عمران خان وصورة باكستان الجديدة

Sep 07, 2018

تعتبر باكستان من الدول التي يؤثر الجيش فيها على السياسة بصورة كبيرة، فدوامة القبعة والعمامة متجذرة في باكستان، وبينهما التكنوقراطي أو الأرستقراطي الفاسد الذي يعطي من جانبه الذريعة الجاهزة لثورة العمامة، أو تدخل الجيش، ولذلك فإن النظرة لشخص مثل عمران خان مختلفة قليلاً وغير اعتيادية، فرئيس الوزراء الباكستاني الجديد يمكن تصنيفه خارج المساقات التقليدية، في هذه الحالة فالأمر يحمل داخله، إما ملحمة بتمكن البطل الرياضي السابق من قيادة بلاده إلى خارج التخبط والتكلس، أو تراجيديا على الطريقة الباكستانية التي التهمت من قبل ذو الفقار علي بوتو وابنته بناظير، وخصمهما اللدود الجنرال ضياء الحق.
ينتمي عمران خان للطبقة المتوسطة في باكستان، وكغيرها من الدول النامية أو حتى المتخلفة اقتصادياً، فذلك يعني انتماءه لأقلية صغيرة داخل المجتمع، تعيش معاناتها الخاصة وتفكر بطريقة تختلف عن القاعدة الواسعة من الجماهير الفقيرة، ولكنها لا تمتلك الخيارات نفسها التي يحتكرها الأثرياء، ويفترض بهذه الطبقة أن تعرف كيف تفكر الطبقات الأخرى، وتحمل مخاوفها الخاصة ممن يرزحون في الأسفل أو يحلقون في الأعلى.
من موقعه في قيادة الفريق الباكستاني في الكريكت، وهي الرياضة التي ورثها سكان شبه القارة الهندية من الاستعمار الإنكليزي، لتصبح أفيوناً شعبياً للبسطاء، تمكن خان من قيادة بلاده لبطولة العالم الوحيدة التي أحرزتها هذه الرياضة، والأمر لا يتوقف عند بطولة رياضية، ففوز باكستان كان يعني انتصاراً على الجارة اللدود (الهند) التي ورثت هي الأخرى مع بقية المستعمرات الإنكليزية التوله بهذه الرياضة، وأيضاً الفوز على إنكلترا نفسها التي ما زالت تمارس دبلوماسية الكريكت مع المستعمرات القديمة، فهذه الرياضة تبدو كأنها أحد المخلفات العنيدة للاستعمار الإنكليزي، بحيث تفتقر لأي شعبية خارج فضائه.
كان الأمر في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وترافق مع تغير جذري في الإعلام يتمثل في انفلاته من دور الأداة الحصرية لدى الدولة، وبذلك تحول خان إلى نجم من طراز رفيع، واستحق مرتبة البطولة بين مواطنيه، فالفوز لم يكن مجرد إنجاز رياضي بقدر ما أتى تحقيقاً للاعتبار الوطني، ومنح الباكستانيين جرعة من الزهو والفخر بأنفسهم، والتقط خان هذه الرسالة، فوضعه الشعبي كان يؤهله لبناء مرحلة جديدة من مستقبله، وكانت السياسة هدفه المعلن منذ البداية، ومن ثيمة الفوز اليتيم الذي حققته باكستان ببطولة العالم للكريكت، كانت شعارات حركة الإنصاف السياسية الباكستانية (إنصاف، إنسانية، اعتزاز)، والاعتزاز الوطني ربما هو الكلمة الأكثر جاذبية لدى الباكستانيين في هذه المرحلة، هي كلمة السر في مشروع خان، وهي ما تجعله متفرداً ومختلفاً عن بقية الأطياف السياسية، وستجلب عليه أيضاً خصومات عنيدة. أظهرت لغة الاعتزاز نفسها مبكراً عند خان، وأتى التصريح بأن باكستان لن تحارب في معارك الآخرين، بمثابة الرسالة الواضحة للأمريكيين وغيرهم، وهو ما دفع ترامب إلى إطلاق تصريحات نارية مثلت (هدية) كبيرة لخان، فالتطاول على باكستان من واشنطن كان يستدعي أن يوضح رسالته بنبرة عالية، وأن يتقدم بمطالبته بالندية في العلاقات مع الحليف الأمريكي، الذي توطدت علاقته مع باكستان منذ الحرب الأفغانية لطرد الاتحاد السوفييتي، وشهدت أيضاً صعوداً آخر بعد الغزو الأمريكي للجارة الأفغانية، ولأن الولايات المتحدة ليست في وارد أن تخسر حليفاً بوزن وأهمية باكستان في هذه المرحلة، كانت زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو واجتماعه مع خان، تؤكد على الخوف الأمريكي من تراجع علاقتها مع باكستان، خاصة أن خلافاتها مع الصين بدأت تنتقل إلى مرحلة تالية من التصعيد.
