عن شكلانية الديمقراطية الراسخة في هشاشتها

مالك التريكي

Sep 08, 2018

من حميد عادات الصحف والمجلات العريقة أنها تعقد ندوات سنوية تدعو لها الشخصيات المعروفة من أهل الثقافة والسياسة للتحاور، أمام الجمهور، حول مختلف شؤون الساعة وقضايا العصر. في هذا السياق نشرت مجلة نيويوركر برنامج ندوتها التي ستعقد الشهر المقبل، وكان من اللافت أن قائمة الضيوف تضم ستيف بانون، المنظّر اليميني العنصري الذي أبلى في حملة ترامب، ثم عمل في إدارته، وكان يبارك له سقيم نظره ويزيّن له سوء عمله. إلا أن محرر نيويوركر ديفيد رمنيك سرعان ما أعلن إلغاء الدعوة الموجهة لبانون بعد أن أنذر عدد من الضيوف أنهم لن يقبلوا مجالسته، ناهيك عن مناظرته. في المقابل، أعلنت الاكونومست أن بانون سوف يظل على قائمة الضيوف في ندوتها التي تعقد منتصف هذا الشهر. وردّت محررة الاكونومست زنّي منتون بدوس على الانتقادات قائلة «إننا لن نتمكن من ضمان مستقبل المجتمعات المنفتحة بجعل الحديث منحصرا بين أشخاص يرجع بعضهم صدى بعض من شدة التشابه في الرأي، وإنما يكون ضمان المستقبل بوضع شتى الأفكار والأشخاص على محك المساءلة الصارمة والنقاش الحر».
يثير هذا الاختلاف في الموقف بين المجلتين سؤالا يقع في القلب من إشكاليات المجتمعات المعاصرة: هل إن الحوار ممكن مع الأطراف الإقصائية الرافضة لأطراف أخرى في المجتمع؟ هل الحوار ممكن مع الدواعش الذين يعتبرون أن معظم المسلمين، ناهيك عن سواهم، كفار يستحقون القتل؟ وهل الحوار ممكن مع قوى الفاشية الجديدة التي تريد طرد جميع الأجانب من أوروبا وأمريكا؟ وهل الحوار ممكن مع اليمين العنصري البريطاني الذي يعتبر أن الأجانب، بدءا بالأوروبيين الشرقيين، هم الشر بعينه؟ هل النقاش أو الحوار مع هؤلاء ممكن؟ وإذا كان ممكنا، فهل فيه فائدة ترجى؟
لهذا السؤال جواب معروف يتمثل في قولة سان ـ جوست الشهيرة إبان الثورة الفرنسية: «لا حرية لأعداء الحرية». وترجمتها اليوم أن الأطراف التي تستغل أجواء الحرية في المجتمع الديمقراطي الليبرالي بغرض تقويضه وتعويضه بمجتمع مسلوب الإرادة هي أطراف لا تستحق هذه الحرية من الأساس لأنها ليست طرفا في العقد الاجتماعي المؤسس لها. أما الجواب الأقرب عهدا فهو ذلك الذي أتى في كتاب بوب وودورد الجديد على لسان رئيس الموظفين في البيت الأبيض جون كلي. فقد قال عن ترامب: «إنه أحمق. فعبثا يحاول المرء إقناعه بأي شىء». ويتضح الجواب أكثر في ضوء قول وزير الدفاع جيمس ماتيس: «إن الرئيس يتصرف كما لو أنه تلميذ في الخامسة أو السادسة من التعليم الابتدائي، بل الحق أن إدراكه لا يتجاوز هذا المستوى».
إذن هل النقاش أو الحوار ممكن، وإن كان ممكنا فهل فيه فائدة ترجى، إذا كان الطرف المقابل محدود الإدراك، أو إذا كان عنصريا لا يؤمن بالمساواة بين الناس، ولا يفهم أنهم أفراد وذوات، بل يتوهم أنهم مجرد أعضاء، بل سجناء، داخل مجموعات عرقية أو دينية تتقاسم خصائص (عادة ما تكون رذائل: كالغباء، والكسل، والخبث، والجشع…) لا سبيل للفكاك منها لأنها من حتم الطبيعة؟
وهل يمكن لرجل دولة أوروبي من طراز تشرشل أو ديغول أو ميتران، أو أمريكي من طراز روزفلت أو أيزنهاور بل حتى نيكسون وكارتر وكلينتون، أن يتناقشوا مع ترامب ويقنعوه بأي شيء؟ أليست حالة هذا الرجل، الذي سبق أن لقبناه بأبي جهل الأمريكي، هي أسطع حالة تطبيقية معاصرة لحكمة الإمام علي عن سهولة مناظرة العاقل واستحالة مناظرة الجاهل؟ سيقول حماة الديمقراطية الشكلانية: دعوا الرجل وشأنه، إنه منتخب بالاقتراع الحر وإن مؤيديه لا يقلّون عن ستين مليون أمريكي.
وهذا بالطبع صحيح، ولكنه لا يغني شيئا. بل إنه يفتح على إشكالية كبرى عبّر عنها توكفيل عندما كتب، منتصف القرن 19، في “الديمقراطية في أمريكا” بأن الحكم الديمقراطي صار مدّا تاريخيا لا رادّ له، ولكن يبقى السؤال: هل ستفضي الديمقراطية إلى الحرية أم الاستبداد؟ أما أفلاطون فقد كان أول المشككين في الحكمة أو الفائدة من الحكم الديمقراطي. لماذا؟ لأن الديمقراطية تظل وليدة لتقلبات الرأي العام، بينما يظل الرأي العام فريسة لألاعيب السفسطائيين، أي خبراء التضليل والبروباغندا و«ما بعد الحقيقة». وكفى بملحمتي ترامب في أمريكا والبركسيت في بريطانيا دليلا.

