الهند ومشروع الدولة العظمى: من المبادئ إلى المصالح

د. عبد الحميد صيام

Sep 07, 2018

هذه هي المرة الأولى التي أحط فيها الرحال في الهند، رغم أنني زرت العديد من جيرانها. وكنت أمني النفس دائما بأن أزور هذه البلاد العظيمة، التي خرج منها قادة تاريخيون مثل المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وأنديرا غاندي والشاعر الأهم طاغور.
وأول ما وصلت إلى نيودلهي زرت بيت الموهنداس كرمشاند غاندي، الملقب بالمهاتما، لأكمل الصورة التي كونتها عنه في جنوب إفريقيا عندما زرت بيته في مدينة دربان، حيث طور أفكاره في محاربة الظلم هناك، لما شاهده من قهر تمارسه الأقلية البيضاء ضد السكان الأصليين من السود فعاد إلى بلاده وقرر أن يناضل بالطرق السلمية ضد الاحتلال الإنكليزي لبلاده إلى أن حقق حلمه في إنجاز كنس الاستعمار البريطاني من بلاده عام 1947. لقد زادتني الزيارة إلى بيته ومقامه ومتحفه والحديقة التي خطا فيها آخر خطواته، قبل أن يغتاله متطرف هندوسي (ناثورام غودسي) بتاريخ 30 يناير/ كانون الثاني 1948عزيمة وتصميما بأن رسالته في محاربة القهر والظلم والاحتلال عالمية، لا حدود لها، وأن من يتمسك بالعدل والحق ويدافع عن مبادئه ولا يساوم عليها، فلا بد في النهاية إلا أن ينتصر. وكان يقول أن من لا يقبل الظلم على نفسه ويدافع عن حقه في الحرية لا بد يوما أن ينتصر.
وبحكم العمل في المجالات الدولية تعرفت على كثير من الهنود من الفئات المثقفة والواعية جدا، والمؤهلة تأهيلا علميا عاليا قل مثيله، وفي الوقت نفسه تعرفت على الناس العاديين الذين يعملون في الخدمات اليومية، خاصة في دول الخليج، وتشعر بأنه مهيض الجناح مطيع يتقبل الأوامر ويعتقد أنه خلق لهذا الدور.
فهناك في الهند طبقة (كاست) يمكن ترجمتها بالمنبوذين ويسمون أيضا «من لا يجوز لمسهم» يعدون بالملايين. وقد عزز الاستعمار البريطاني هذا النظام وحرم الوظائف الحكومية على المنبودين، وظهرت حركات تقاوم هذا النظام قادها السيخ والمسلمون والبوذيون، احتجاجا على السياسات التمييزية التي تمارس ضدهم في الهند. ألغيت العديد من القوانين التي تتضمن التصنيف الطبقي، ودخل بعض المنبوذين الأحزاب والبرلمان، ولكن اجتثاث العنصرية من النفوس والطبائع والأعراف ليس بالأمر السهل، كما هو الحال في الولايات المتحدة مع السود، ففي الهند تبدو الطبقية جلية للأعيان. فهناك 5%، وقد أصر صديق دبلوماسي أن يصححني ويقول 1% فقط، يملكون القوة والمال والأرض والجيش والمناصب الرفيعة والتعليم العالي والصحة الكاملة وحتى الجمال. أما الفقراء فتجدهم في السوق الشعبي بعد الخروج من صلاة الجمعة في المسجد الجامع، أكبر مساجد دلهي القديمة، مكدسين في الشوارع وعلى درجات المسجد، لم يبق منهم إلا الجلد والعظم، ويلاحقك عدد من الباعة المتجولين قرب بوابة الهند الكبرى، التي تخلد ضحايا الجيش الهندي في الحرب العالمية الأولى، يحاولون إقناعك أو إجبارك على شراء ما يحملون من مصنوعات يدوية. الفقراء في الهند ما زالوا في كل مكان وليس ذلك عيبا أو نقصا في مصادر الدخل أو في الموارد الطبيعية، بل في توزيعها، والمعجزة ألا تكون هناك مجاعة في بلد زاد سكانه عن مليار وثلاثمئة مليون نسمة وعمره 71 سنة منذ الاستقلال وبه 22 لغة رسمية معترفا بها، أما الأديان فحدث ولا حرج.
