بلا “شبكة” ولا “نيش”.. تابوهات الزواج في مصر تكسرها ضغوط الاقتصاد

القاهرة: تعاني أغلبية الشباب في مصر عند الإقبال على الزواج، من تعقيدات مالية تجعل البعض يعزف عن الفكرة، غير أنه مؤخراً ظهرت مبادرات لكسر بعض الأعراف للتيسير على الشباب.
وكشف تقرير إحصائي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (حكومي)، في يوليو/ تموز الماضي، عن تراجع في معدل الزواج.
ففي 2016 تراجع عدد عقود الزواج في مصر، وفق التقرير، بنسبة 3.2 في المئة إلى 938 ألفاً و526 عقداً، مقابل 969 ألفاً 399 عقداً في 2015.
ويتوقع مراقبون تصاعد معدل التراجع في عقود الزواج؛ جراء الارتفاع المتزايد في الأسعار، منذ تحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، في 3 نوفمبر/ تشرين ثاني 2016.
وتنفذ مصر، منذ 2016، برنامجاً للإصلاح الاقتصادي، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تضمّن تحرير سعر صرف العملة، وفرض ضرائب، ورفع الدعم عن سلع رئيسية وكمالية.
أدت هذه الإجراءات، إلى موجات وُصفت بـ”الكبيرة” من ارتفاع الأسعار، بما في ذلك أسعار الأجهزة المنزلية، وهي من مستلزمات الزواج.
ويتطلب الزواج تجهيزات ضخمة من الجنسين، تحتاج لعشرات الآلاف من الجنيهات، وفق أعراف مرهقة، سواء من أثاث المنزل أو المهر، وفق الشاب عادل عبد الوكيل.
عبد الوكيل أضاف أنه عندما قرر الزواج اتفق مع أهل العروس على كسر تابوهات الزواج المعقدة، والاستغناء عن كل ما لا يحتاجه سكن الزوجية.

النيش والذهب 
لسنوات طوال، ظلّ “النيش” (دولاب لعرض أطقم من الأطباق والأكواب) على اختلاف أشكاله وتصميماته، ضرورة كبيرة في زيجات المصريين.
وساد اعتقادٌ مجتمعي بأنّ الاستغناء عن “النيش” يمثل نقصاً، ويقابل بـ”نظرة دونية” من المحيط الأسري والمجتمعي.

الظروف الاقتصادية وموجات ارتفاع الأسعار قادت إلى تغيير الكثير من الأعراف.

الظروف الاقتصادية وموجات ارتفاع الأسعار قادت إلى تغيير الكثير من الأعراف.

وهو ما فعله الشاب عبد الوكيل (27 سنة) عندما قرر الاستغناء عن “النيش”، وكذلك تقليل عدد غرامات الذهب (الشبكة)، التي تُهدى للعروس، وهو ما وفر له كثيراً من النفقات.
وتابع أنّ الفكرة جاءته بسبب ارتفاع أسعار أطقم الأطباق والأكواب بشكل كبير، حيث تُكلف أكثر من عشرين ألف جنيه (1200 دولار) كأدوات زينة لا يتم استخدامها إلا نادراً.
وأوضح أنّ الفكرة قوبلت ببعض الانتقادات من الأقارب بحكم حداثتها، قبل أن يمدحوها عند دخول أبنائهم معترك الزواج، خاصة مع ارتفاع الأسعار حالياً إلى الضعف.
وفي الفترة الأخيرة، ظهرت حملات إلكترونية تدعو إلى إلغاء “النيش” وتقليل عدد غرامات الشبكة من الذهب؛ بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، وعدم تحميل كاهل الأسرة بأعباء كثيرة.
ودعا الكثير من الإعلاميين إلى تفعيل هذه الدعوات والاستغناء عن كل ما لا يحتاجه المنزل.

 تراجع شراء الذهب
في بعض قرى جنوبي مصر، تترواح شبكة العروس من الذهب بين 50 و150 غراماً من الذهب، بسعر 600 جنيهاً (33 دولاراً) للغرام الواحد.
صلاح عبد الهادي، عضو شعبة الذهب في الغرفة التجارية بالقاهرة (مستقلة تشرف عليها وزارة التجارة والصناعة)، أفاد بتراجع معدلات الإقبال على شراء الذهب بعد تحرير سعر صرف الجنيه.
وأوضح عبد الهادي، أن معدلات الشراء تراجعت بأكثر من 80 في المئة ، مقارنة مع الفترة التي سبقت ثورة 25 يناير/ كانون ثاني 2011.
وأضاف أن “سوق الذهب تعاني من تراجع حاد لم تشهده مصر من قبل؛ بسبب عزوف المواطنين عن الشراء بعد ارتفاع الأسعار”.

عادات غير مجدية 
إسلام إبراهيم (30 سنة)، شاب مصري لم يعبأ هو الآخر بالأعراف السائدة في مجتمعه.
لكنّه لا يرجع ذلك فقط إلى الظروف الاقتصادية، لكن أيضاً إلى رفضه من الأساس لبعض الأفكار السائدة في مناسبات العُرس.
وقال إبراهيم، وهو محاسب من محافظة الغربية (شمال)، إنّه استغنى أيضاً عن طاولة السُفرة إلى جانب “النيش”، لعدم الحاجة إليهما، مع إقامة العرس في دار مناسبات وليس حفلة صاخبة.
ويقلل إبراهيم كثيراً من الانتقادات التي قد توجّه إليه، قائلاً: “الناس سيتكلمون في جميع الحالات، وبالتالي لا أنظر إليهم.. أنا أفعل ما أقتنع به فقط”.

الناس سيتكلمون في جميع الحالات، وبالتالي لا أنظر إليهم.. أنا أفعل ما أقتنع به فقط

وتابع: “كل ذلك جاء بالاتفاق مع أهل العروس، فهي أيضاً اقتنعت بأنها عادات قديمة غير مجدية.. تنازلت عن الكثير من المواصفات في الأجهزة الكهربائية، واشترينا ما يحتاجه منزلنا فقط”.
وشهدت أسعار الأجهزة الكهربائية زيادة بنسبة حوالي 70 في المئة ، ما دفع مصريين إلى التوسع في استخدام نظام التقسيط من المتاجر الشهيرة، التي تعمل وفقاً لهذا النظام، بحسب إبراهيم.

تحول إيجابي
سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس (شرق القاهرة)، قالت إن كسر الشباب للتابوهات القديمة يمثل محاولة منهم لمسايرة الحالة الاقتصادية التي تمر بها مصر.
واعتبرت خضر، أن هذا يعد تحولاً إيجابياً، فهناك الكثير من الممارسات لا فائدة من ورائها، مثل حرص الأهالي على أن يرى المدعوين للعُرس وأهل القرية ذهب العروس، رغم أنه نوع من تدخل الآخرين في حياة غيرهم.
ورأت أنّ تشبث العائلات بهذه الأمور يمثل مظاهر زائدة أفسدت علاقات اجتماعية وعلاقات العروسين؛ لأنّ هذه المظاهر تؤدي إلى مزيد من التدخلات والمشاكل، وأحياناً قد تؤدي إلى خراب البيوت.
وتتابع: “الأسرة يجب أن تفهم أنّ المستقبل لا يُبنى بالنيش أو الشبكة، لكنّه يتشكل من خلال حياة متوازنة بها مشاركة وتعاون بين الرجل والمرأة”.
ودعت خضر إلى إيجاد نشرة توعية وبرامج تلفزيونية وإذاعية تفتح مثل هذه الموضوعات لتمحي مثل تلك المظاهر التي تعيق الكثيرين عن الزواج.  (الأناضول)