عن قارورة الإسلام وتمثلاتها

يحيى الكبيسي

Sep 07, 2018

أشرنا في مرات عديدة، إلى حقيقة أن لا احد في العراق يحترم الدستور أو يلتزم بالقانون، وان الجميع ينتهكهما بشكل منهجي ومنتظم. وأن الجميع ايضا يستخدمهما أداة سياسية إذا ما توافق مع المصالح والحسابات القائمة. والحقيقة الاخرى انه ليس ثمة جهة تراقب أو تكشف أو تضغط باتجاه احترام مبدأ حكم القانون. وقلنا ايضا إن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فضلا عن المحكمة الاتحادية، قد تواطأت هي ايضا، عن قصد وتصميم، على استمرار هذه الفوضى. وأن بنية المجتمع المدني العراقي وضعفه وتفككه قد أسهم في استفحال هذه الظاهرة، فقد اثبت هذا المجتمع عجزه التام عن مراقبة هذه الانتهاكات وكشفها من جهة، أو الاحتجاج عليها ومقاومتها من جهة أخرى، وكانت التحيزات ذات الطبيعة الطائفية حاسمة في التواطؤ مع هذه الانتهاكات وتسويغها في أحيان كثيرة.
اليوم يتواطأ الجميع على انتهاك الدستور وعلى انتهاك حكم المحكمة الاتحادية ـ البات والملزم للسلطات كافة ـ بشأن الجلسة المفتوحة التي تكررت في اول اجتماع لمجلس النواب الجديد.
في العام 2010، وفي معرض تسويغ الدكتور فؤاد معصوم، رئيس السن لمجلس النواب حينها، لواقعة الجلسة المفتوحة، قال إنها ليست القارورة الاولى التي كسرت في الإسلام. وهذه الكناية، التي تستخدم أحيانا لتوصيف الانتهاكات، الصريحة أو الضمنية، لبعض أحكام الإسلام، تعكس وعي النخبة السياسية العراقية لمبدأ حكم القانون الذي يعد مبدأ أساسيا من مبادئ الدولة الحديثة ومبادئ الديمقراطية.
ولعل مفردة القارورة نفسها تقدم توصيفا فريدا لحقيقة القانون في العراق الحديث، ملكيا وجمهوريا، دكتاتوريا وديمقراطيا مفترضا، كونه هشا وقابلا للكسر أولا، وكونه غير قابل للإصلاح، تماما كما القارورة! ومراجعة سريعة لتاريخ كسر قوارير القانون على مدى ما يقرب من مائة سنة من عمر هذه الدولة، يوضح استمرار انتهاكات القانون في الدولة العراقية عبر تاريخها.
بعد انتخابات مجلس النواب العراقي في العام 2010، سارت ارادة الكتلة الشيعية نحو ضرورة عدم حصول القائمة العراقية، ذات الهوية السنية (حصل الشيعة على 16 مقعدا فقط في القائمة التي حصلت على 91 مقعدا، أي ما نسبته 17.5٪)، على وصف «الكتلة الأكثر عددا» التي ترشح رئيس مجلس الوزراء، المنصب الذي عد منصبا شيعيا حصرا بعد العام 2003 (التشيع هنا بوصفه هوية سياسية وليس انتماء مذهبيا فقط كما هو الحال مع أياد علاوي)! هكذا تعاملت مكونات التحالف الوطني، وضم الكتلتين الشيعيتين دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي (كتلة جمعت المجلس الاعلى والتيار الصدري)، والذي أعلن بعد الانتخابات مباشرة، مع قرار المحكمة الاتحادية المسيس بشأن تفسير الكتلة النيابية الأكثر عددا بكل أريحية، بإعلان نفسها الكتلة الأكثر عددا، ومع ذلك لم تتفق هذه الكتل المنضوية تحت التحالف الوطني فيما بينها على مرشحها لمنصب رئيس مجلس الوزراء، الأمر الذي أجبر الجميع إلى الذهاب إلى جلسة مفتوحة للجلسة الاولى لمجلس النواب التي يشترط الدستور ان ينتخب فيها رئيس المجلس ونائباه !
