سمير أمين… بين صراع الطبقات والرأسمالية وتوقعات تمرد الجنوب

د.محمد عبدالرحمن عريف

Sep 05, 2018

عن عمر يناهز 87 عاماً، رحل في العاصمة الفرنسية باريس، المفكر والاقتصادي المصري (سمير أمين). مواليد الثالث من أيلول (سبتمبر) 1931، من أهم أعلام مدرسة التبعية وهو من أهم مؤسسي نظرية المنظومات العالمية. ولد في مصر لأب مصري وأم فرنسية وكان كلاهما طبيبًا، قضى أمين طفولته في بور سعيد وحصل على شهادة الثانوية عام 1947 من مدرسة فرنسية، وبعدها غادر إلى باريس ليدرس فيها من 1947 إلى 1957 حيث حصل في عام 1952 على دبلوم في العلوم السياسية قبل أن يأخذ شهادة التخرج في الإحصاء 1956 والاقتصاد 1957 ويعود إلى مصر حاملا شهادة الدكتوارة في الاقتصاد من السوربون.

توقعات تمرد وثورة الجنوب على الرأسمالية

جاءت البداية عندما كانت وتيرة نضالات تحرير الشعوب في الجنوب تتصاعد وتحقق الانتصارات التي ارتبطت بمواجهتها وتحديها للرأسمالية. هذا الاقتران بين الثورة وتحدي الرأسمالية أمر لا مفر منه. ويشكل هذا الصراع بين الرأسمالية وبين الاشتراكية.. بين الشمال وبين الجنوب مصدر الإلهام الثوري. لا يمكن تخيل اشتراكية غير عالمية، مما يعني المساواة بين الشعوب. ففي دول الجنوب، معظم السكان ضحايا للنظام الرأسمالي، في حين أن أغلبية سكان الشمال مستفيدون منه، لكن غالباً ما يختار أحدهما الاستسلام له (في الجنوب) ويختار الآخر الاحتفاء به (في الشمال).
نعم ليس من المصادفة أن التغيير الجذري للنظام لا يقع على أجندة الشمال في حين مازال الجنوب «منطقة عواصف» حيث الانتفاضات المستمرة التي يصل بعضها إلى مستوى الثورات. تبعاً لذلك فإن الكثير من الأفعال التي يقوم بها أبناء الجنوب تمتلك أثراً حاسماً في التغييرات التي تصيب العالم. إذا أخذنا هذا الأمر بعين الاعتبار فإننا نستطيع وضع الصراع الطبقي في الشمال في إطاره المناسب. فهذا الصراع يرتكز على مجموعة من المطالب الاقتصادية التي لا تضع النظام الرأسمالي العالمي موضع مساءلة.