لا شك بأن الهند دولة مؤهلة أن تكون دولة عظمى، فلديها كل الإمكانات وهي تحتل المرتبة السادسة من حيث القوة الاقتصادية، ويصل حجم مداخيلها إلى عشرة ترليونات دولار، والخامسة عشرة من حيث النمو الاقتصادي، ولكن معدل دخل الفرد يعود بالهند إلى مستوى دول العالم الثالث حيث لا يتعدى مبلغ 2000 دولار. وقد دخلت الهند عصر التصنيع التكنولوجي المتطور، وريادة الفضاء، وأصبحت أفلام بوليوود تنافس أفلام هوليوود، ناهيك عن صناعة الأدوية والمنسوجات والسيارات. إنها الدولة النووية السابعة التي طورت قدراتها أيام الحرب الباردة، بدعم من الاتحاد السوفييتي. تتبع الهند سياسة جديدة تقوم على البراغماتية منذ أكثر من عقد من الزمان، خاصة في ظل حكم الحزب الوطني اليميني المؤمن بتفوق العنصر الهندوسي. لقد مضى عهد التمسك بالمبادئ، وقيادة حركة عدم الانحياز والانتصار للغلابة والمضطهدين. يفتخرون الآن بأن علاقاتهم مميزة مع الجميع. وحسب كلمة وزير الدولة للشؤون الخارجية، شري محمد أكبر، في مؤتمر نظمه معهد الدراسات الأمنية التابع لوزارة الدفاع، فالهند الآن تقيم علاقات متوازنة مع الجميع بما فيها إسرائيل وفلسطين والدول العربية، ويطير رئيس الوزراء مودي من إسرائيل إلى الإمارات العربية، ويستقبل وفودا من روسيا والولايات المتحدة والصين. وقد أعلن أن اجتماعا قريبا سيعقد بين وزيري الدفاع والخارجية الأمريكيين ونظيريهما الهنديين. الهند تتبع سياسة الانفتاح وتغليب المصالح على المبادئ، علما أن حجم المداخيل التي تصلها من تحويلات الهنود العاملين في دول الخليج يزيد على الستين مليار دولار سنويا. وقد روي أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي عندما زار دبي قال مازحا إنها أجمل مدينة هندية.
الهند لا تخفي رغبتها في دخول مجلس الأمن الدولي كعضو دائم ممثلة للقارة الآسيوية. وعندما رشح هندي نفسه لمنصب الأمين العام منافسا لبان كي مون لم تتحمس الهند لهذا الترشيح خوفا من أن يؤثر على حظها في دخول صالة المجلس بشكل دائم. وتعمل الهند بذكاء وصمت لحشد أكبر عدد من دول القارة الآسيوية لتأييد هذا المطلب. لكن ليس من السهل إقناع عدو الهند التاريخي، باكستان، لتأييد هذا الترشيح. وقد كانت الهند منذ سنين تحاول أن تنضم إلى منظمة التعاون الإسلامي كعضو مراقب على الأقل، لتمثل أكثر من 170 مليون مسلم في بلادها يمثلون ثالث وجود إسلامي في العالم، إلا أن باكستان كانت تعترض على هذا الطلب باعتبار غالبية سكان الهند من الهندوس. وكانت باكستان تحشد معها دولا إسلامية عديدة لتأييدها في منع الهند الانضمام إلى المنظمة. لكن بنغلاديش ومعها تركيا وبعض الدول الإفريقية، دعمت مؤخرا في اجتماع وزراء الخارجية توجه الهند بدخول المنظمة كعضو مراقب، وبذلك أصبح الباب الآن مفتوحا أمام الهند لتمارس قوتها الناعمة في حشد أكبر عدد من الدول لتأييدها في المطالبة باحتلال مقعد دائم في مجلس الأمن. لكن مشكلة كشمير، التي لا يريد أحد هنا أن يتحدث فيها كأنها غير موجودة، ستظل الجرح النازف في الخاصرة الهندية، وورقة الضغط القوية التي تثيرها باكستان في كل المحافل الدولية.
