أمي وماجدة الرومي وأنا

عمرو مجدح

Sep 08, 2018

في طفولتي لم أنم وأنا استمع لحكايا، وقصص سندباد وعلاء الدين والمارد، وذات الرداء الاحمر.
فقط نمت لآلاف الليالي على صوت أمي تغني « أنا عم بحلم»، ومازلت أحلم…
لم تكن ماجدة الرومي مجرد مغنية عابرة في بيتنا، وبالرغم من أنها كانت تزاحم فيروز على قلب والدتي التي ظلت مرتبطة بها في ذاكرة جميع الأهل والأصدقاء، وفي أحد الأعياد، وأنا طفل أزور أقاربي أشار أحدهم بيده نحو التلفزيون، وهو يقول جاءت والدتك، وكانت فيروز تحتل الشاشة.
في ذلك الوقت كان انتشار الأغنية اللبنانية في الخليج العربي محدودا وضيقا، بسبب انغلاق هذه المجتمعات على نفسها، لكن هناك أصوات استطاعت أن تخترق هذه البيئة منها صباح وفيروز، وفيما بعد ماجدة التي صادقت أمي صوتها مع « ماحدا بيعبي مطرحك بقلبي «، ونشرت بين المحيطين بها تلك الثقافة، واللهجة اللبنانية الغريبة عنهم.
بالتأكيد لا مجال للمقارنة بين فيروز وأي مغنية أخرى، وإن كانت خارجة من رحم التجربة الرحبانية، لكن كما القمة تتسع لأكثر من شخص كذلك القلوب، وقد تكون ماجدة معبرة أكثر في نساء جيلها مع الأثر الذي تركته أغنيات مثل لأنك عيني، كلمات، والجريدة، وكن صديقي.
في بداية التسعينيات جاءت ماجدة إلى عُمان حاملة جبال وبحر ووجع لبنان الخارج من حرب أهلية، وأنشدت راجع يتعمر لبنان، تلك الأغنية التي شاهدتها مرارا على الشاشة، وحفظتها وهي تعانق الكبير زكي ناصيف، ويأكدان بكل ثقة أن لبنان راجع أخضر اكثر مما كان.
كلمات استغرقت بضع سنين لفهم حكايتها.
مازالت أمي تذكرني يوم حزنت وبكيت وأنا طفل، لأنها لم تصطحبني معها لحضور الحفل، وتعتز بالصورة التي جمعتها بالماجدة، والتي التقطت قبل مغادرتها عُمان بساعات قليلة، وتذكر أنها تفاجأت بشخصيتها الهادئة وطبقة صوتها المنخفضة في الحديث.
كيف لتلك الحنجرة التي تشبه ثورة شعب على المسرح أن تهدئ في الصباح وتبعث السلام؟!.
لم تكن علاقتي بماجدة علاقة طفل بمغنية، بل مع شخص من أفراد العائلة صوت يرافقنا في كل مناسباتنا حتى النوم.
كبرنا وبقيت كل تلك الأغنيات في الذاكرة، وحين أستمع لبعضها أجدني أحفظها بلا وعي، وأكتشف أنها مختبئة في إحدى خانات الذاكرة، وكلما داهمني الحنين خرجت تراقصني..
على الرغم من أنها سيدة الأغنية الفصحى، إلا أنها لم تنفصل يوما عن لبنانيتها، ففي ظل تلك الحرب المجنونة التي شهدها لبنان ظهرت بوجهها الملائكي، وصوتها يعانق كلمات سعيد عقل، وموسيقى الياس الرحباني، في «عم بحلمك يا حلم يا لبنان «1980 البلد الحلم الذي حولته الحرب إلى كابوس، بيروت الأنثى الشقية الساحرة معشوقة الأدباء والفنانين ست الدنيا كما قال الدمشقي العتيق نزار قباني، ولحن ابن النيل جمال سلامة بعبقرية، وأنشدت ماجدة بصوتها الأوبرالي 1991 (يا بيروت / إن الدنيا بعدك ليست تكفينا /الآن عرفنا أن جذورك ضاربة فينا / الآن عرفنا ماذا اقترفت أيدينا).
مازال رواد مواقع التواصل الاجتماعي يتناقلون كلمة السيدة ماجدة الرومي في ذكرى جبران تويني قبل سنوات، والحزن والقهر يسكن حنجرتها لتصرخ بوجع كل مواطن لبناني، وبدون ورق ولا تحضير قالت موجهة كلامها لسياسيين :
(بعد ثلاثين عاما لم يعد يهمني أن أشهد لأي إنسان على الأرض خاصة في السياسة أشهد لربنا، أشهد لهذا الشعب المعذب الشهيد الذي يموت كل يوم ألف ميتة الذي يقع نصفه على الطريق ويواصل طريقه، لهؤلاء أشهد.
وتتابع (أنتم فتتم هذا البلد أنتم تريدونه وطنا على مقاس الطوائف والأحزاب، تريدونه بحجم الكرسي، وهو أكبر بكثير أنتم فرقتمونا وقسمتمونا وشرذمتمونا في قلب البيت الواحد أصبح هناك شهيد لنا وشهيد لهم، أنا هنا لأقول كفي اتركونا نعيش).
كم جميلا لو عشقنا فنانا يختزل بداخله وطنا يزرع في قلوب كل محبيه وردة من بلاده وهكذا هي الماجدة.
تعددت زياراتها إلى السلطنة، وآخرها كان في دار الأوبرا السلطانية في العاصمة مسقط، وقالت فيها عن عُمان وهي تتذكر لبنان : (أنا جاية من قرية لبنانية كانت فيها هذه الوداعة نفسها، وهذا السلام نفسه كان فيها لون العصافير نفسها التي تغني للدنيا كان فيها شمس حلوة وسماء زرقاء، أتألم أين وصلنا بالايقاع المجنون الذي نعيشه الله يسلم هذه الأرض).
ليست مصادفة أن تكون ماجدة الفنانة الوحيدة التي أخاف الإستماع إلى أغانيها الحزينة، ربما هو صوت أمي الساكن في حنجرتها! وأخاف أن أستمع إلى نبرته الحزينة.

