للحقيقة وجهان: فلسطيني ضعيف وإسرائيلي بشع

[1]

لصورة الحقيقة وجهان. ولا مجال لفهم الواقع على حقيقته، ولا لمعرفة اتجاه هبوب رياح التغيير الطبيعية، التي تقود إلى تشكيل المستقبل، دون وضع الوجهين داخل إطار واحد، ودراسة ملامح كليهما بدقة وموضوعية. والوجهان اللذان يعنياننا هما الوجه الفلسطيني والوجه الاسرائيلي.
ماذا نرى لو مارسنا هذه الرياضة الذهنية؟.
1ـ نرى، في ايامنا الصعبة التي نعيشها حاليا، وجها فلسطينيا مثخنا بالجراح، يفور الدمع في عينيه حزنا على الشهداء والجرحى الذين يتساقطون ويصابون في مواسم قتل وطغيان لا تنتهي، وانقساما في ما تبقى من الوطن بعد النكبة، بفعل انقلاب دموي، يسعى، (من خلال هرولته لاتفاقية «تهدئة»)، لتحويل نتائج الجريمة إلى مرض مزمن، والى عاهة تنشر الكآبة على اشهر وسنين مقبلة. ونرى قيادة شرعية ركيكة الأداء، عديمة القدرة على الابتكار والتحليق، تكتفي بادارة اليومي المؤقت، وتترك الصعب والقاسي لغيرها، وتحمل شبابها، بل واطفالها ايضا، عبئاً يهد عزمهم وقوتهم وهي في طور التكون والنمو، دون تسليحهم بعلم حقيقي عصري هو حقهم.
نرى عيني وجه فلسطيني تبحث، عبثا، عن روافع تدعم نضال الفلسطينيين، مركِّزة النظر والتحديق في صحراء عربية جرداء قاحلة، إلا من سيول دموع ودماء عربية، وتلال من جثث وأشلاء.
هذه صورة قاتمة محبِطة. سبب كونها على ما هي عليه من بؤس، انعدام قدرة القيادات الفلسطينية القيادة الشرعية، المسؤولة الأولى، من جهة، وقيادة الانقلاب الدموي، من جهة ثانية، على وضع اقدام الفلسطينيين على درب من مسربين متكاملين: مسرب تحديد العدو بالاسم وبدقة، ووقف التذلل اليه والوضاعة في التعامل، بل: و«التعاون» معه. ومسرب وضع هدف سام للفلسطينيين، يعتمد العلم والتعليم اساسا راسخا وايصاله حد التقديس قابلا للتحقيق، وجدير بالتضحية وبذل كل الجهد لتحقيقه. واسوأ ما في الامر هو ان لا درب تحت اقدام الفلسطينيين، لا من كلا المسربين المتكاملين، ولا حتى من مسرب واحد.
مرة ثانية: هذه صورة قاتمة محبِطة، لكن «نصف العزاء» انها ليست الوحيدة في الاطار الذي نمعن النظر فيه. وإذا كانت هي صورة وجه الضحية، فإن إلى جانبها صورة الجلّاد.
2ـ نرى، في ذات ايامنا الصعبة التي نعيشها حاليا، وجها اسرائيليا بشعا، يركز نظر كلتا عينيه إلى الفلسطينيين وكل العرب، بل والعالم ايضا، من خلال منظار بندقية الاحتلال والاستعمار التي يملكها، وتصله مجانا من عرّابه الأمريكي، ويصنِّعها ايضا، ويبيعها لأمثاله من أنظمة، لا تشبهه إلا في عنصريتها وطغيانها.
هذا الوجه الإسرائيلي العنصري، القائم على قاعدة التمييز، يستفيد هذه الايام من موجة عاتية من «الترامبية». هي عاتية فعلا، فأمريكا ليست مجرد «ولايات متحدة»، انها «خمسون دولة متحدة»، ولكنها، رغم ذلك، مجرد موجة إلى زوال بكل تأكيد، حتى وان كان لها ظهور وبروز وتجليات هنا وهناك، من هنغاريا إلى الفلبين وغيرهما، في بعض نقاط العتمة، على خارطة تمتد من أوروبا إلى الشرق الأقصى، لغتها هي لغة عصر العنصرية والشوفينية والتمييز والأبرتهايد، الذي زال وانقضى في جوهره، ولم يبق من ذيوله الا القليل القليل. ووجه اسرائيل بين هؤلاء، وهو الاكثر بشاعة.
وجه اسرائيل في الاطار منفِّر. نَفَرَ منه عدد كبير حتى الآن من ابرز الفنانين: لوردي المغنية النيوزيلاندية العالمية. نفرت منه المغنية الأمريكية لانا دِل ريي، التي اعلنت، في اليوم الاول من هذا الشهر، الغاء اشتراكها في مهرجان «ميتَأور» (النيزك) الذي يفتتح اليوم في كيبوتس اسرائيلي في الجليل، فاثارت ما سمته جريدة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية «شعورا من الصدمة المروعة لدى الجمهور الاسرائيلي»، وقالت المغنية الأمريكية انها «ستجيء إلى اسرائيل عندما ينتهي الاحتلال والأبرتهايد الاسرائيلي».
