الخوف من التغيير… الخير الذي لا تعرفه!

[1]

نخشاه، لا، ونرتعب منه كذلك، ذلك المقبل الذي يحاصرنا بالأسئلة القاسية اللاذعة، والمحاكمات الثقيلة الصارمة. ينطلق من دواخل نفوسنا العميقة، عمق المحيطات الزرق، يحتلنا ويؤرقنا، نريد الفكاك منه، ويأبى إلاّ أن يلاحقنا كظِّلٍ عملاقٍ قاتم. إنه الخير الذي لا نعرفه، خير التغيير الذي نخشاه، لأنه جاء يسلبنا طمأنينة المعتاد، وسكون التكرار، وهدوء السكون.
نخشاه وكأنه وحش غادر، جاء لينقضَّ علينا بأنيابه وأظافره، فإذا بنا نولّي منه الأدبار فراراً وخيفةً ووجلاً. نهرع إلى خِضّمِ حياةٍ تقتلنا كلَّ يومٍ ضجراً وحسرةً وبؤساً، نلتحفها، ندخل داخل شرنقتها كسلحفاة مرعوبة خائفة، تهرع إلى صدفتها لتحتمي بها، ثم تُخرِجُ رأسها بين الفينة والفينة، مُتَطَلِّعةً، مُستكشِفةً، تراقب بحذرٍ وتوجسٍ، ثم ماتلبث تمشي وئيدةَ الخُطى، تَجُرُّ خطواتها جراً، تنتزعهم من سطح الأرض إنتزاعاً. فكثيرٌ منّا يعاني ضيقاً، وإعياءً، ونَصَباً عندما يفكر بتغيير مهنته، أو مغادرة علاقةٍ سيئة، أو العودة لمقاعد الدراسة، حتى لو كان يرغب بالتغيير، ويحلم به، ويتطلع اليه.
نخشى التغيير ونهابه، لأننا لا نحب الخسارة والفقدان اللذين قد ينطوي عليهما التغيير، ونخشاه لأننا لا نريد أن نربك أنفسنا، ونشغلها ونتعبها، فقد تعودنا حياة الإسترخاء، والدعة، والخدر، والكسل التي قتلت كل طموح فينا، وتركتنا كائناتٍ بليدةٍ، فاترةٍ، فاقدةٍ لحماسة الحياة ونارها المُتَّقِدة. معظمنا يواجه التغيير الذي امتطى جواده، وجاء غازياً لنا، ولحياتنا بالإنكار والمكابرة.
ولا تلبث المكابرة أن تتحول إلى مقاومةٍ قد تتحول بدورها إلى حربٍ حاميةِ الوطيس، مفتوحةً، شرسةً، وعنيفةً، لايهدأ إوارها، ولا تخمد نارها، نخوضها داخل نفوسنا فنتعذب بها، وتشقينا، وتمنع عنّا الطمأنينة والنوم. هذا الانكار، وهذه المكابرة لن يلينا وينكسرا، حتى نبدأ نفهم أنه لم يعد في إمكاننا العودة للوراء، وأنّ ما أصبح وراءنا لن يعود كما كان، قبل أن نخوض غمار حرب التغيير.
ونصبح بعدها كمن أصبح البحر من وراءه والعدو أمامه، لا يدري أيهما يختار، البحر الذي وراءه الذي ألفه وخبر موجه، ولكنه ضَجِرَ من كثرة ما لاقه منه من بأسٍ، وعنتٍ، وهم، أم هواجس التغيير التي أضحت العدو الذي أمامه، الذي يترقبه ساخراً، شامتاً، بضعفه، وتردده، وجزعه. فهو على مفترق طرق، فهو من ناحيةٍ لا يستطيع العودة إلى ما كان عليه، ومن ناحيةٍ أخرى لا يعرف كيف يتقدم إلى الأمام. عندها، سيعرف إضطرابات النوم، والشهية، وقلة التركيز، وتقلبات المزاج، وتداخل الافكار. بل قد يتطور الأمر إلى الشعور بالغضب، أو التعاسة، أو الإكتئاب.
