الاحتفال بذكرى معركة «ملاذكرد»؟

[1]

يحتفل الأتراك في شهر أغسطس/آب من كل عام بالذكرى السنوية لمعركة يَعُدُّونها من أهم انتصاراتهم على مر التاريخ، هي معركة ملاذكرد أو مانزكرد التي وقعت في آسيا الصغرى أمام البيزنطيين عام 463هـ/ 1071م. ولنا أن نتساءل هل انحصرت أهمية هذه المعركة في مكان أو زمان معينين، أم امتد تأثيرها متجاوزًا الزمان والمكان لتصير من أهم معارك التاريخ الوسيط الفاصلة على الإطلاق؟ بل ومن أهم المعارك الإسلامية التي غيرت جغرافيا وتاريخ المنطقة والعالم لقرون تلت؟
قبل أن نجيب علينا أن نضع في الاعتبار الاسم الآخر الذي أطلقه المؤرخون على هذه المعركة، وهو «اليرموك الثانية»، مما يشي بدورها المؤثر والمشابه لما لعبته تلك المعركة الشهيرة التي حدثت قبلها بأكثر من أربعة قرون في أحداث التاريخ؛ فكما اعتبر جوزيف داهموس معركة اليرموك من أهم معارك التاريخ الوسيط فأدرجها في كتابه «سبع معارك فاصلة في العصور الوسطى»، قام محمد عبد الله عنان بإدراج ملاذكرد في كتابه «مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام»، باعتبارها معركة من أهم معارك الإسلام الفاصلة.
لقد اصطدمت موجة الفتح الإسلامي الأولى لدى انطلاقها بالإمبراطوريتين الأكبر، قطبي العالم حينذاك، الفرس والروم، أو الدولة الساسانية والدولة البيزنطية (الرومانية الشرقية)، وكما هو معلوم انهار الفرس سريعًا أمام الضربات المتتابعة للجيوش الإسلامية الزاحفة، فقُوِّضَت دولتهم وزال ملكهم، أما الروم فكانت إمبراطوريتهم تشهد صحوة تحت حكم الأسرة الهرقلية (610-711)، رغم ذلك فقدوا أراضي الشام تباعًا أمام غزوات المسلمين السريعة الحاسمة، وكانت معركة اليرموك عام 15هـ/ 636 م هي الفاصلة في إنهاء النفوذ البيزنطي تمامًا في الأقاليم ذات الأهمية الفائقة الواقعة شرقي البحر المتوسط، ومن ثم حالت دون الاتصال الأرضي بين البيزنطيين وولاياتهم في الشمال الإفريقي فمهدت للمسلمين انتزاعها في النصف قرن التالي. وقد حملت شهادة الإمبراطور البيزنطي هرقل للمعركة بنفسه شهادة أخرى على أهميتها، حتى إذا اندحرت جيوشه على مرأى ومسمع منه قال قولته الشهير – كما يروي ابن الأثير – بعد التفاتة أخيرة لاحت منه قبل أن يولي هاربًا: «السلام عليك يا سوريا، سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك روميٌ إلا خائفًا».

