الأجناس الأدبية والحرية الإبداعية

[1]

في كتاب «نظرية الأدب» لرينيه ولك وأوستن وارين ثوابتُ عامة متصلة بعلم أجناس السرد، من حيث هي بناء حكائي يجعل من رؤية العالم دمغتها الأساسية. وفي هذا الصدد، لا تقوم قائمة الجنس الأدبي من دون تلك الخصوصية الفنية، التي تُعتبر متعة جمالية وذوقية يجلل بها المبدعُ عمله الإبداعي.
غير أن الإشكال الذي تطرحه نظرية الأجناس الأدبية، بغض النظر عن دورها التصنيفي المميز، فهي تقتفي أثر التطور والإبدال، اللذين يطرآن على الذوق العام، وتتبع العوامل الموضوعية، التي توحي إلى الأديب وإلى بيئته. صحيح أن أفلاطون، في جمهوريته ميز في تصنيفه الشهير بين السرد والحوار، فضلا عن أرسطو، باعتباره المنظر الأول للأجناس الأدبية، في كتابه «فن الشعر»، الذي قسم الأدبَ إلى ثلاثة أضرب وهي: الأدب الغنائي والملحمي والدرامي. وعلى الرغم من هذا الاهتمام القديم بالتجنيس الأدبي، إلا أنه ظل من أعوص القضايا، التي واجهها المفكرون والمهتمون بالشأن الأدبي.
وتبعا لذلك، خضعت نظرية الأجناس لعلم التشريح مع المدارس الحديثة، التي ظهرت في أوروبا منتصف القرن الماضي. خصوصا مع تزيفتان تودروف في قاموسه الذائع الصيت، حيث شرعن التلاقح والمرور السلس بين مختلف الأجناس المكونة لنظرية الأدب، مسديا خدمة جليلة للرومانسيين الجدد خاصة، والمهتمين بالثقافة الإنسانية عامة.
إلى جانب آخر، فالتطور أو الإبدال التاريخي للجنس الأدبي لابد أن يتبلور من داخل النظريات المعرفية والمنهجية، التي تم التوصل إليها، لاسيما وأن المعارف النظرية مشتل خصب لظهور النوع والجنس في الأدب، غير أن التخصص الظاهر في تناول الظواهر الأدبية يقتضي التبويب والتفييء، بحسب الخصوصية والنوعية، ولهذا السبب ثارت ثائرة موريس بلانشو على مفهوم الجنس الأدبي، الذي يعود الفضل فيه للعالم الروسي فلاديمير بروب في «مورفولوجية الحكاية». بدعوى أن الأدب جوهره الإنسان، يسمو نحو الكمال الروحي على مستوى الخطاب، فلا حديث، إذن، حسب بلانشو، عن الصفاء والنقاء الخاص في الأجناس الأدبية، لاسيما وأن النص الأدبي حمال نصوص مهاجرة بوعي أو بدون وعي، تخترق أسجاف النصوص الإبداعية.
وتبعا لذلك، كان البنيويون، وعلى رأسهم رولان بارث، ينتصرون إلى فتح الحدود بين الأجناس الأدبية، والتعامل مع النص كبنية موحدة الأجزاء، بعيدة ـ أي البنية ـ عن كل المؤثرات خارج النصية. علاوة على ذلك، فالمتحكم الأول في بناء النص الأدبي وامتداداته المعرفية يُستمد من المكونات البلاغية؛ من استعارة ومجاز وكناية وتناص واقتباس… وهذا ما أعلنت عنه البنيوية بخصوص موت المؤلف، مادام النص يُنظر إليه من الداخل، بحسب مكوناته اللغوية والبلاغية.
إن المسعى الذي ترنو إليه مذاهبُ وتيارات فكرية ما بعد البنيوية، هو معانقة حلم الحرية، بما هي تراصف الإبداع في مده وجزره. وأحد المعاني التي تساكنه كالظل الحرون، خصوصا أن العالم، إبان الحرب الكونية الثانية، عانى من ويلات ديكتاتوريات حكمت شعوبها بالحديد والنار. فالحرية الإبداعية مطمحٌ كبيرٌ في الكتابات المعاصرة، متجاوزة التصنيف الأجناسي، فهي تخترق كل الحدود والحواجز، كي يكون الإبداع معبرا عن الإحساس الصادق والشعور المتفاعل. فما كان للتنوع والاختلاف إلا أن يجتاح الساحة الأدبية الغربية والعربية على حد سواء؛ فظهرت في أعقاب هذا الانفتاح الجارف، أنواعٌ مختلفة من قصائدَ ومسرحيات وروايات على اختلاف ألوانها وتباين توجهاتها. وما نلاحظه، اليوم، من اختلاف وتنوع على مستوى بناء القصائد، مثلا، من: الشذرية والنثرية والومضية والحوارية والدرامية، ما هو إلا انصهار الشعر والحوار والدراما والفلسفة والصوفية تحت عريش واحد. ولهذا السبب تم نسف مفهوم الجنس الأدبي، وخلخلة ثوابته وزعزعة معاييره.