لقد بقيت الهند مجمدة لعلاقاتها مع إسرائيل تقريبا منذ عام 1950 عندما اعترفت بها رسميا لغاية سنة 1992 حيث افتتحت سفارة في تل أبيب وسمحت بفتح سفارة إسرائيلية في دلهي وثلاث قنصليات في الهند. وقد زار إسرائيل أكثر من 50000 هندي هذا العام وسيصل العدد إلى 90000 في السنة المقبلة. وقد تم فتح خط طيران مباشر بين البدين منذ مارس/آذار الماضي وسمح للطائرات الهندية أن تطير في الأجواء السعودية وصولا إلى تل أبيب. وحسب الأرقام الرسمية فحجم التبادل التجاري الآن يصل بين البلدين إلى أكثر من خمسة مليارات دولار، عدا التجارة العسكرية التي قد ترفع حجم التبادل إلى عشرة مليارات. وتعتبر إسرائيل المصدر الثاني للأسلحة الهندية بعد الاتحاد الروسي. أما التعاون الأمني فهو في أرقى مستوياته تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. وشارك في المؤتمر المذكور أستاذ إسرائيلي متقاعد ألقى كلمة خبيثة جوهرها أن العالم العربي حالة ميئوس منها، ولا فرق بين دوله الغنية أو الفقيرة، الصغيرة أو الكبيرة، الملكية أو الجمهورية. وتحدث بإسهاب عن الدول الأربع الأساسية في منطقة الشرق الأوسط مصر وإيران وتركيا وإسرائيل وبين في كلمته أن الدول الثلاث الأولى لا تتمتع بالاستقرار فمصر على أبواب مجاعة، وإيران محاصرة، وتركيا ارتدت للديكتاتورية، ولم يبق في المنطقة دولة مستقرة ومتطورة إلا إسرائيل، وكأنه يريد أن يوصل رسالة إلى الهنود مفادها «تخلوا عن العرب وليس أمامكم إلا إسرائيل». وهناك الان لوبي هندي قوي، خاصة من بعض أفراد الحزب الحاكم يدعو إلى تمتين العلاقة مع إسرائيل.
أما فلسطين، فكما قال سفير الهند السابق في السعودية، تلميذ أحمد، فلها التأييد اللفظي وحسب. فمجازر غزة صيف 2014 لم يصدر عن الهند أي إدانة إلا بعض البيانات التي تعبر عن الأسف والقلق والألم والدعوة إلى التهدئة. وقد فوجئت الوفود العربية في مجلس حقوق الإنسان عندما صوتت الهند بـ»امتناع» على مشروع قرار يدين الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين. ولكنها صوتت مع قرار القدس (2017) وقرار الحماية (2018) في الجمعية العامة.
تبقى زيارة الهند مهمة وفرصة للاطلاع على عراقة هذا البلد العظيم الذي جمع في طياته كل الأعراق والأديان والملل والألوان واللغات. أليست المحافظة على وحدته بهذا الشكل من المعجزات؟ أليس النظام الديمقراطي، رغم عيوبه، من حافظ على وحدة البلاد، التي لو اختارت الطريقة العربية في الحكم لربما تفتت إلى 30 دولة.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

الهند ومشروع الدولة العظمى: من المبادئ إلى المصالح

د. عبد الحميد صيام

- -

1 COMMENT

  1. فعلا الهند هذه القارة الكبرى سائرة في ان تصبح قوة عظمى على غرار الصين استطاعت رغم تعقيداتها العرقية والإثنية في أن تحتفظ على وحدتها الجغرافية والسياسية من التمزق.
    للإشارة يا دكتور غفلت عن ذكر قادة مسلمين حكموا الهند على يد المغول المؤسسين لدولة إسلامية بالهند منهم أورانغ زيب .يقال أن علي جناح الزعيم الباكستاني الذي كان عضوا بحزب المؤتمر الهندي كان ممن يتزعمون المقاومة ضد الاستعمار الإنجليزي وفضل عليه المستعمر الإنجليزي غاندي بإيمانه بنظرية اللاعنف خوفا من أن تتوحد الهند تحت زعامة علي جناح لمعرفته بالدعم القوي الذي سيتلقاه من المسلمين داخل الهند وخارجها لهذا إلتجأ في الاخير للإنفصال عن الهند رافضا اقتراح غاندي المساهمة في تشكيل حكومة هندية وإنشاء دولة إسلامية والمعروفة حاليا بباكستان.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left