عن الانتفاضات التي ستحدث في الجنوب

ما يحدث أنه عندما تتجذر الأحداث السالفة، فإنها ستتوجه نحو مجتمعاته غير النامية. لذلك فإن اشتراكيتهم تحمل في ثناياها تناقضاً ما بين النوايا الأولية وبين حقيقة ما هو ممكن. إن الاقتران الممكن، والصعب، بين نضال الناس في الجنوب وأمثالهم في الشمال هو الوسيلة الوحيدة لتجاوز المعوقات التي تقف في وجه الطرفين. منذ الأممية الثانية تجاهلت الماركسية الأوروبية هذا الجانب الأساسي من الرأسمالية. لقد رأت هذه الماركسية التمدد الرأسمالي فعلاً متجانساً (وهو في الحقيقة قطبي) وبالتالي ساهمت في تقديم الدور التاريخي الإيجابي للاستعمار. لقد استطاع لينين تجاوز هذا التفسير المبسط للماركسية مما سمح له بقيادة ثورة اشتراكية في بلد كان حينها شبه طرفي. لقد اعتقد لينين أن ثورته لن تلبث أن تنتشر إلى دول المركز الأوروبية المتطورة، لكن ذلك لم يحدث. لقد استهان لينين بالأثر المدمر الذي تركته الإمبريالية على المجتمعات المتطورة. لكن ماو أخذ الأمور إلى نقطة أبعد عندما قام بثورة اشتراكية وطبق استراتيجيته الثورية على دولة أكثر طرفية من روسيا.
كتب أمين عن الصراع بين الشمال والجنوب، وبين المراكز والأطراف، والذي يشكل عاملاً مركزياً في تاريخ نمو الرأسمالية وتطورها. فالرأسمالية التاريخية تدمج نفسها مع تاريخ غزو العالم من قبل الأوروبيين وأبنائهم، الذين استمرت انتصاراتهم من 1492 إلى 1914. لقد وفرت هذه الانتصارات وهذا النجاح الأساس لشرعية الرأسمالية، وتم بناء فرضية التفوق الأوروبي بحيث أصبح النظام الأوروبي مرادفاً للحداثة والتقدم. وازدهرت النزعة المركزية الأوروبية في هذه الظروف، واقتنعت شعوب المراكز الإمبريالية بحقها «التفضيلي» بالحصول على ثروات العالم. فلقد شهدنا تحولاً جذرياً في المنحى التاريخي، فالجنوب بدأ يستيقظ ببطء لكن بوضوح خلال القرن العشرين، وابتدأت الثورات الاشتراكية، أولاً في شبه الأطراف، روسيا، ثم في الأطراف.. الصين وفيتنام وكوبا، حتى وصلنا إلى حركات التحرير الوطني في وآسيا وإفريقيا، والتقدم الذي تم إحرازه في أمريكا اللاتينية.
إن حقيقة الطابع المركزي للرأسمالية التاريخية تنطوي على مجموعة من النتائج التي لا يمكن تجاوزها منها، أن الانتقال إلى الاشتراكية سيكون بطيئاً ومن خلال التطور غير المتكافئ، وأن هذا التطور سيحدث بشكل رئيسي في الأطراف. لذلك لا توجد «ثورة عالمية» على أجندة دول المركز المتقدمة. لقد فهم لينين وماو وهوشي منه وكاسترو هذه المعادلة، لذلك قاموا بثوراتهم وقبلوا تحدي «بناء الاشتراكية في بلد واحد». وهي المعادلة التي لم يفهمها تروتسكي نهائياً.
هنا تعتمد حدود ما كان يمكن تحقيقه في حال تلك الثورات على عدة عوامل أهمها؛ تأثير إرث الرأسمالية «المتخلفة» في دول الأطراف، وما أصاب تلك الثورات العظيمة من تطور خلال القرن العشرين بما في ذلك انحرافاتها وخيباتها. في بلدان الأطراف الأخرى، تمكنت الحركات الثورية من تحقيق الانتصار وتغيير العالم. لكن قادة هذه الحركات لم يتمكنوا من تقدير الحاجة الماسة إلى كسر المنطق الرأسمالي من أجل تحقيق أهداف التحرر الوطني. بدلاً من ذلك عززت هذه الحركات أسطورة «اللحاق بالركب» والمقصود هنا ركب التطور الذي حققه المركز بوسائل رأسمالية، وذلك من خلال الالتحاق بالرأسمالية العالمية بهدف خلق رأسمالية وطنية ضمن نفس الشروط والآليات التي حقق فيها المركز رأسماليته.

