صعوبة إقالة ترامب قطب المجمّع العسكري المالي

[1]

ما بين الرغبة والحقيقة، على الأغلب، تكمن مسافة طويلة، فأي كاتب يعكس في بعض مقالاته، رغائبه الكامنة أحيانا، حتى المستقرّة في اللاوعي منه، فيظهر لدى بعض القراء، وكأنه يناقض نفسه!
أما إن أخضع الحدث لسياقيه الواقعي من جهة، والتاريخي من جهة أخرى، فإنه مضطر والحالة هذه إلى إعادة صياغة (تعريف) الرغبة، لتتماهى مع حقائق الواقع المحسوس حكما، وليس المجرّد بالطبع! وما بين الرغبة والحقيقة يتجاوز الكاتب ذاته ليجد نفسه محلقا في سماء دائرة ذاته بأفقها التحليلي المفصلي المعبرّة عن رأيه. كلنا رغبة كفلسطينيين وعربا وإنسانيين بإقالة ترامب اليوم قبل الغد، حتى إن 60% من الأمريكيين يؤيدون عزله، وفقا لاستطلاع جديد للرأي لصحيفة «واشنطن بوست» وشبكة «أي بي سي نيوز» الأمريكيتين، الذي أظهر أيضا أن أغلبية واضحة من الأمريكيين تدعم المحقق الخاص روبرت مولر، الذي يجري تحقيقا في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية .وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن استطلاع الرأي أظهر أن غالبية الأمريكيين تحولت ضد ترامب، وتدرك جهوده للتأثير على وزارة العدل وتحقيق المستشار الخاص روبرت مولر واسع النطاق.
قبل التطرق إلى صعوبة إقالة ترامب من منصبه، حرّي التأكيد على أنه في تاريخ الولايات المتحدة منذ إعلان الاستقلال الأمريكي في 4 يوليو/تموز عام 1776، ومن بين 45 رئيسا أمريكيا تعاقبوا على المنصب، فإن ترامب هو الوحيد الذي جاء من صلب المجمع الصناعي العسكري رأس المال المالي الأمريكي بعد تشكله، والذي هو عبارة عن تحالف عضوي متين بين أصحاب الصناعات العسكرية ورأس المال المالي الكومبرادوري، الذي يتحكم في صناعة الرؤساء الأمريكيين، وسياساتهم المنتهجة. هذ التحالف يتضمن المساهمة السياسية، والموافقة على الزيادة السنوية المتعاظمة على الإنفاق العسكري، وأعمال الوساطة لدعم البيروقراطيات، والإشراف على الصناعات العسكرية. هذه العلاقة تعد نوعا مما يسمى بـ»المثلث الحديدي»، الذي هو اصطلاح للعلاقة بين المشرّعين في لجان الكونغرس وكافة المؤسسات البيروقراطية والمجموعات الأخرى ذات المصلحة الاقتصادية في عموم الدولة.
في كتابه بعنوان «الفاشية والأعمال الكبيرة»، يعرّف دانييل جيران هذا المجمع «بأنه تحالف غير رسمي ومتغير، لجماعات ذات مصالح نفسية وأخلاقية ومادية راسخة، ترمي إلى التطوير المستمر للحروب، والتصنيع الدائم للأسلحة، والإبقاء على أسواق تجارية استعمارية لهذه الأسلحة، وتصور عسكري- استراتيجي للشؤون الداخلية.» كذلك قدم فرانز ليبوبارد نويمان عرضا للظاهرة في كتابه «هيكل وممارسة الاشتراكية الوطنية» عن كيفية صعود الفاشية إلى السلطة حتى في الدول الديمقراطية. أيضا، استخدم رئيس الولايات المتحدة دوايت أيزنهاور المصطلح في خطابه الوداعي للأمة في 17 يناير/كانون الثاني عام 1961 قائلا، «يتوجب علينا الاحتراس من النفوذ المتنامي للمجمع الصناعي العسكري والتأثير على القرار السياسي الأمريكي، وهو تدخل لا مبرر له، سواءً كان بطلب