ثم في لحظةِ هدنةٍ من هذه الحرب الشعواء الدامية، نقرر أن نتوقف قليلاً لنبحث الوضع، ونستكشف السبل. نُقدِمُ ونُدبِر، نُقدِّمُ خطوةً، ونتراجع خطواتٍ، نتحلّى بالإقدام ليلاً، فلّما يجيء الصبح، نضع ماقررناه خلف ظهورنا، ونواصل حياةً لم نعد نطيقها ذلاً، وهواناً، أو تعباً، أو وجعاً، أو مسكنةً، أو مهادنةً، أو ظلماً، وفقراً. لاننفكُّ نتأرجح بين المقاومة وسبر الأغوار والإستكشاف. وكلّما إزداد عدم الرضا عن الواقع الذي نعيشه، كلّما تصاعدت المقاومة لهذا الواقع، وإزدادت الرغبة في تغييره.
الأمثال الدارجة والمحكية ماهي إلاّ خلاصةَ تجربةٍ إنسانيةٍ معينةٍ، ولكنّها في رأيي ليست خلاصةً صحيحةً دائماً. فتلك التجربة الإنسانية كانت لها سياقاتها المكانية والزمانية، وبالتالي فإنَّ ما كان صالحاً وناجعاً وقتها قد لا يكون كذلك في سياقاتٍ أخرى مختلفة. ففي العامية العراقية، يخبرنا المثل الدارج أنّ الشرَّ، الذي تعرفه، أحسن من الخير، الذي لا تعرفه. هذا المثل يدعنا نُبصِرُ خشيةَ الإنسان من التغيير وتوجسَّه منه. معظم الناس يخشون التغيير، ويهابونه، ويتطيرون منه، ويحسِبون له ألف حساب. لا بل، والأدهى والأمَّر من ذلك، أنَّ معظم الناس يتحمل الشّر الذي يعرفه، والذي يعيش فيه على مضض، مرغماً، كارهاً، متوجعاً، لا لشيء إلاّ خوفاً وإشفاقاً من الخير الذي لا يريد أن يجربَّه، ويلتقي به ويعرفه.
ما كلُّ هذا الخوف من الإقدام على التغيير! من أين يأتي كلّ هذا التوجس من تحريك المياه الراكدة لحياةٍ تأكلنا تعباً، أو مللاً، أو كللاً. لماذا يشقينا التغيير، ولا تشقينا حياةٌ لا تقنعنا، ولا نلقى فيها رضاً و بَسْطَةً وسعةً. الخشية من الغموض والمجهول، والخوف من كل ماهو غريب عنّا، ولم نألفه، والريبة من صروف الدهر ونوائبه، والإرتعاب من المجازفة يملأ البعض منّا وجلاً وهلعاً. بعضنا وُلِدَ ليكون متحركاً، شغولاً، لا يهدأ ولا يركد،لا يحب التكاسل والركود، لا تقنعه حياة الراحة والدِعَة، مقامراً نزقاً ثائراً، يملئه الطموح حرارةً وإندفاعاً، يعشق ركوب الموج العاتي الهائج، الذي يعلو ويعلو حتى لتكاد قممه تلامس أطراف ثوب السماء الأزرق، المندلّق فوق الأفق بدلالِ ثوب داتنيلا فوق جسد فاتنةٍ بهيةِ الجمال.
فتراه لا يعبأ كثيراً بمنطق الربح والخسارة، فالمغامرة في حدِّ ذاتها ربحٌ له، والخسارة يغشاها عشقٌ محمومٌ للإبحار نحو نجومٍ مضيئةٍ بعيدةٍ في أقصى أقاصي زوايا الكون الوثير، فلا تعد الخسارة إلا كنقطةٍ سوداءَ، شديدةَ الضآلة في زاويةِ صفحةٍ بيضاءَ متراميةِ الأطراف لخيرٍ يجهله، أو حظٍ سعيدٍ ينتظره. فالمقامرون، كما يخبرنا عالم الأعصاب وأستاذ علم النفس التنموي الدكتور مارك لويس، يختطفهم الحظ السعيد الذي لا يمكن التنبؤ به أبداً. بعضنا الآخر جُبِلَ على الخضوع لواقعه، مهما كان مراً والإستسلام له.