حينها رفعت بعض منظمات المجتمع المدني طعنا أمام المحكمة الاتحادية، ولكن الأخيرة انتظرت أكثر من شهرين (رفعت الدعوى بتاريخ 16 أغسطس/ آب 2010 ولم تصدر المحكمة الاتحادية قرارها إلا في 24 اكتوبر/ تشرين الأول 2010). ولا يمكن فهم هذا التأخير المتعمد إلا من خلال المنهجية التي تعتمدها المحكمة الاتحادية باستخدام عامل الزمن في سياق تمرير قراراتها المسيسة! فالقرار لم يصدر إلا بعد أن أعلن السيد مقتدى الصدر دعمه المالكي لولاية ثانية، بعد رفض أستمر أشهرا، نتيجة للضغط الايراني (يومها حصل الصدريون على 8 وزارات بمجموع مقاعدهم الـ (39)، في مقابل حصول التحالف الكردستاني على 5 وزارات فقط بمجموع مقاعدهم ال (43)! فضلاً عن إطلاق سراح الآلاف من أعضاء جيش المهدي)، ولم يصدر هذا القرار ايضا الا بعد انشقاق منظمة بدر عن المجلس الأعلى الاسلامي، حين أصر السيد عمار الحكيم على رفض الولاية الثانية للمالكي.
ومع هذا الاتفاق على مرشح التحالف الوطني، لم يستأنف مجلس النواب اجتماعاته ايضا إلا في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، بعد ان حصل اتفاق أربيل وتحققت صفقتا الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة! أي بعد أكثر من اسبوعين من قرار المحكمة الاتحادية البات والملزم للسلطات كافة!
اما عام 2014 فقد كان المشهد مختلفا شكلا، ومتطابقا من حيث المحتوى المتعلق بكسر قارورة القانون! فعلى الرغم من قرار المحكمة الاتحادية بضرورة انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه في الجلسة الاولى «تنفيذا للإلزام المنصوص عليه في المادة 55 من الدستور»، إلا أن رئيس السن اضطر إلى انهاء الجلسة الأولى لمجلس النواب التي عقدت في 1 تموز/يوليو 2014 بطريقة تنتهك أحكام الدستور، وقرار المحكمة الاتحادية معا! يومها كانت الجلسة لا مرفوعة ولا مفتوحة! ثم أعلن موعد ثان لعقدها في الثامن من الشهر نفسه، ومددت إلى يوم 13، واخيرا عقدت الجلسة في 15 تموز/يوليو وتم فيها انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه!
اليوم ايضا، لجأت الطبقة السياسية العراقية إلى قاعدة الجلسة غير المرفوعة وغير المفتوحة! فقد فشل مجلس النواب العراقي الذي اجتمع يوم الاثنين 3 أيلول/سبتمبر 2018 في الالتزام بالنص الدستوري وبقرار المحكمة الاتحادية، وتم تأجيل الجلسة إلى اليوم التالي أولا، وعندما لم يتحقق النصاب، اضطر رئيس السن إلى تأجيل الجلسة إلى 15 أيلول/سبتمبر.
إن التواطؤ على كسر فكرة الدولة، وتكريس انتهاكات الدستور، لا يعكس، في النهاية، سوى عجز الكتل السياسية، حتى اللحظة، عن تقديم نموذج يختلف عن النموذج الذي حكم العراق خلال سنوات ما بعد 2003. وان الخطابات المتعلقة بالإصلاح والتغيير ليست سوى خطابات دعائية من اجل التغطية على صراع الهيمنة والنفوذ، فضلا عن الشخصنة، الذي تتحكم بقواعد اللعبة السياسية في العراق، وبالتالي ليس أمام المواطن العراقي إلا انتظار ما يصيبه من شظايا تكسير قوارير الدولة والقانون معا!

٭ كاتب عراقي

عن قارورة الإسلام وتمثلاتها

يحيى الكبيسي

- -

1 COMMENT

  1. المشكله ليست هي القاروره وانما
    المشكله هي ان العراق عمره وخاصة
    بعد انقلاب ١٤تموز ١٩٥٨ والى اليوم
    لم يشهد مفهوم الدوله الموسساتيه
    لهذا تكسر القوارير بسهوله ،لوكانت
    هنالك دوله بمعنى الكلمة لكانت
    القاروره كالفولاذ.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left