هل تعود تركيا إلى مسارها الأوروبي المنقطع؟

بكر صدقي

Sep 06, 2018

حشرت تركيا، في الآونة الأخيرة، بين ضغوط كبيرة من كل من واشنطن وموسكو، فظهرت إشارات، في بعض تصريحات المسؤولين الحكوميين، إلى العودة إلى التقارب مع أوروبا، كما لو كانت حبل النجاة من الأزمة الاقتصادية القادمة المنذرة بعواقب وخيمة. وقد شجع على ذلك أن الحكومات الأوروبية المتضررة، بدورها، من الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الجميع، أعلنت عن قلقها بشأن أزمة الليرة التركية، وعن تضامنها مع تركيا في مواجهة قرارات ترامب. وإذا كانت تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون بشأن التخلي عن فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قد أثارت استياء أنقرة، لكنها ارتاحت ضمناً من مطالبته بإقامة «شراكة استراتيجية» مع تركيا. فالحكومة التركية، هذه الأيام، ربما لا تعنيها كثيراً قضايا استراتيجية من نوع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يهمها علاج فوري أو مسكنات ألم لمعاناتها الاقتصادية. أو بعبارة أخرى، إنقاذ اليوم وترك التفكير في الغد للغد.
وإذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد ألمح، في أكثر من مناسبة، إلى أن من شأن محاولات واشنطن حشر تركيا في زاوية ضيقة، أن تدفع أنقرة إلى البحث عن حلفاء جدد، وتحديداً روسيا وإيران ودول بريكس، فقد جاءت الضغوط الروسية الأخيرة من أجل التمهيد لمعركة إدلب، لتكشف عن مدى هشاشة أي تحالف مع موسكو وشركائها. ها هو وزير الخارجية الروسي يتحدث عن «نفاد صبر روسيا» إزاء إرهابيي هيئة تحرير الشام المتمركزين في محافظة إدلب. وقبل أن تكتمل فترة السماح التي أعطتها موسكو لتركيا من أجل إقناع «النصرة» بحل نفسها، أو إخراج مقاتليها من المحافظة، بدأت الغارات الجوية تضرب بعض البلدات، تمهيداً لاجتياحها. فلم تنتظر موسكو موعد القمة الثلاثية لثلاثي سوتشي في طهران، التي من المفترض أن تبت بشأن مصير إدلب، بل فضلت انعقاد هذا الاجتماع والرئيس التركي تحت ضغط القصف الجوي، بحيث لا يبقى له من مخرج سوى الموافقة على تسليم المحافظة، بعدما فشل جهاز الاستخبارات القومي التركي في إقناع جبهة النصرة بحل نفسها.
وعلى أي حال، حتى لو حلت «النصرة» نفسها، فالنتيجة هي انتصار للنظام الكيماوي وروسيا، ستليه الخطوة التالية التي لا مفر منها: مطالبة تركيا بإزالة نقاط المراقبة التي لم يمض وقت طويل أصلاً على اكتمالها، أو إرغام تركيا على التنسيق مع نظام بشار، ثم يأتي الدور تباعاً على عفرين ومنطقة درع الفرات، بحيث يتم إخراج تركيا تماماً من معادلات الصراع على الأراضي السورية، وما يترتب على ذلك من حرمانها من المشاركة في تقرير مصير سوريا.
بهذا المعنى تدرك أنقرة أن ما سيحدث في إدلب، في الفترة القريبة القادمة، سيشكل بداية النهاية للدور التركي في سوريا. وهذه هي الحصيلة المرة لتقاربها مع موسكو على حساب علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن. علاقة أرادتها واشنطن أيضاً، بقيادة ترامب، علاقة إملاء من طرف واحد، اختار الرئيس التركي التمرد عليها، فكانت النتيجة المباشرة إرباك الوضع الاقتصادي من خلال إعطاء زخم إضافي لتدهور قيمة الليرة التركية، وهو مسار سابق على الضغوط الأمريكية ناتج عن أخطاء كبيرة في السياسة الاقتصادية للحكومة، عمرها سنوات.
هل ينقذ التقارب المحتمل مع أوروبا تركيا من ضائقتها؟ تأمل الحكومة التركية أن تساعدها أوروبا في تجنب الأزمة الاقتصادية القادمة. أما غير ذلك كالعودة إلى مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فهو خارج اهتمامات كل من تركيا والدول الأوروبية معاً. ذلك لأن هذه العودة لها اشتراطات سياسية واقتصادية لا تبدو القيادة التركية في وارد مجرد الحديث عنها، بعدما مضى أردوغان بعيداً في مركزة السلطات في يده، وتراجعت قيم أوروبية أساسية كاستقلال القضاء وحالة الحريات العامة وحالة الصحافة والإعلام والاعتقالات الكيدية بذريعة الحرب المفتوحة على جماعة فتح الله غولن، أو التضييق المتزايد على السياسيين والنواب الكرد، أو تبعية المصرف المركزي لرئاسة الجمهورية، وغيرها.
تأتي زيارة وزير الخارجية الألماني إلى تركيا، يومي الخامس والسادس من شهر أيلول، في هذا الإطار، وبعد فترة طويلة من فتور العلاقات بين البلدين. وتحدث الإعلام الألماني عن أجندة مزدحمة لوزير الخارجية هايكو ماس في أنقرة، من أبرز عناوينها: تطبيع العلاقات بين البلدين، وإطلاق سراح مواطنين ألمان في السجون التركية، وحث الحكومة التركية على العودة إلى احترام مبادئ دولة القانون والمؤسسات، والقلق الألماني من أزمة اقتصادية وشيكة في تركيا بما في ذلك إمكانية البحث في مساعدة مالية لتركيا، والمخاوف الألمانية بشأن المعركة المرتقبة في إدلب، وما يمكن أن ينتج عنها من موجة لاجئين جديدة.
يبدو أن الحكومة الألمانية تبحث، فعلاً، في إمكانية تقديم مساعدة مالية إنقاذية لتركيا، ولكن ليس بدون شروط. وقد تكون الشروط، السياسية منها بصورة خاصة، هي نفسها ـ جزئياً ـ الشروط التي كانت مطروحة في مسار انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. أي ما يتعلق بالحريات العامة، والفصل بين السلطات، وحرية الصحافة، واستقلالية القضاء، أي عملياً كل ما يتعارض مع التوجهات السلطوية التي كرستها نتائج انتخابات حزيران/يونيو الماضي، وفي المركز منها الانتقال العملي إلى النظام الرئاسي.

٭ كاتب سوري

هل تعود تركيا إلى مسارها الأوروبي المنقطع؟

بكر صدقي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left