كاتب من سلطنة عمان

أمي وماجدة الرومي وأنا

عمرو مجدح

- -

6 تعليقات

  1. صباح الخير اخي العزيز استاذ عمرو مجدح ..
    صباح الخير أصدقائي الكرام ..
    السيدة ماجدة الرومي أبنة الموسيقار حليم الرومي ، وهو من يعود له الفخر في اكتشاف السيدة الاسطورة فيروز ..
    رغم انشغالي لكن قادتني تعايبرك اليها وتوقفت ساعة الزمن في مشواري .. لحظات جميلة عشتها انا مع عُمان ولبنان وماجدة والموسيقى والكلمات التي لاتشبهها كلمات ..
    باعتقادي هكذا يكون التوثيق والتدوين لحالة جميلة ، والسيدة ماجدة الرومي غنية عن التعريف لذلك كانت رحلتك معها انسانية بامتياز عُماني ..
    اشاطرك في متابعة أول ظهور للسيدة ماجدة الرومي من على تلفزيون بغداد بالابيض والاسود ، حيث كنت طفلاً صغيرا ، وظهرت باغنية للفنانة ليلى مراد ( أنا قلبي دليلي ) ولفتت أهتمام الوسط الثقافي والفني في العراق حينذاك ، ولم يتغير شيء في السيدة ماجدة طيلة الاربعين عاماً غير انها اصبحت ايقونة ..
    انصت اليها وهي تغني في الكنائس بصوتها الذي يعانق الغيوم ، وبروح تتعالى الى السماء ، وافهمها حين تخاطب البيت اللبناني بمبادىء الوطنية ،
    اتذكر شاهدتها في حلقة طويلة من برنامج ( أنا والعسل ) مع الاعلامي الشهير نيشان وقد ابدعت كثيرا في الحوار .
    سيدة عالية الثقافة وأنيقة وواعية ، وتعرف طريق النجاح .
    اتمنى للاخ الاستاذ عمرو مجدح مواصلة مشوار الابداع
    تحياتي
    نجم الدراجي . بغداد

  2. ماجدة الرومي فنانة مميزة رائعة لها طابعها الخاص المختلف عن طابع فيروز . لقد استوحيت من أغنية (يابيروت ) لوحة رسمتها قبل عشر سنوات أطلقت عليها ( كبرياء بغداد) كنت ارسمها وأنا أستمع اليها والى قوة صوتها الساحر وكأنها تنادي بغداد بدلا من بيروت و تقول قومي يابغداد قومي ! هذا عندما كانت بغداد تصارع من أجل البقاء .
    شكرا لك استاذ عمرو مجدح ، وكما تفاجأنا دائما ، لقد أحسنت الأختيار !

  3. كتابة جميلة

    أمّا ما قالته الماجدة :

    (أنتم فتتم هذا البلد أنتم تريدونه وطنا على مقاس الطوائف والأحزاب، تريدونه بحجم الكرسي، وهو أكبر بكثير أنتم فرقتمونا وقسمتمونا وشرذمتمونا في قلب البيت الواحد أصبح هناك شهيد لنا وشهيد لهم، أنا هنا لأقول كفي اتركونا نعيش).

    ما أصدقه !

  4. شكراً أخي عمرو مجدع, مقال جميل وكلمات رائعة قالتها هذه الفنانة الكبيرة. ينقصني الكثير من المعرفة عن القنانة ماجدة الرومي, رغم صوتها وفنها الرفيع. للأسف بسسب الحياة هنا في أوربا من سنين طويلة, فقدنا الكثير من التواصل مع الفن والثقافة العربية وأغلب الأحيان أستمع إلى الموسيقا العربية فقط لأن زوجتي تستمع إليها بالهاتف الحديث, لكن لأنها من مواليد مدينة الرقة فهي عادة تستمع إلى الغناء العراقي.

  5. استمعت كثيرا وانا اقرا و تذكرت ايامنا الجميله
    والاغاني الي لا تزال تعانق ذكرتنا اخي العزيز ♥️♥️

Leave a Reply to محمد شهاب أحمد / بريطانيا Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left