورأى أنها ستواجه بالضرورة طبيعةَ البناء الثقافي المرَكَّب للمجتمعات بما يشتمل عليه ذلك البناء من تنوّع واختلافات تضعها أمام تحديّات أكبر، ستُضاعف من حدّة تمزّقاتها وخطورة سيرورتها، إن لم تُعالج المعالجة الأنجع والأشمل. لذا يتعذّر النظر إلى قضية المرأة اليوم، يقول النيفر، على أنّها مسألة اجتماعية حقوقية مستقلة، وأنّها تختزل بمفردها أزمة العالم العربي المعاصر برُمّته. وهو يرى أيضا أن السياق المُعولم يجعل الأمر مختلفا كليًّا عن ذلك، إذ يجعل من السؤال قضيةً إشكاليةً مُركَّبة لا تقبل التبسيط والعزل والاستنساخ. هو سياق يتطلب رؤية بديلة تتجاوز المنظومات الإيديولوجية الجاهزة والمعالجات الظرفية والإصلاحات المبسّطة. ويقتضي في المستوى الثقافي الاجتماعي والسياسي رسم معالم فكر وسياسات تُمكّن من تقدّم حقيقي شـامل لا يخصّ سؤال المرأة بأولوية مميّزة لها وحدها، بل يحرص على أهمية تنزيلهاً ضمن مشروع وطني اشتمالي تصنعه المجتمعات العربية الأكثر تحررا وإنسانية.
أبعد من هذا البُعد الفكري، يضع الدكتور الهرماسي مسألة المساواة في الإرث على محك المجتمع، مُستعينا بنتائج بحثين ميدانيين أنجزتهما مؤسسة بحثية متخصصة على عينة ممثلة من التونسيين.
يعود البحث الأول إلى نهاية 2014 وأنجز بالتشارك بين «منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية» (أكاديمي) و«المرصد الوطني للشباب» (قطاع عام) والمعهد العربي لحقوق الإنسان (مجتمع مدني)، وصدرت نتائجه في تقرير «الحالة الدينية بتونس لسنة 2015».
وكشف البحث على ما قال الهرماسي، أن نسبة هامة من التونسيين تبلغ 66 في المئة ترفض فكرة المساواة في الإرث.
أما البحث الثاني، الذي أنجزته المؤسسة نفسها، بالاشتراك مع مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» في نهاية سنة 2015 فصدر منذ أسابيع في المجلّد الرابع من كتاب «الحالة الدينية في تونس 2011 ـ 2015» وورد فيه بخصوص النقطة المتعلقة بالإرث، تذكيرٌ بأن بورقيبة تردّد بشأن هذه المسألة، كما تريَث في تعديلها قطاع واسعٌ من النخبة الحديثة، لوجود حكم قرآني صريح فيها، وربما لانعكاساتها على التوازن التقليدي بين المجتمع الرجالي والمجتمع النسائي. غير أن ذلك لم يمنع التيّار النسوي من الإلحاح على طلب المساواة في الميراث.
وعن موقف الرأي العام التونسي يقول الهرماسي «يتضح من مُخرجات المسح الميداني أن ما يقارب ثلثي التونسيين يرفضون المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة (64،7 في المئة) في مقابل 7.27 في المئة يعتبرونها مقبولة و6.7 في المئة يعتبرون أن المسألة مندرجة في باب الحريات». ولعل هذا ما يُفسر أن كل طرف لاذ بصومعته الفكرية فاتخذ الصراع بُعدا أيديولوجيا، وتحول الجدل الدائر حول المساواة في الميراث إلى تمترس خلف الحصون القديمة. وفي خطوة تكاد تٌعيد البلد إلى أجواء الصراع بين المحافظين واليساريين في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، تشكل أنصار المبادرة الرئاسية ومعارضوها في هيئات ولجان للدفاع عن وجهتي نظرهما، ومنها «مؤتمر تونس للحريات والمساواة» و«عهد تونس للحريات» اللذين شكلا حزاما داعما لمُخرجات تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة»، في مقابل «التّنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة» القريبة من «النهضة» والمعارضة للتقرير وللمبادرة الرئاسية التي انبنت عليه. ويُعري هذا الجدل بقاء قطاعات من النخب في الجانبين أسيرة لصراعات قديمة وتدحرج الخلافات إلى مسائل عقدية وفقهية لا صلة مباشرة لها بقضايا التنمية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تُلقي بكلكلها على البلد بأسره، وتُهدد بتقويض المسار الانتقالي. من المهم أن تكون هناك معارك فكرية ومناظرات تعكس الحيوية المُستعادة للساحة السياسية والثقافية، بعد عقود من الاستبداد. غير أن العودة إلى السجالات السابقة حول الهوية لا يتقدم بقضية الحريات ولا يساهم في إيجاد منطقة وسطى تحسم سؤال الانتماء وتكون قاعدة للعيش المشترك.
أكثر من ذلك، يتوقف الاستحقاقان الانتخابيان الرئاسي والبرلماني المُقرران للعام المقبل على وجود اتفاق يُحدد قانون اللعبة، وهذا الاتفاق لا يمكن أن يكون خارج دستور الجمهورية الثانية، لكن لا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات جاهزة، لكونها بلا رئيس حتى اليوم، ولا المرجعية القانونية مُكتملة، ما يحتاج لعمل مُضن قد لا تكفي الفترة المتبقية لاستكماله. بهذا المعنى تبدو التحديات السياسية، معطوفة على ضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، على الحكومة من أجل تسريع نسق «الاصلاحات الهيكلية»، جديرة بالأولوية، فيما يمكن للجدل في شأن الحقوق الفردية، بما فيها المساواة في الإرث، أن يستمر قبل تلك الاستحقاقات وبعدها. ومن غير المنطقي في مجتمع يتسم بتجانسه الديني والطائفي والعرقي واللغوي أن يؤسَس استقطابا أيديولوجيا ينال من وحدته (في كنف التنوع) ويُحوله إلى ساحة صراع بين غُلاة الحداثيين والمحافظين المتشددين، بينما الوسطية هي علامته المُميزة.

