حقيقة «اللاقضية» ومأزق الفراغ في الوعي الوطني

بشير عمري

Sep 08, 2018

تعطي القضية «معنى» للوجود الوطني، في مسارات وعيه بالذات وتحولاتها في التاريخ، وكثيرا ما تمعْلَمت قصة هذا الوجود الجمعي بعنوان القضية التي عاشها كل جيل من أجيالها، في سلسلة اندماج جيلي وطني متواصل متفاعل مع تراث سلفه ونشاط خلفه بفكرة المصير عبر مديات الزمن والتاريخ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
وعلى نحو نظري كهذا، هل يمكن تصور مجتمع بلا قضية في مرحلة من مراحله التاريخية؟ وهل اللاقضية هي أزمة في حد ذاتها، أم أنها تعبير من التعبيرات المترابطة والمتداعية عنها؟ ثم ما وزن القضية وحجمها في المفهوم الكبير لمصطلح الأزمة؟
يُنقل عن العالم المستقبلي المغربي الراحل المهدي المنجرة قوله، إن من حسن حظه أنه انتمى لجيل كانت له قضية واضحة وهي تحرير البلاد من ربقة الاستعمار، متسائلا عن قضية الجيل الحالي، أين يمكن أن تكمن؟ وهل يمتلك أصلا قضية يعيش لأجلها؟ إن لم يكن يعيش حالة اللاقضية، وإذا سلمنا بذلك فمعنى هذا أن المجتمع ينعم في اللاأزمة، لكون الأزمة هي التي تلد القضية كنقطة مفصلية جامعة وحاشدة للتفكير والتدبير ومن ثم التحرير.
في خطابنا الفكري والسياسي العربي ثمة بعدان للاشتغال على معطى الأزمة المتعلقة بالمعنى وآليات التفكيك والتفكير، الأول نخبي نظري ضارب في عمقه الأكاديمي في وهم حداثي، ساع لاستيراد معرفة التاريخ الغربي بخيالها ومخيالها، في مقابل وهم سلفي يرنو لاسترداد معرفة تاريخية تراثية متوقفة في أدراج التاريخ بنقلها ومنقولها. أما البعد الثاني مزدوج التركيب بدوره، فهو المتعلق بأدوات السياسة في تفسير الوجود الوطني معنى وتاريخا، تتنازعه إرادة السلطة في مقابل رؤية معارضة، وقد يندمج البعدان في صفين متعارضين ماضيين على خطين متوازيين، بمعنى قد ترتمي نخب استيراد المعرفة وتفسيرها وفق قانون العقل الغربي مع السلطة، أو مع المعارضة في التعامل مع الأزمة وتفسيرها، وقد يفعل الفعل ذاته تيار السلف، ومحاولته لاسترداد التاريخ وإعادة تفعيل التراث.
لكن الواضح هو أن القوة هي التي سبقت المعرفة في عالمنا العربي ما بعد الكولونيالية، وهي التي تفسرها وتديرها وليس العكس، ذلك لأن الوجود العربي الحديث وتشكله على النحو الذي يُرى عليه اليوم، إنما انبثق من إرادة القوة الخارجية، كون جغرافيتنا السياسية أعيد تشكيلها وفق منظور وإرادة استعمارية، فرضت حالة استنفار وقتال لاستعادة الحرية، فاستدامت القوة التحرُرية أو التحريرية للأرض، وطالت لتحتكر العقل وتغدو نشازا في منطق مسيرة التاريخ، أي أنها لبست حلة الديمومة، في حين أن أصلها طارئ، وباتت غاية في وقت كانت فيه وسيلة، لنجد أنفسنا وسط دولة الأزمة، التي لا تكاد تنتهي تولدت عن أزمة دولة في التأسيس والانبثاق واقعا وخيالا ووعيا!
فقضية التحرر من الآخر بكل ما تحمله «الأخروية» من أبعاد، لم تكن تحتاج وعيا حادا يستقيم فيه الصف على نحو من الأنحاء، داخل أنساق مفهومية أو أيديولوجية بذاتها عموديا أو أفقيا، أو حتى دائريا، وهو ما سهل مثلا في الجزائر انبثاق مشروع ظرفي آني للتحرير الوطني، عبر أداة القوة من خلال اندماج وحدوي في حزب واحد وجيش واحد، عكس مستوى تطور النضال في الحركة الوطنية التي كان عمرها قد شارف إذ ذاك على النصف قرن.
بيد أن استلام المبادرة من السياسي على حساب النخبي، ثم استلامها من العسكري على حساب السياسي أضاع حلم التحول من القضية الظرفية إلى اللاقضية، أي من مخرجات المشروع الوطني المفترض أن يكون ضم كل المكونات إلى البرنامج الخاص لشخص أو حزب بذاته، وبذلك استدامت أزمة البلاد لاستدامة الحلحلة السياسية في بؤرتها الرئيسة وهي السلطة، بحسبان هذه الأخيرة قاهرة المعرفة الحرة ومانعتها من تشكيل المجتمع، وفق شرطيات الراهن في أبعاده الذاتية والعالمية. فالإخفاق هو إذن في عملية الاندراج العفوي في مساقات التاريخ وتطوره، وهذا عبر التحول الموضوعي غير الانشطاري من فكر الحركة الوطنية إلى منطق المشروع الوطني، مع عدم ضرب صفح عن أي منهما باعتبارهما ركيزتان أساسيتان في تحديد الهوية وتحديد الآفاق، من أجل تحقيق حلم الانتقال الوطني الذي لا يقصي ميراث الحركة الوطني، باعتباره مفسر لحظة انبثاق الذات الوطنية سياسيا ومجتمعيا وثقافيا، ولا يطغى على المشروع الوطني المتطلع للآفاق المستقبلية.
في حين الذي حصل هو أنه استحال تجسيد المشروع الوطني بسبب تواصل احتكار أداة القوة (سلطة + عسكر + نخب سلفية وحداثية) للحاضر تفسيرا وتنفيذا بإرادة مناطحة للتاريخ ومناكفة دوما للعقل. مثلما استحال أيضا فهم مسارات وعي تشكل الذات وانوجاد الحركة الوطنية في التاريخ، لاحتكار أداة القوة تلك، للماضي أيضا تفسيرا وتزويرا باستعمال أداة الوعي الزائف، أي خطاب نخب «هضمية» تبيع المعرفة والضمير نظير دنانير ودراهم معدودة.
من هنا نخلص إلى أنه لا مكان اللاقضية في مجتمع عربي لا يزال يعيش غربة التاريخ الكبرى، وينطحن في أزمات تحول المفاهيم فيه بشكل متسارع، حتى بلغ فيها أزمة نهاية التاريخ ذاته، كما أشار إليه فوكوياما، بل قضية الجيل الحاضر هي أعقد وأعقل ما تكون عنها من الجيل الأول المحرر للبلاد من الاستعمار، وهي التحرر من الكثير من أدوات الفكر التحرري الأول التي صارت عبئا خطابيا ورؤيويا يحول دون القفز بالوعي الوطني إلى فسيح القضايا الكونية الكبرى، التي تتيح للإنسان الارتقاء بذاته ومعنى وجوده خلف مسارب وحجج وأحاجي الماضي التي يتاجر بها اليوم السلطوي والعسكري والسياسي، وبها أيضا يقيم كيانه الطاغي على مصير الفرد العربي وحقه في العيش الكريم، وفق مستويات التطور الذي تعرفه إنسانيات المعرفة كالاجتماع، السياسة، الاقتصاد والقانون، إذ لا يزال وعي الإنسان العربي مربوطا بالحالة الوطنية الأولى ذات القضية التحررية من قبضة الآخر، وهو ما يستدعي التحول في الوعي نحو قضية التحرر من قبضة الذات المصطنعة والانطلاق في التاريخ وتبديد ما يشاع من جل اللاقضية.
كاتب جزائري