المراكز الإمبريالية

كنتيجة لهذا التوجه كانت محصلة المكاسب التي تم تحقيقها من خلال هذه الحكومات «الوطنية الشعبية» – كما أسميها – محدودة، كما أن هذه الحكومات استُنزِفت بسرعة وانهارت وعمت الفوضى. يَظهر الخوف من الثورات الاشتراكية والتحدي الذي تمثله في التحركات الفاشية المعادية للثورة والتي تظهر في المراكز الإمبريالية. لقد شحذت الفاشية – ذات مرة – الصراعات داخل – الإمبريالية، وبشكل خاص بين ألمانيا النازية واليابان من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى من الجهة المقابلة. في ظل ظروف الخيار بين الطرفين نستطيع أن نفهم اختيار الاتحاد السوفييتي التآلف مع أمريكا وبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، كما نستطيع أن نفهم لماذا لجأت القوى الغربية إلى فرط عقد هذا التحالف عام 1945 مباشرة بعد انتهاء الحرب.
نعم لم ينتج عن فشل الحركات الاشتراكية والشعبية انفتاح لإمكانيات التحول والتطور في الشرق أو الجنوب أو الغرب. فالقوى والعوامل السياسية وكذلك المواطنين المعنيين، وهي العوامل التي أدت لنجاح تلك الحركات، لم تتم دراستها أو تقييمها بالشكل المناسب مما جعل إمكانية الاستفادة من إنجازات تلك الحركات محدودة ومقيدة. وهو نفس السبب الذي مكن قوى الثورة المضادة بقيادة المراكز الإمبريالية التاريخية (الولايات المتحدة، أوروبا، واليابان) من استغلال الفوضى التي نشأت عن ذلك الفشل وتشجيع ظهور رد فعل وهمي، تم تبنيه من قبل مشاريع «الانبثاق» الاقتصادي في بعض بلدان الجنوب، أو الانحراف غير المنطقي نحو الفاشية في بلدان أخرى.
في المراكز الإمبريالية نفسها فلم يشجع تراجع وفشل المشاريع الاشتراكية والوطنية الشعبية المثقفين على تقديم تحليل نقدي للرأسمالية، بل على العكس دفعهم أكثر باتجاه الحديث والتركيز على فضائل الرأسمالية الحديثة المتطورة. في هذا السلوك بالضبط يكمن انتصار الثورة المضادة، حيث يشكل التراجع عن الإنجازات السابقة التي حققتها دولة الرفاه الدافع الرئيس والمشجع لولادة رد فعل فاشي جديد.
يبقى أن سمير أمين خلال العام 1951 انتسب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، إلا أن الماركسية السوفييتية لم تثر إعجابه وكان مقرباً إلى الحلقات الماوية في الحركة الشيوعية. عمل أمين مستشاراً اقتصادياً في مالي وجمهورية الكونغو ومدغشقر وغيرها من الدول الأفريقية، كما عمل مديراً لمعهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادى (IDEP) في داكار لعشر سنوات طوال السبعينيات، حيث تصدى لمقولات عديدة سائدة عن التنمية والتحديث وخطط المؤسسات المالية الدولية، وشارك أثناء عمله هذا في تأسيس منظمات بحثية وعلمية أفريقية مثل المجلس الأفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية (كوديسريا) ومنتدى العالم الثالث والذي ظل يترأسه حتى وفاته. وقدم أمين مجموعة من القراءات لعدد من القضايا الأساسية، مثل العلاقة بين المركز والأطراف، التبعية والعوالم الأربعة، ومحاولة لتجديد قراءة المادية التاريخية وأنماط الإنتاج.

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

سمير أمين… بين صراع الطبقات والرأسمالية وتوقعات تمرد الجنوب

د.محمد عبدالرحمن عريف

- -

1 COMMENT

  1. عندما يعي العالم أن الصراع لن ينتهي بين الرأسمالية والإشراكية إلا بعد الإقتناع بأن للإشتراكية حق، الفقراء، في الرأسمالية. لذلك تحاول الرأسمالية الجشعة القضاء على كل محاولة الوصول بنظرية عُشر رأس المال الذي يعتبر حقا لكل من هو اشتراكي في نَظَر رأس المال.
    بالتوازي يعمل رأس المال على أن يربُوَ ماله بتمكين الفقراء من جزء من المال، يقترضه، بفائدة مشطة تجعل من الرأسمالية فاشية.
    المال كلّ له نصيب منه لذلك يمكن القول بأن الرأسمالية اشتراكية أبى أم رضي الرأسمالي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left