٭ كاتب تونسي

عن شكلانية الديمقراطية الراسخة في هشاشتها

مالك التريكي

- -

1 COMMENT

  1. من المفروض التعامل مع معنى المعاني في لغة القرآن بطريقة مختلفة مع معنى المعاني في قواميس اللغات الإنسانية، الإشكالية تبدأ عندما أنت لا تؤمن بوجود خالق لهذا الكون، فمن يطرح سؤال البيضة أول أم الدجاجة؟ يعمل على تضييع الطاسة، أي عدم الإعتراف بوجود خالق، في لغة القرآن تحدد إنك لا يمكنك أن تهدي من أحببت لأي شيء، فغرض أي حوار يجب أن لا يكون من أجل الهداية، بل من أجل إيجاد وسيلة التعايش والتكامل للتجارة ما بين ثقافة الأنا المؤمن وثقافة الآخر الملحد لتكوين ثقافة النحن كأسرة إنسانية وهذا هو مختصر مفهوم العولمة والإقتصاد الإلكتروني.
    ومن هذه الزاوية أشكر كاتب المقالة (عن شكلانية الديمقراطية الراسخة في هشاشتها) لأن مالك التريكي وضّح بمقاله كيف يتم تضييع الطاسة بدل إيجاد حلول، بينما تلاحظ أهل الحكمة (تجار السوق) طريقة تفكيرهم تختلف عن أهل الفلسفة، ستجده يفكر كيف يستفيد من هذا الوضع، لإنتاج منتج ذو عائد اقتصادي، يعمل على اصلاح، خطأ ما شاهده في النظام البيروقراطي (الديمقراطي/الديكتاتوري) من وجهة نظره بالتأكيد.
    وهذا ما نحاول الوصول له، في مشروع صالح التايواني، لتغيير العقول من ثقافة الأنا الساخرة والمستهترة للضحك والاستهزاء بالجميع، إلى ثقافة النحن كأسرة إنسانية وليست حيوانية أو آلات/عالات بلا أي مشاعر أو احساس كالروبوت.
    لا مكان الآن لعقلية المال أولا كما هي عقلية دلوعة أمه (دونالد ترامب)، بل يجب أن يكون الإنسان وأسرته والإقتصاد أولا، يجب تطوير مفهوم الحكومة الإليكترونية التي تجعل هم الحكومة إيجاد وظيفة الآلة (الروبوت) أولا، حتى لا يفلس النظام الذي ميزانيته تعتمد على الضريبة والرسوم والجمارك، ببساطة لأن الروبوت لن يدفع شيء. ولذلك يجب تطوير مناهج التعليم والتدريب والإدارة لكي تنتج موظف أكثر كفاءة من الآلة حتى لا تضطر الدولة تعيين الآلة محله لتقديم خدماتها للإنسان والأسرة، حتى لا يهاجر الإنسان لدولة أخرى تقدم خدمات أفضل بتسعيرة رسوم وضرائب وجمارك أقل من دولته الأصلية، فبين أهل ما بين دجلة والنيل عبارة استنكارية (قابل أنا هندي؟!) لكي تضحك علي بفذلكات لألفاظ لغوية تمثل فلسفة أن الأرباب (جمع رب أو نخب تملك سلطة) يجب أن يكون معصوم من الخطأ، ففي لغة الإسلام، لا وجود للرهبنة والراهبات كما هو حال الثقافة الهندية/الفارسية/الأوربية، فمفهوم الحكومة والمواطن الصالح في أمريكا يختلف عن أوربا.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left