أو بغير طلب.. ويستطرد أيزنهاور، من هنا فإن الاحتمال موجود للصعود الكارثي للسلطة في غير مكانها، وسيظل موجودا، لذا، يجب علينا أن لا نترك أثر هذا المجمع ليعرّض حرياتنا وعملياتنا الديمقراطية للخطر، لا يصح أن نسلّم بضمان أي شيء. فقط المواطنة المتنبّهة والعارفة هي التي ستجبر التشابك المناسب بين الصناعات الكبرى والآلة الدفاعية من جهة، وطرقنا السلمية وأهدافنا من جهة أخرى، ذلك حتى يزدهر الأمن والحرية معا».
يشير جفري برت، الذي صاغ سيرة حياة أيزنهاور، إلى دور الكونغرس الأمريكي بمجلسيه (النواب والشيوخ) في تعزيز الصناعات العسكرية، لكن كلمة الكونغرس أسقطت في المسودة النهائية لخطاب أيزنهاور، لإرضاء أعضاء الكونغرس المنتخبين في ذلك الحين.
لقد تم وصف ترامب خلال حملته الانتخابية، وفي الأسابيع الأولى من إدارته بأنه يمثل تهديداً لهيئة التصنيع العسكري، ولكن مع مرور الوقت، وضح زيف هذا التحليل، فقد تم تعيين المزيد من الجنرالات والشخصيات من ذوي الرؤوس الحامية في الإدارة الأمريكية (وهذا ليس بعيدا عن رغبة المجمع الصناعي العسكري بالطبع) ضمن إدارة ترامب. وهنا لا بد من الإشارة إلى الارتبط العضوي الوثيق للمجمع مع قادة اللوبي الصهيوني الأمريكي. من هذه النقطة بالذات، رأينا اختلاف مواقف ترامب عن الكليشيه الأمريكي المعروف بالنسبة للصراع الفلسطيني العربي ـ الصهيوني، وقراره حول القدس، ومشروعه التصفوي للقضية الفلسطينية، من خلال «صفقة القرن» المتناغممة مع التوجهات الإسرائيلية، ومحاولته شطب الأونروا بوقف الدعم المالي الأمريكي لها، ومحاولته اتخاذ قرار بشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين نهائيا، وحمل الكونغرس على صياغة تعريف جديد «للاجئ» الفلسطيني، واختزال عدد اللاجئين من 6 ملايين لاجئ إلى نصف مليون! لهذا تقول مقالات أمريكية كثيرة بأن ترامب هو أفضل ممثل لهيئة التصنيع العسكري، وقد كان دائما كذلك .وفي هذا المجال من المفيد العودة لكتاب جون ميرشايمر وستيفن والت بعنوان «امريكا المختطفة» وفيه يؤكدان على أن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط موجهة عبر اللوبي الداعم لاسرائيل. للأسف لا يشير الكاتبان إلى «اللوبي اليهودي أو الصهيوني» مباشرة، لأنهما يدركان أن أغلبية هذا المعسكر/اللوبي ليس في الحقيقة مشكلّا من اليهود، ففيه مسيحيون متزمتون (يطلق عليهم اللوبي الصهيو مسيحي) وهم الأشد دعما لإسرائيل من اليهود أنفسهم. ثمة مؤسسة مهمة في هذا المعسكر ربما لا تخطر إلا في أذهان المهتمين من الباحثين وهي»لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية».
أما الكاتب المعروف جين بريكمونت، وفيما يتعلق الأمر بالعلاقة مع اسرائيل، يصرّح دائما «بأن الشعب الأمريكي مستعمَر من قبل اسرائيل». وهو يتفق تماما مع مقولة للكاتب إيان دونوفان «بأن الذيل الإسرائيلي يهاجم باستمرار الكلب الأمريكي». ما قصدنا قوله، إن المجمع الصناعي العسكري، إضافة إلى التيار الصهيو مسيحي الواسع في أمريكا، واللوبي الصهيوني بالطبع، وكل الهيئات الأخرى العاملة تحت راية هذا التحالف، كلهم راضون عن أداء الرئيس ترامب.