الفتى الوسيم بقامته الطويلة ليس غراً سياسياً، فوجوده في المجال لأكثر من عشرين سنة جعله على اطلاع بتفاعلات السياسة الباكستانية، وشخصيته وأرضية مسيرته السياسية تؤكد أنه لا يخوض التجربة من أجل أن ينضم إلى سلسلة من رؤساء وزراء باكستان، الذين لم يحققوا شيئاً، هو يطمح إلى أن يقدم شيئاً شبيهاً بما قدمه أردوغان في تركيا أو مهاتير محمد في ماليزيا، ولكن من المبكر الحكم ما إذا كان خان يمتلك الكفاءات المماثلة، خاصة أن مؤسسة الجيش في باكستان تمتلك حساباتها الخاصة، وكذلك الأمر بالنسبة للجماعات الدينية التي لا يمكن تجاهل دورها في هذا البلد الذي قام على أساس ديني من اللحظة الأولى.
أمام باكستان ضرورات أساسية تتمثل في إعادة صياغة العلاقة مع الهند، بحيث لا تستعمل كأداة ضغط جاهزة وتحت الطلب لإرباك الباكستانيين، وفي ذهنها أيضاً التنافس الصامت مع الإيرانيين، وأي تصعيدات على هذه المحاور من شأنها أن تمنح الجيش الخط الأخضر لممارسة الوصاية، ولكن المهادنة ستتعارض مع فكرة الاعتزاز التي يقدمها خان، فالباكستانيون الذين ليس لديهم الكثير ليخسروه، سينتظرون من خان مواقف جماهيرية في حالة أي استفزاز مهما كان نوعه، ولذلك فمن المتوقع أن تتجنب باكستان أصلاً مزيداً من النشاط على المستوى الخارجي، بما سيجعلها تبتعد عن موقعها كحليف لدول الخليج العربي، وهو ما بدأته فعلياً في الفترة الماضية، حتى قبل وصول خان إلى السلطة، وسيعني ذلك أن خيارات باكستان الاقتصادية ستذهب لتنحصر في الصين، وبما سيثير قلقاً هندياً، وبذلك فإن محاولة البحث عن نقطة استقرار في هذه الدوامة من الاعتبارات ستشكل التحدي الأبرز لخان الذي يقود دولة ذات كتلة سكانية عالية، تمتلك ترسانة نووية متواضعة، ولكنها كافية لتجعل المواطنين يضغطون دائماً بتوقعات مرتفعة لرسملة هذه القوة سياسياً، خاصة أنهم دفعوا ثمنها باهظاً خلال العقود الماضية.
بالطبع فالتحديات التنموية في باكستان من شأنها أن تغرق أي شخص، مهما كانت الكفاءات التي يحملها، في جحيم من التفاصيل والتحديات، ولذلك فليس متوقعاً أيضاً للبحث عن انتصارات سريعة أن يعود إلى محاولة إصلاح ما أفسده الدهر بصورة ستجعله ينضم إلى فئة الحالمين الميؤوس منهم، والمتوقع أن يتوجه إلى السواحل الباكستانية على المحيط الهندي ليقدم بلده على خريطة العولمة والحركة التجارية، وهو ما سيجعله أيضاً طرفاً في حرب الطرقات التجارية والحرير الصيني الذي يستهدف لتحويل الصين إلى الرئة الانتاجية للعالم، وغالباً ما سيجد خان دعماً صينياً كبيراً، بل تشجيعاً صريحاً من بكين لهذه الغاية، وسيعني الأمر ببساطة أن تستشعر الهند مزيداً من الضغط مهما بدت لغته لطيفة وتصالحية.
لم تكن باكستان مشروعاً ذاتياً بقدر ما كانت، وهي ما هي عليه من حجم وإمكانيات نتيجة لتسويات خروج المستعمرين وتدبيراتهم التي كانت تخدم مصالحهم بعد خروجهم من مسؤولية السلطة المباشرة على المستعمرات، وهذه المعادلات تولد مشاكلها الخاصة، ولذلك فعلى خان أن يستثمر رصيد صورته البطولية لدى مواطنيه بكثير من الحكمة.
كاتب أردني

عمران خان وصورة باكستان الجديدة

سامح المحاريق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left