حقيقة «اللاقضية» ومأزق الفراغ في الوعي الوطني

بشير عمري

- -

1 COMMENT

  1. عنوان (حقيقة «اللاقضية» ومأزق الفراغ في الوعي الوطني) رائع وزوايا تحليل يا بشير عمري أروع رغم اختلافي معك 180 درجة تماما، لماذا؟ وأهم شيء معرفة لماذا أنا أختلف مع فلسفة طريقتك في التفكير، والتي تمثل خلاصة نتاج مناهج التعليم والتدريب والتأهيل الوظيفي في دولة الحداثة، افتراض عدم وجود قضية، وعي، معنى للمعاني، هناك فراغ للكلمات والتعابير والجمل، في معجم أو قاموس أي إنسان في أي دولة، غير منطقي وغير موضوعي، وليس له علاقة بلغة الواقع في أي مجتمع قام بتدوين قواميس لغته ونشرها في كتب، بداية من عصر التدوين بواسطة الرسوم أو اللغة المسمارية (السومرية) أو قانون الدولة (مسلّة حمورابي)، وأخيرا جمع عدة قراءات أو ألسنة لتدوينها بلغة عبقرية كون تصميم تدوينها لتكون تُنطق مثلما تُكتب (لغة القرآن). ولذلك من المفروض التعامل مع معنى المعاني في لغة القرآن بطريقة مختلفة مع معنى المعاني في قواميس اللغات الإنسانية، الإشكالية تبدأ عندما أنت لا تؤمن بوجود خالق لهذا الكون، فمن يطرح سؤال البيضة أول أم الدجاجة؟ يعمل على تضييع الطاسة، أي عدم الإعتراف بوجود خالق، في لغة القرآن تحدد إنك لا يمكنك أن تهدي من أحببت لأي شيء، فغرض أي حوار يجب أن لا يكون من أجل الهداية، بل من أجل إيجاد وسيلة التعايش والتكامل للتجارة ما بين ثقافة الأنا المؤمن، وثقافة الآخر الملحد، لتكوين ثقافة النحن كأسرة إنسانية، وهذا هو مختصر مفهوم العولمة والإقتصاد الإلكتروني. ولكن الإشكالية في عقلية التأويل غير اللغوي من أجل تضييع الطاسة بدل إيجاد حلول، بينما تلاحظ أهل الحكمة (تجار السوق) طريقة تفكيرهم تختلف عن أهل الفلسفة، ستجده يفكر كيف يستفيد من هذا الوضع، لإنتاج منتج ذو عائد اقتصادي، يعمل على اصلاح، خطأ ما شاهده في النظام البيروقراطي (الديمقراطي/الديكتاتوري) من وجهة نظره بالتأكيد. وهذا ما نحاول الوصول له، في مشروع صالح التايواني، لتغيير العقول من ثقافة الأنا الساخرة والمستهترة للضحك والاستهزاء بالجميع، إلى ثقافة النحن كأسرة إنسانية وليست حيوانية أو آلات/عالات بلا أي مشاعر أو احساس كالروبوت. لا مكان الآن لعقلية المال أولا كما هي عقلية دلوعة أمه (دونالد ترامب)، بل يجب أن يكون الإنسان وأسرته والإقتصاد أولا، يجب تطوير مفهوم الحكومة الإليكترونية التي تجعل هم الحكومة إيجاد وظيفة آلة/عالة (الروبوت) أولا، حتى لا يفلس نظام الضرائب والجمارك.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left