يعتقد دونافان، أن اللوبي الاسرائيلي يؤثر في السياسة الأمريكية بطريقة هي ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. فدونوفان وضع نوعًا من التفسير المادي لأقواله، فهو يكتب: ليس كل هذا صنيعة اليهود الرأسماليين الأمريكيين، الذين هم رأس حربة الإمبريالية. ويستطرد، بأن اليهود كثيرون ضمن الطبقة الرأسمالية الأمريكية. فنسبة اليهود ضمن التعداد السكاني الأمريكي العام حوالي 2.5%  وحين نقيسه على الرأسماليين الأمريكيين، فإن النسبة بالتأكيد ستكون أعلى، اليهود في أمريكا ليسوا الجماعة الإثنية أو الدينية الوحيدة التي لديها هذا الحضور الكثيف في الطبقة الرأسمالية. مع ذلك، هل يحتاج هؤلاء الرأسماليون اليهود بالفعل للتأثير على السياسة الأمريكية بطريقة كهذه؟ هل لدى الرأسماليين اليهود مصالح متمايزة عن الرأسماليين الأمريكيين بشكل عام؟ ألديهم مصالح «مادية خاصة في اسرائيل؟ يجيب الكاتب «بأنهم كلّ ذلك، على الرغم من أنه ليس ثمة من دليل على ذلك». ويورد دونافان ما يلي، خذ، على سبيل المثال الحكاية الشهيرة لشيلدون آديلسون، وهو رأسمالي كبير وداعم كبير أيضا لإسرائيل. لديه استثمارات كبيرة فيها، ومن أجل التهرب من الضرائب في أمريكا، يودع وأمثاله معظم ملياراتهم في البنوك الإسرائيلية، ذلك بعلم الإدارة الأمريكية. كما يمتلك آديلسون مؤسسات كبيرة في إسرائيل منها الصحيفة اليومية المجانية « إسرائيل اليوم»، التي تعتبر ورقة دعاية لصالح نتنياهو. إنه أحد أثرياء لاس فيغاس المعروفين بالمقامرة. وهو ليس بالمنصب الاستراتيجي الذي يخوله التأثير على سياسة بلاده في الشرق الأوسط. وفي الإجابة عن التساؤلات أيضا يوضّح: إن أي جزء من رأس المال من شأنه أن يؤثر فعلا على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ وأن الجواب الموثوق كل الثقة بأن المؤثر الحقيقي على ذلك هو «المجمع الصناعي العسكري».
جملة القول، إن كل ما استعرضناه في هذه المقالة يؤكد تمسك كل هذه الهيئات ببقاء الرئيس ترامب في منصبه، فهو يعمل على توتير الأجواء الدولية بأسلوب التهديد العسكري، واختراع مناطق توتر في جميع القارات، وهو مسوّق كبير للأسلحة بإلزام العديد من الدول شراءها بمئات مليارات الدولارات، حتى لو لم تكن هذه الدول بحاجة لها! كما أن ترامب لا يأنف من طلب مئات مليارات الدولارات من دول عديدة، ثمنا لحماية الولايات المتحدة لها، فمن وجهة نظره، أن هذه الدول لم تكن لتستمر أسبوعا واحدا من دون حماية واشنطن.
وفي ما يتعلق بالموقف من الصراع في الشرق الأوسط، فإن الرئيس الأمريكي الحالي هو الذي الذي أزاح عن كاهل إسرائيل الكثير من القضايا التي لطالما تمنت تحقيقها، مقارنة مع غيره من الرؤساء الامريكيين.
الرئيس ترامب وعلى الرغم من كلّ أخطائه، يبقى الممثل الأكثر قدرة على تمثيل مصالح كلّ هذا التحالف الشيطاني غير المقدّس، ولذلك سيكون من الصعب إجباره على الاستقالة، أو إقالته، إلا إذا حصلت تطورات دراماتيكية في صلب المجمع الصناعي العسكري، وهو احتمال بعيد.
كاتب فلسطيني