من جانب آخر، فديوانُ العرب الجديد؛ الرواية، هي أكثر الأجناس تحطيما للنوع الأدبي، حيث ينصهر فيها الشعر والنثر والأحدوثة والقصة والحوار والتمثيل والتشكيل والسينما؛ عالم كبير تجره الرواية ُوراءها. وتبعا لذلك، ومن حيث البناء الروائي، نجد تداخلا في مستوياتها وأحيازها وضمير شخوصها؛ بالإضافة إلى تعاليها عن الزمن في علاقته بمنطق السرد. فلا الشيخوخة شيخوخة ولا الشباب شبابٌ ولا الطفولة طفولة يغيب فيها المنطق، ويحضر فيها التماهي. إن الرواية تحطيمٌ وانزياحٌ وبناءٌ بعد هدم. ونتيجة لذلك، كانت قبلة للعديد من الأدباء، هجروا مواطنهم التي ضاقت فيها أحياز إبداعهم؛ غوايتـُها متنفس للحرية، وبسط لدفقات الشعور والإحساس الفياض بدون ضفاف وبدون حواجز. وفي هذا المسعى انتقلت الرواية إلى أحضان عالم الفن السابع بضفافه الأثيلة السابغة، التي لا تغرب فيها شموس الأصائل، علاوة على انخراطها في وطيس الأسئلة الحارقة والحمئة في السياسة والمجتمع.
من هذا المنطلق، اجتاحت الرواية عالم السينما، بل إن اختيار الأفلام الناجحة في هوليوود كان على أساس فن الرواية. ومنها، ظل الأدب الكلاسيكي القديم منبعَ الإلهام إلى حد الإعجاب والافتنان من طرف المخرجين السينمائيين الحداثيين، لأنهم وقفوا على مدى تأثيره المباشر في حياة الإنسان المعاصر. وفي هذا المسعى، نجد الإخراج السينمائي الجديد، الذي قام به المخرج العالمي توم هو بارد لرواية «البؤساء» لفيكتور هوغو؛ أكبر دليل على حرية الانتقال بين مكونات الأدب في العلوم الإنسانية. كما أن الإخراج الأبراتي، للمخرج الإنكليزي المتميز جورايت، الذي صهر فيه الرقص بالغناء والمسرح والموسيقى، لرواية «آنا كارنينا» للكاتب العالمي الروسي ليو تولستوي؛ مطمح كبير نحو معانقة هذا التلاقح والتواشج الواصل بين الرواية والسينما.
أما في العالم العربي فتسنم نجيب محفوظ قـُنة هذا التوجه الجديد، حيث كان جسرُ العبور، في مجموعة من أعماله القصصية والروائية، آمنا بين الرواية والمسرح والسينما، خصوصا في: «أولاد حارتنا» و«اللص والكلاب» و«السمان والخريف» و«ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار». إن الفن السابع، في هذا المقام، هو الدوحة التي ألفت بين نجيب محفوظ وبعض المخرجين المصريين وعلى رأسهم: صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وحسن الإمام، خاصة أن الكتابة الدرامية في روايات محفوظ جعلت من شوارع القاهرة وأزقة الإسكندرية الحارة المصرية ؛ التي أغوت السينمائيين المصريين. فضلا عن ارتباط نجيب محفوظ بالمقهى في جل إبداعاته، حيث إن أغلب شخوصه يجعلون منها المكان المميز. انطلاقا من مقهى الفيشاوي في خان الخليلي، إلى كازينو قصر النيل؛ مسار تصويري يمهد العبور ورحلة المغامرة من الرواية إلى السينما.
ونتيجة ما سبق، تظل الأجناس الأدبية ـ على الرغم من كبحها لحرية العبور الإبداعي في نظر بعض التيارات الفكرية ـ ذات قيمة في نظر بعض النقاد المعاصرين، خصوصا من أولئك الذين يقدسون البناء التاريخي للمعرفة. وبهدف التقسيم الأجناسي للإبداع ارتأت بعض الاجتهادات المعرفية للنقاد إلى سن قوانين، من الواجب أن يتوفر عليها الإبداع، كقانون المماثلة والتواتر وغيرها… واعتبروها، في ظل ذلك، سفرا نحو التصنيف والتبويب.
وفي هذا تظل البنيوية التيار الفكري الأكثر تجسيدا للحرية الإبداعية، لاسيما وأنها تنظر إلى الابداع من الداخل، بعيدة عن أن تكون حواجز وتصنيفات وقوانين؛ لأن الحرية هي الإبداع.

٭ كاتب من المغرب

الأجناس الأدبية والحرية الإبداعية

رشيد سكري