الفتوحات الإسلامية

ورغم أن الفتوحات الإسلامية واصلت طريقها في القرن الهجري الأول حتى كادت أن تُسْقِطَ العاصمة البيزنطية «القسطنطينية»، إبان حصارها الأقوى زمن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أواخر هذا القرن، إلا أن هذه الغزوات لم تستطع أن تستقر وتحط رحالها في آسيا الصغرى، كما فعلت في الأقاليم الأخرى؛ فهي لم تكن مجرد إقليم من أقاليم الدولة كالشام ومصر، بل كانت مركز ثقلها وموردها الأساسي من الغذاء والجند، وحائط الصد أمام التوغل في الأراضي الأوروبية من الشرق، وعليه تحولت تخومها الجنوبية مع استمرار الصراع بين القوتين إلى منطقة ثغور بين العالمين الإسلامي والمسيحي، يتقدم فيها المسلمون تارة والبيزنطيون تارة أخرى. حتى إذا حلَّ منتصف القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، انقسم العالم الإسلامي إلى خلافتين سنية في بغداد وشيعية في القاهرة، انشغلا بالصراع في ما بينهما، هذا غير الإمارات المستقلة، ما مكن البيزنطيون من التوسع باتجاه الشرق والجنوب، حتى أنهم أرغموا الحمدانيين في الشام على دفع الجزية.
وفي خضم التفكك والتناحر الذي شهده العالم الإسلامي، ظهر الأتراك السلاجقة على ساحة الشرق الأدنى في منتصف القرن الخامس الهجري، كقوة إسلامية جديدة جاءت من أواسط آسيا، ما لبثت أن أصبحت في ظرف سنوات قلائل من عوامل توازن القوى في المنطقة، بعد أن سيطروا على فارس والعراق، ووصلوا إلى بغداد عام 447هـ/ 1057م، حيث رحَّب بهم الخليفة العباسي القائم بأمر الله، لتمكنهم من القضاء على الشيعة من بني بويه وبسطهم النفوذ السني من جديد على حاضرة الخلافة؛ هكذا كان لقيام أول دولة للسلاجقة أثر كبير في تاريخ المشرق الإسلامي، خاصة أنهم كانوا من المعتنقين للإسلام حديثًا، مثلهم مثل العرب في صدر الإسلام، يحملون في صدورهم حمية وحماسًا لنشر الدين وتوسيع دياره، فلم يجدوا أمامهم سوى البيزنطيين العدو التليد للمسلمين، على مرأى من حدودهم، فبدأوا في قض مضاجعهم والتوغل في أراضيهم من الشرق.
استطاع السلطان السلجوقي ألب أرسلان وولي عهده ملك شاه ووزيره الشهير نظام المُلْك أن يتوغلوا في قلب الأناضول البيزنطي، بعد استيلائهم على «آني» و«قارص» العاصمتين القديمتين لأرمينية والمركزين الأساسيين لقوة البيزنطيين ونفوذهم في الأقاليم الشرقية من آسيا الصغرى، وسيطرتهم على هضبة أرمينية الدرع الواقي للإمبراطورية البيزنطية من الشرق، ليس هذا حسب بل قاموا بفتح كامل بلاد الكرج (جورجيا)؛ فلاحت في الأفق نذر صدام كبير بين القوتين بعد هذا التهديد الخطير.
وبالفعل قرر الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع، ليس فقط مواجهة السلاجقة وطردهم من الأراضي البيزنطية، بل الوصول إلى مدينة الري عاصمتهم في خراسان، وحَشَد لذلك جيشًا عظيمًا بلغ تعداده في بعض الروايات زهاء المئتي ألف، وهو بذلك يعد أكبر جيش بيزنطي يواجه قوة إسلامية منذ معركة اليرموك؛ هذا فضلاً عن قيادته من قِبَل الإمبراطور نفسه؛ في حين لم يكن السلطان السلجوقي ألب أرسلان مستعدًا لمعركة بهذا الحجم، ولم يجد الوقت الكافي لحشد جيش مكافئ، وقد كان متواجدًا في إحدى مدن أذربيجان، فاضطر إلى السير على الفور بمن معه من جند، تقدرهم الرواية البيزنطية بأربعين ألفًا، أما الرواية الإسلامية فتتحدث عن خمسة عشر ألفًا فقط.