بعد اعلان لانا دِل بيوم واحد، اعلن الموسيقي الأمريكي، هنري لاوبر، الغاء اشتراكه في هذا المهرجان الاسرائيلي، حيث اعتذر عن تاخير الغاء حضوره، مؤكدا: «… ان دعم المظلومين، من خلال غيابي، اهم بالنسبة لي، وخاصة في ظل الفظاعات الاخيرة التي تقوم بها الحكومة الاسرائيلية». وقال انه وافق في البداية على الاشتراك في المهرجان «لكي اتبرع بأَجري عن ذلك إلى أهالي قطاع غزة، ولكني رأيت اخيرا ان إلغاء اشتراكي أكثر اهمية».
يضاف إلى هذين ايضا الفنانة الأمريكية، وولوكس، التي الغت اشتراكها في ذات المهرجان. ولحق بكل هؤلاء الفنان البريطاني ليون وينهول، والمغنية التركية، سالدا، والثنائي النصراوي «زنوبيا» وفنانين وفرق فنية من جنوب افريقيا واستراليا وغيرها. اما الموسيقي البريطاني، ددبوي، فقد كان اكثر وضوحا في رفضه، حيث اعلن انه عزف في اسرائيل في السابق… «ولكن ذلك تم عندما كنت صغيرا وقليل معرفة، وانا نادم على ذلك».
عندما نضيف إلى ما تقدم مقاطعات اخرى لاسرائيل، قد يكون ابرزها الغاء فريق كرة القدم الأرجنتيني مباراة ودية في اسرائيل، مع فريقها لكرة القدم، عشية انطلاق مباريات كأس العالم في روسيا قبل اسابيع، تتضح امامنا حقيقة النبذ العالمي لوجه اسرائيل العنصري القبيح.
لكن ما يتمم الصورة، هو ملاحظة نوعية السياسيين الذين يزورون اسرائيل في هذه الأثناء، وابرزهم رئيس وزراء هنغاريا، فيكتور اوربان، الذي زارها في تموز/يوليو الماضي، وهو المعروف بعنصريته، وبانه «لاسامي» معلن، ومنبوذ في اوروبا، اضافة إلى الزيارة الحالية للرئيس الفلبيني، رودريغو دوتيرتي، العنصري والقاتل وغريب الأطوار، الذي افتخر انه قتل شخصيا ثلاثة اشخاص: أولهم طعنا، وثانيهم بالرصاص، وثالثهم برميه من طائرة مروحية، وافتخر بانه مثل هتلر، وشتم الرئيس الأمريكي السابق، باراك اوباما، وقال عنه انه «ابن عاهرة»، ووصف الله سبحانه بانه «ابن زانية… وليأتني أحد بصورة سِلفي معه»، وصرح مؤخرا بان علاقة بلاده بالولايات المتحدة قد تحسنت في ولاية الرئيس ترامب، الذي وصفه بانه «صديق جيد.. ويتكلم لغتي»(!).
لقد خسرت اسرائيل، وخاصة في السنوات الاخيرة، صورة وجهها الذي كانت تغطيه كميات من مساحيق التجميل، التي بدأت في التساقط، وبوتيرة متسارعة، لتكشف امام العالم، وقادة ومشكلي الرأي العام، من فنانين ورياضيين واساتذة جامعات ومفكرين، حقيقة وجهها العنصري، وجه الاحتلال والاستعمار والتفرقة العنصرية، وجه الأبرتهايد المنبوذ عالميا، وحتى في اوساط أمريكية واسعة، كانت من اكثر الداعمين لها، والمصدِّقين لرواياتها.
هذان هما الوجهان في الاطار الواحد: وجه فلسطيني حزين وضعيف، ووجه اسرائيلي بشع لا مستقبل له، مصيره الزوال، رغم كل ما هو مدجج به من سلاح.
لكن هذا لا يكفي. لا يكفي ان يكون العالم ضد اسرائيل وسياستها. المطلوب هو ان يكون العالم معنا، ليشكل ذلك رافعة تمكننا من انجاز اهدافنا الوطنية، واستعادة حقوقنا الشرعية كاملة، وإن بالتدريج، خطوة إثر خطوة. هذا ما يستدعي اعتماد سياسة حكيمة: تحدد العدو، وتتعامل معه على انه العدو بـ«ال» التعريف، وتحدد للشعب الفلسطيني هدفا ساميا، قابلا للتحقيق، وجديرا ببذل الجهد بصدق وجدية وايمان راسخ لتحقيقه.
تحقيق ذلك ليس سهلا. تحقيق ذلك ليس مستحيلا… وهذا هو الأهم.

٭ كاتب فلسطيني

للحقيقة وجهان: فلسطيني ضعيف وإسرائيلي بشع

عماد شقور