صعوبة إقالة ترامب قطب المجمّع العسكري المالي

د. فايز رشيد

3 Comments (Open | Close)

3 Comments To "صعوبة إقالة ترامب قطب المجمّع العسكري المالي"

#1 Comment By أسامة كليّة سوريا/ألمانيا Ossama Kulliah On Sep 6, 2018 @ 11:08 am

شكراَ أخي فايز رشيد. كنت أعتقد في السابق ان ترامب هو الأسوأ لكني بعدما نظرت الى ماقبله,اوباما وبوش مثلاً, وجدت أن سياستهم جميعهم لاتخدم إلا مصالح إسرائيل بهذا الشكل أو ذاك. ترامب أعلنها فقط على الملأ, أما من سبقوه فكانوا يظهرون نوعا من الخجل الدبلوماسي أو االحنكة الاعلامية وربما توخياً لنصائح المستشارين. لكن في المحصلة فهي سيرة متواصلة للسياسة الأمريكية. وقد أستطيع أن أجزم أنه لولا سياسة أوباما الظاهرية في دبلوماسيتها لا جوهرها (أي هي التي مهدت), لما نجح ترامب وفشلت كلنتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية. صحيح أن هذا يتعارض مع مبادئ أمريكا كدولة عظمى وزعيمة العالم الحر كما يسمى! لكن هكذا هو حال الدول العظمى تتحول لتصل إلى هذه المرحلة. إذا لايمكن أن نعول على التغيير في سياسة أمريكا, بل إن العلة فينا ولايمكن أن ننتظر أن يأتي الحل من هناك كما كان يعتقد السادات أو عرفات. يجب أن أضيف, أن مايسمى حلف المقاومة والممانعة الذي يدعي أنه يعارض سياسة أمريكا تبين أنه هو أكثر من يحقق سياسة أمريكا ويحفظ أمن إسرائيل (وروسيا ليست أقل اهتماما بأمن إسرئيل من أمريكا), بل أن الأسد ونظامة هو صديق ضمني ومضمون لإسرائيل. يبدو أنه لايوجد في الأفق بارقة آمل, لكن من الظلمة ينبثق النور.

#2 Comment By رجا فرنجية – كندا On Sep 6, 2018 @ 3:39 pm

شكرأ للدكتور فايز رشيد على بيان حقيقة من يقف وراء القوة السياسية للولايات المتحدة الداعمة لسياسات هذا “الرئيس″. وهنا لا بد من القول بأن القوة الخفية التي تساند جميع هذه السياسات وامكانية المضي بها هو “الدولار الأمريكي”. لكن كما نقول “ان دوام الحال من المحال”. قريباُ وقريباُ جداً ستفاجئ الصين العالم بحقيقة مخزونها من الذهب وهذا بدوره سيتوج اليوان الصيني ملكاً للعملات الأحتياطية وسيؤدي انحدار الدولار الأمريكي الى كارثة اقتصادية لا يمكن تحديد مداها.

#3 Comment By رجا فرنجية – كندا On Sep 6, 2018 @ 4:45 pm

اود اضافة التوضيح التالي بخصوص تعليقي اعلاه: منذ ان اعلن الرئيس نيكسون التوقف عن استبدال الدولار بالذهب عام 1971 فقد استمر الدولار الأمريكي بالتداول بسبب قوة الأستمرار وبسبب ان تسعير السلع ألأساسية يتم بالدولار ألأمريكي. وان هناك شكوك حول مخزون الذهب الحقيقي لدى الولايات المتحدة وكيف ان الولايات المتحدة قد تأخرت مدة 5 سنوات في تنفيذ مطالبة المانيا بأستعادة ذهبها المخزون لدى الولايات المتحدة.