عدم التكافؤ بين القوتين

وكان عدم التكافؤ بين القوتين في العدد تكرارًا لما حدث من قبل في اليرموك، لكن مع الوضع في الاعتبار أن هؤلاء القلة كانوا من صفوة جيش السلاجقة يتميزون بالمهارة والبأس، خاصة الرماة منهم، بعكس الجيش البيزنطي الذي مع كثرة عدده إلا أن عناصره كانت خليطًا متنافرًا من الصقالبة واليونان والروس وبعض طوائف الإفرنج والأرمن والكرج، فأظهروا عدم تناغم أثناء القتال ما سهل شق صفوفهم، وثبتت القلة في قتالهم من الظهيرة حتى غروب الشمس، ولما حاول رومانوس التوقف ومعاودة القتال في اليوم التالي، ضغط السلاجقة بقوة على الصفوف المتراجعة واستطاعوا اختراقها والوصول إلى القلب الذي انهالت عليه جموعهم بالضرب والرمي، حتى أنزلوا بالجيش البيزنطي الهائل هزيمة ساحقة، ليس هذا فحسب بل استطاعوا لأول مرة أسر الإمبراطور البيزنطي، الذي يتعجب المؤرخ جيبون كيف أن السلطان أحسن معاملته، بل قام بإطلاق سراحه، قائلاً إن هذا الفعل «قد أثار مديح أعدائه، وإن في مسلكه درسا لأشد العصور مدنية».
هكذا كانت هذه المعركة من أكبر الكوارث التي حلت بالدولة البيزنطية على مر تاريخها، فقد ثَبَّتت أرجل المسلمين الأتراك في آسيا الصغرى ومهدت لقيام دولة سلاجقة الروم في قلبها، وإنهاء نفوذ بيزنطة على الجانب الآسيوي، وقادت إلى تحويل الأناضول إلى تركستان أخرى، بعد فتح بابها من الشرق على مصراعيه عقب المعركة لاستقدام العشائر التركية من عموم آسيا وإسكانها بكثافة في إستبس وسط الأناضول، ومناطق الثغور مع البيزنطيين في الغرب؛ واستمرت هذه الهجرات طوال القرن الخامس الهجري، فاندمجت مع السكان الأصليين بسهولة.
وكما يشير المؤرخ اليوناني خونياتس آثر السكان المسيحيون الأصليون حكم المسلمين الأتراك على الحكم البيزنطي، فانتقلت كامل البلاد بمرور الزمن من العقيدة الأرثوذكسية واللغة اليونانية إلى العقيدة الإسلامية واللغة التركية، وانتقل مركز الثقل للمسيحية الأرثوذكسية الشرقية فضلاً عن مركز الثقل للإمبراطورية البيزنطية في هذا القرن نفسه من آسيا الصغرى إلى شبه جزيرة البلقان على الجانب الأوروبي، وهو ما أدى بشكل مباشر إلى إسقاط الدولة البيزنطية حين سقطت عاصمتها على يد خلفاء السلاجقة من الأتراك العثمانيين، بعد حوالي أربعمئة عام من معركة ملاذكرد.

كاتب وباحث مصري

الاحتفال بذكرى معركة «ملاذكرد»؟

د.أحمد سالم سالم

2 Comments (Open | Close)

2 Comments To "الاحتفال بذكرى معركة «ملاذكرد»؟"

#1 Comment By الكروي داود On Sep 6, 2018 @ 10:18 pm

رحم الله أولئك المجاهدين الذين رفعوا راية الإسلام حتى قلب أوروبا القسطنطينية ثم إتخذوها عاصمة لهم وللأمة – ولا حول ولا قوة الا بالله

#2 Comment By The Spotter On Sep 7, 2018 @ 1:34 pm

شكراً للكاتب المحترم، في الحقيقة هذه أول مرة أقرأ عن هذه المعركة وأنا القارئ النهم. الحمد لله الذي هيأ لهذه الأمة من ينشر رسالتها وهذا أكبر دليل على أن الإسلام ليس دين العرب وحدهم كما يدعي البعض بل هو دين الله الخالد على الأرض يستطيع أي معتنق له أن يساهم فيه ومع ذلك يشكك الكثير من الجهلة بفضل الأتراك العثمانيون في نشر الدين القويم وتمكين الأمة الإسلامية على الأرض بفضل الله، ولله جنود لا يعلمها إلا هو جلا وعلا.