العربيّ والمجتمع والمواطنة والقانون

محمد سعيد ريان

Sep 03, 2018

في جميع الحالات الاجتماعية والإنسانية تجد هناك قاعدة وهناك شواذّ. والتعميم في قضية من القضايا هو خطأ لا يصحّ، فهناك دائمًا شواذّ. والشواذّ هي أقلية مهما كان موقفها صحيحا فلا يبنى عليه في عاجل الأمور، وتظل جهودًا فردية لا ترقى لتصبح قاعدة اجتماعية .. والقضايا الاجتماعية مختلفة في تنويعها، لأن كل فرد له خواصُّهُ، وإن لم يشترك مع الآخرين في بعضها. فالجماعة الاجتماعية ليست حزمة من الأعشاب يتفحصها الخبير والعالِم لكي يستنتج نتائج متشابهة ويقيسها على غيرها من نوع الأعشاب الذي دخل المختبر.
والعقلية العربية، وبدقة أكثر: النفسية العربية في حقيقتها هي حمائلية وعشائرية وهي مختلفة بمقتضى ما يكون عليه الفرد من صدق وإخلاص في انتمائه.. فقد مرَّ على العربي وقتٌ كان الفرد يشعر بانتمائه إلى الحمولة والعشيرة أكثر من انتمائه لشخصيته، وهنا أيضًا لا نبني على الشّواذّ.. فكانت الغالبية تُخْلِصُ وَتَصْدُقُ في انتمائها.. وذلك الوضع هو عكس ما عليه الإنسان العربي اليوم، حيث تنتفخ «أنانيته» ويطوف حول شهواته ونزواته فتصبح الحمولة والعشيرة تجارة يتاجر فيها ومطايا يمتطيها لتمرير مصالحه الشخصية. و«الأنا» إذا ما انتفخت وتورّمت يصبح كل شيء خارج الذات تجارة.

القانون والمجتمع العربي

الوطن تجارة والقومية تجارة وكذلك الدِّين ثم الحمولة والعشيرة. كلها تصبح مطايا يرتكز عليها الفرد لتمرير مصالحه الشخصية، فالمحامي يحتاج إلى الحمولة، والطبيب يحتاج إليها وسواءٌ في ذلك المتعلِّمُ أو الجاهل، كل واحد يستخدم ما ينتمي إليه لفظيًّا وشكليًّا إلى تجارة. وهناك شواذّ، وكما سبق أن ذكرنا أن الشواذّ لا يبنى عليها في تشكيل الواقع المَعِيش.
وأنت ترى تصرفاتِ أفرادِ هذا المجتمع وكأنّ الفرد هو القانون وهو النظام، فلا يرجع في كل أحواله الخاصة إلى القانون ليوفر له حقوقه ويردَّ عليه ما هُضِمَ من حقوقه ومظالمه. وهو يحاول أن يأخذ حقوقه بيده إنِ استطاع ذلك. وهذا ينطبق على المثقف وعلى الرَّجُل العامِّيِّ البسيط. والفردُ الضعيف هو الذي يلجأ للقانون وللنظام حتى يحصل على حقه، وهو لا يفعل ذلك إذا كان يستطيع أن يرفع الظلم عن نفسه بقوته وقدرته.. فالقانون والنظام لا يعترف به صوريًّا وشكليًّا إلا الضعفاء، في حال ضعفهم.
وأما الآخرون من القائد حتى الفرد البسيط يمتطون القانون والقضية والنظام لغرض سيطرتهم الخاصة والعامة.. وهكذا تلتبس القضية والمطية لتحصيل المصالح الخاصة وتحقيق النزوات. من أجل ذلك لا يربح العرب في جُلِّ تاريخهم الحديث قضاياهم سواءً كانت اجتماعيةً أو سياسية أو دينية، فالقضايا لا يحملها الناس في قلوبهم وعقولهم وجوارحهم؛ ليتخطَّوْا بها العقباتِ والصِّعابَ من أجل تحقيقها..!

حاجة المجتمع العربي إلى الانتماء الوطني

ولهذا نجد أن المواطن العربي لا يعترف بقلبه وعقله وجوارحه بما نطلق عليه «المواطنة» أو أنه مع غيره من الناس يكونون ما نطلق عليه «الوطن».. حيث يكون لهذا الوطن أناس يعتزّون به وبنظامه وقانونه..
وأن هذا الوطن بنظامه وقانونه يوفر الحماية للفرد القوي والضعيف، وأن هذا القانون يحافظ على حقوق المواطنين كما يطلب إليهم أن يؤدوا ما عليهم من واجبات لحماية المجتمع ونظامه وتطويره.. وأن يُقِرَّ الفرد أن القانون الذي يحكم المجتمع ينطبق عليه. فعليه احترامه وتقديره وتطبيقه على نفسه وعلى غيره، وأن المجتمع الذي يضع أفرادُهُ كلُّ واحدٍ قانونَهُ فهو ليس بمجتمع، وليس لهذا المجتمع وطنٌ مع أن الجمهور قد تعوّد اجترار «عاشَ الوطن»، وهو صراخ وهميّ لأن كل فرد يتاجر بالوطن كما يتاجر غيرُهُ بالقومية والدِّين..
ففي الشارع العامّ إذا التقى صديقان وهما في سيّارَتيْهِما يقفان ويسلِّمان على بعضهما البعض، ولا يقيمان وزنًا أنهما في شارع عامٍّ.. يهضمون حقوق غيرهم في حرِّيَّة السّيْر، وبعضهم يُقفِل الشارع يومين أو أكثر في أفراحه وغيرها من مناسبات.. ولهذا فإن الحمولة والعشيرة والوطن والدين والأماكن المقدسة، كلها تصبح مطية توصل صاحبها إلى حيث يحقق رغباته ومصالحه الذاتية.. فالإنسان من هذا النوع ليس إنسانًا بالمعنى العميق لكلمة «إنسان».
الإنسان الذي يحترم إنسانية غيره هو الإنسان الحق.. وأما غيره فهو يحمل صورة الإنسان وليس قِيَمَهُ وَمُثُلَهُ.. «فالإنسان» من هذا النوع لا ينتظر الشرطة والقانون لكي يحقق مصالحه وحقوقه، بل يستطيع أن يوفر منها ما يستطيع توفيره..
ولهذا نسأل بعد ما يزيد عن مئة وثلاثين عامًا: أيُّ القضايا – سواءً كانت وطنية أو قومية أو دينية – التي استطاع العرب تحقيقها؟! بل إن قضاياهم تنحطّ من وقت لآخر، حتى أصبحت اليوم تقعد في القاع..!

كاتب فلسطيني يقيم في كابول

العربيّ والمجتمع والمواطنة والقانون

محمد سعيد ريان

- -

1 COMMENT

  1. أين من بحارنا هذا الدّرُّ ؟ / زِدْ، لا جفّ لك حبرُ / و جُدْ، فلا “يصدق الطِّيبُ حتى يصدق النّشرُ” / ذي خبائثنا، عُرِضتْ بجِدْ / و ما بقى لخبائثنا بالعالَم سِرُّ. شكرا، و ليتَ يفي الشّكرُ

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left