11HAD

تونس: جدل الهُويات يُعمق الشرخ الثقافي بين النخب

- -

4 تعليقات

  1. قال الله تعالى:وكلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.( جزء من الآية 143 من سورة البقرة).فلنتمسك بالوسطية لحماية السلم الإجتماعي.ويبقى الغلاة من الطرفين أقلية لاتأثير لها.

  2. أكبر خطأ إستراتيجى الذي قدم للشعب التونسي هو عودة أزلام النظام السابق للحكم !!والكارثة الكبرى هو أن عواقبها بدأت بحيث يشقون الشعب كما فعلها السيسي ثم قتل وسجن ونفي وطوارئ وسيسي على سدة الحكم مذا الحياء

  3. إن كان حزب النهضة يأخد بأحكام الشريعة الإسلامية فليأخذ بها كلها, مامعنى التشدد والإستعداد في خلق مشاكل في البلاد بشأن الميراث بينما أحكام الشريعة الأخرى لايبالى بها, كقتل يد السارق وقتل المرتد والرجم وماإليه. كيف يؤكدون على إسلام الشعب التونسي فقط في الميراث دون ماذكر ؟

    لو تأملوا قليلا ولم يسيسوا الموضوع أكثر ما يتحمل لوجدوا أن ليس هناك مشكل يذكر على الإطلاق بمعنى أن مشروع قانون المساواة في الإرث هذاترك الباب مفتوحا لمن شاء من الوالدين أن يميز بين أبنائه من الذكور والإناث كما هو الحال الآن. مشروع القانون لم يمنع منعا كليا مسألة التمييز هذه.

    ربما طريقة طرح المشروع إعلاميا اتخد منحى ” ثوريا ” أكثر مما هو في الواقع, بينما هو فقط تعديل بسيط مع بقاء خيار التمييز لمن يريد وليس القطع نهائيا معه. أما وإن تشبت المحافظون بمقولة تطبيق” شرع الله ” فعليهم تطبيقها كلها وليس إنتقاء جزء منها وترك الآخر.

  4. كأن الدول العربية حلت جميع مشاكلها لم يبقى سوى “التخلاط” في الهوية.كأن هذه الأمة تفتقد لهوية ثابتة…

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left