فهو لايعشق الأحلام، ولايحبَّ التعلُّق بأراجيح الطموح المسافرة في الفضاء. فيرى التغيير عسيراٌ عليه، أو لا يقود لخَيارٍ واقعي، أو يتعارضُ مع قيمهِ ومبادئه التي يؤمن بها. فمن يعشقَ الراحة، ويُقدِّس الجمـود لن يعـجبه التغـيير ولا يـطيقه.
هذا المثل لا يليق إلاّ بنفرٍ من الناس، وليس بكلِّ الناس. من يريد أن يرتشف الحياة حتى الثُّمالَة لن يروقه العيش في شرٍ، حتى وإن خَبِرَهُ وعرف كلَّ ذرةٍ من ذراته، سيظلُّ نظره معلقاً على الخير الذي يجهله، ويجهل أراضيه وسماواته. الخيفة والتوجس لن يقدرا عليه، فهو مشبوبٌ بلهب التوق إلى تجربة التغيير الرائع الأخاذ، الذي يسلب الألباب والأنظار بألوانه، وبريقه، وشموسه الإرجوانية الساطعة الدافئة، التي لا تكفُّ عن تدفئة القلب البارد من فرط ما لاقى من شرورٍ دخيلةٍ عليه إقتلعت منه كل ذرةِ دفءٍ ومحبة.
قادة المجتمع لا يبزغون إلاّ أملاً ورغبةً بالتغيير، والمقاومة التي يواجهونها هي في حقيقتها مقاومةً للخسارة والفقدان. الخسارة قد تكون خسارةً للسلطة، أو الهيمنة، أو النفوذ، أو المكانة، أو الأموال والأملاك. والفقدان يتمثل بفقدان المسلّمات والموروثاتَ والعادات. هذه المقاومة تتعدد أشكالها، وألوانها، وطرقها، وتمتّدُ من التراشق اللفظي، إلى العزل والمقاطعة، إلى التمرد والعصيان، إلى التخريب والإنتفاض والثورة.
كلُّ ردود الأفعال هذه تحكمها فكرةً واحدةً، ألا وهي الخيفة من الخسارة والفقدان اللذين قد ينطوي عليه الخير الذي لا يعرفه أفراد المجتمع، فإذا بهم يخضعون ويسلِّمون للشر الذي ألفوه وخبروه.
وهنا يبرز دور قادة المجتمع بتوعيةِ مواطنيهم، ليس بالمكاسب العظيمة التي سينطوي عليها التغيير، وليس بالخير العريض الذي لا يعرفونه فحسب، وإنما كذلك بما سيخسرونه ويتجرعونه، إذا لم يقبلوا بالتغيير المحتوم، وأصروا على رفض الخير الذي لا يعرفونه، ولا يريدون أن يعرفوه. الأفراد والأوطان كذلك يستحقون الكثير من البدايات الجديدة.

كاتبة من العراق

الخوف من التغيير… الخير الذي لا تعرفه!

شهباء شهاب

1 Comment (Open | Close)

1 Comment To "الخوف من التغيير… الخير الذي لا تعرفه!"

#1 Comment By الدكتورجمال البدري On Sep 6, 2018 @ 11:37 am

مقال محبوك كالزرد ؛ من بنت الجامعة المستنصرية ؛ أنعم وزد.زادك الله قدرة على سبراللفظ والمعنى الجديد.كلامك للبلاد نشيد ؛ ولوكنت على بُعد…سيدتي التغييرمن سنن الله في الوجود ؛ انظري إلى قسمات الأم بعد الميلاد ؛ سترين ملامح شبابها عادت من جديد ؛ نضارة على وجه الوليد…كما ستجدين ملامح الغد ؛ قد جاءت على الأمس الغابر بروح بهيجة كالعيد…فالحركة خيروبركة ؛ وننتظر منك المزيد مع التقديروالودّ.