لماذا كرر الثوار العرب الخطيئة الأفغانية؟

د. فيصل القاسم

Sep 08, 2018

بعد أيام على انطلاق الربيع العربي في عدد من الدول العربية قبل أكثر من سبع سنوات، كتبت مقالاً حذرت فيه من تكرار المثال الأفغاني والصومالي، ووضعت أمام المنتفضين الخطايا التي وقع فيها الأفغان والصوماليون في انتفاضاتهم على الطغاة. وسأعيد الآن نشر المقال حرفياً ليس لأنني توقعت النتيجة الحاصلة في الكثير من بلاد الثورات الآن، بل لنتساءل: لماذا لا يتعلم العرب من التاريخ؟ لماذا يكررون الأخطاء نفسها مع أنها مازالت حية في الذاكرة؟ إلى نص المقال:
«لا شك أن التخلص من الطواغيت العرب وأنظمتهم العفنة والحقيرة هدف عظيم للغاية. ولتعش الأيادي التي ساهمت وتساهم في دق المسمار الأخير في نعوشهم. لكن هناك هدفا آخر لا يقل أهمية وخطورة عن الهدف الأول، ألا وهو قيادة المرحلة التالية بعد سقوط الطغاة. فقد قدم لنا التاريخ أمثلة مرعبة يجب على الثوار العرب أجمعين التعلم منها وتجنبها وهم في بداية النتفاضاتهم بكل ما أوتوا من قوة وعقل كي لا يتحول الانتصار على الطغيان وبالاً على الشعوب.
لقد نجح المجاهدون الأفغان في يوم من الأيام في التخلص من نظام نجيب الله المرتزق الذي كان مجرد ألعوبة في أيدي السوفيات الأوغاد. لا بل تمكن المجاهدون أيضاً من كنس الاحتلال السوفياتي الغاشم نفسه إلى جهنم وبئس المصير. لكن الانتصار الأفغاني على السوفيات وأزلامهم لم يأت لأفغانستان بالمن والسلوى ولا بالتحرير الحقيقي. فما إن انتهى المجاهدون الأفغان من مهمة تنظيف البلاد من الاحتلال الداخلي والخارجي حتى راحوا يتقاتلون فيما بينهم على الغنائم.
لا شك أن الكثير منا يتذكر ما حل بأفغانستان بعد انتصار المجاهدين، فقد تحولت البلاد إلى ساحة حرب من أقصاها إلى أقصاها بين المجاهدين أنفسهم، مما أدى إلى الإمعان في تمزيق البلاد وزعزعة استقرارها وإفقارها وتحويل شعبها إلى لاجئين وجائعين.
فبدلاً من التكاتف للملمة جراح أفغانستان الغائرة وتوحيد الصفوف راح المجاهدون يذبحون بعضهم البعض من أجل الاستيلاء على السلطة، وكأنهم جاهدوا ليس لتحرير الوطن من ربقة المحتلين وأزلامهم، بل من أجل أن يحلوا محلهم في الجثم على صدور البلاد والعباد.
ومن كثرة ما عانى الأفغان من اقتتال المجاهدين فيما بينهم لم يكن لديهم أي مانع بعد طول عناء من القبول بديكتاتورية جديدة أشد وأنكى من ديكتاتورية الشيوعيين وأزلامهم، ألا وهي ديكتاتورية طالبان التي تمكنت من الانتصار على المجاهدين والفوز بحكم البلاد.
قد يجادل البعض بأن حركة طالبان كانت في وقتها أفضل حل لبلد أنهكته الحرب الأهلية. وربما يكونون على حق. لكن الشعب الأفغاني لم يقدم كل تلك التضحيات وقتها كي ينتقل من حضن الديكتاتورية الشيوعية إلى حضن ديكتاتورية دينية خانقة. ولو لم يتقاتل المجاهدون فيما بينهم لما أوصلوا السلطة إلى أيدي طالبان، ولما جعلوا أفغانستان مرتعاً للقاصي والداني كي يتدخل في شؤونها ويستغل معاناة أهلها. لا شك أننا نتذكر كيف أصبحت أفغانستان لاحقاً ساحة للاستخبارات الإقليمية والدولية والقوى المتصارعة على ذلك الجزء الحيوي جداً من العالم.
ولا ننسى الدرس الصومالي البشع، صحيح أن الشعب الصومالي استطاع التخلص من الطاغية سيئ الصيت محمد سياد بري، لكنه فشل بسبب احترابه الداخلي ونزاعه الدموي على السلطة فيما بعد في بناء صومال جديد أفضل من ذلك الذي كان يرزح تحت ربقة الطاغوت سياد بري.
ولو قارنا وضع الصومال في عهد الطاغية القديم بوضع البلاد بعده لرأينا حجم الدمار والانهيار اللذين حلا بالبلاد على مدى السنين الماضية. فقد أصبح الصومال مضرباً للأمثال في التشرذم والفشل والتفكك.
فبدل أن يبني الصوماليون دولة ديموقراطية حديثة بعد التخلص من بري أنتجوا دولة فاشلة بامتياز، لتصبح البلاد مرتعاً ليس فقط للعصابات المحلية المتقاتلة بل أيضاً للطامعين والعابثين بأمن واستقرار البلاد من خارج الحدود. ولا ننسى أن الفراغ السياسي يغري الخارج بالتدخل دائماً، لا سيما وأن الطبيعة نفسها لا تسمح بالفراغ.
ومما يجعل الكثير من بلادنا العربية الثائرة عرضة للأفغنة والصوملة أن حكامها «الأشاوس» لم يبنوا على مدى عقود دولاً حقيقية متماسكة، بل حولوها إلى مجرد تجمعات مفككة للملل والنحل والطوائف والأفخاذ والقبائل والعشائر التي لا تأمن جانب بعضها البعض. لقد حاول الطواغيت العرب ضرب مكونات البلاد ببعضها البعض على المبدأ الاستعماري الحقير: «فرّق تسد». فتلك هي الوسيلة الأفضل للطغاة العرب للسيطرة على الشعوب والتحكم برقابها.
بعبارة أخرى، ليس لدينا دول وطنية حقيقية في البلدان الثائرة بسبب غياب مبدأ المواطنة. وبالتالي، فإن بلداننا مرشحة للسقوط بسهولة في المستنقع الصومالي والأفغاني واليوغسلافي إذا ما سار الثوار العرب على النهج الأفغاني بعد سقوط الأنظمة الحالية.
وتلك ستكون أكبر هدية يقدمها الثوار للمستبدين الساقطين الذين سيكونون في غاية السعادة لتشرذم البلاد والعباد بعد سقوطهم. ولا ننسى أن الطواغيت العرب لا مانع لديهم أبداً، عندما يجدون أنفسهم محصورين في الزاوية، في تحويل بلدانهم إلى دويلات متناحرة، أو حتى الانفصال عن البلد الأم وتشكيل كيانات قبلية أو طائفية هزيلة.
لقد علمنا التاريخ أن الطغاة ربما يستطيعون بناء دول بالحديد والنار لفترة ما، كما فعل الرئيس اليوغسلافي السابق جوزيف بروس تيتو، لكن ما إن يرحل الديكتاتور أو يسقط حتى تعود البلاد إلى مكوناتها الأساسية.
وقد شاهدنا كيف تشرذم الاتحاد السوفياتي رغم قوته الجبارة، وكيف تفككت يوغسلافيا بعد تيتو إلى كيانات ودويلات متناحرة. ورأينا أيضاً كم كان سهلاً تفتيت العراق بعد رحيل الديكتاتورية. وما حل بالعراق وبيوغسلافيا ممكن أن يحل ببعض البلدان العربية ذات التنوع العرقي والطائفي والديني. لهذا على الثوار العرب أن يعملوا جاهدين على رص الصفوف بعد سقوط الطواغيت للحفاظ على النسيج الوطني وحماية الوحدات الوطنية المنهكة. بعبارة أخرى، عليهم أن يعوا الدرس الأفغاني واليوغسلافي والصومالي والسوفياتي والعراقي جيداً كي لا يقعوا في الحفرة نفسها.
ويجب على الثوار العرب أن لا ينسوا أيضاً أن هناك الكثير من القوى الإقليمية الطامعة بالمواقع الإستراتيجية للبلدان الثائرة، وهي مستعدة في أسرع وقت لمناصرة جماعة ضد أخرى لتتحول بلداننا إلى ساحات صراع كبرى تكون فيها الشعوب أكبر الخاسرين. فلا ننسى التنافس التركي والإيراني والإسرائيلي والأمريكي بطبيعة الحال على المنطقة.
وبالتالي، فإن منع التناحر بين الجماعات والمعارضات الثائرة والحيلولة دون الصراع على السلطة بعد نفوق الأنظمة الحالية أمر في غاية الأهمية كي لا نقول إننا استبدلنا قواداً بديُّوث».

٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

لماذا كرر الثوار العرب الخطيئة الأفغانية؟

د. فيصل القاسم

- -

16 تعليقات

  1. السوريون جربوا الإستعمار وأذنابه وجربوا العسكر الطائفي! أي لم تترسخ الديموقراطية ببلادهم بعد!! الصبر جميل والله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. ” الثوار العرب ” لم يجلبوا لدولهم وشعوبهم إلا الخراب والدمار

    • اخ فوزي..و دكتانورية العسكر و المخابرات حطمت بلدك الجميل الجزائر …و حولته الى مرتع الكوليرا، الكوكايين.. و الأمراض الاجتماعية الخطيرة…
      اليس هذا اشد مم اي انحطاط؟؟؟

  3. دكتور فيصل المحترم :
    نظرية المؤامرة حقيقية ، والثورات عندما قامت على نظم الاستبداد كانت عفوية وبقصد التخلص من هذه النظم العفنة ، لكن هذه النظم المستبدة
    مرتبطة ارتباطا عضويا بجهات داعمة لها ، وهي سبب وجودها أصلا في هذا المنصب ، فلذلك كان من الطبيعي جدا أن تساهم الجهات الداعمة لهذه النظم بشيطنة هذه الثورات بالتعاون مع هذه النظم الشيطانية التي رفعت شعار “إما نحن وإما حرق البلد ” وهذا الشعار يثبت أن هذه النظم الاستبدادية هي عبارة عن مكون يتألف من مجموعة من اللصوص والقتلة تستنزف ثروات الشعوب وتضعه في حسابات خاصة كي يستفيد منها اقتصاد تلك الجهات الداعمة لهذه النظم،
    فلذلك كان من الطبيعي أن تشيطن هذه الثورات
    بإيجاد داعش وملحقاتها .
    خلاصة القول أننا لازلنا مستعمرين ولم نتحرر بعد فهذه النظم الاستبدادية هي امتداد للمستعمر
    هو من وضعها وهو مسؤول عن حمايتها واستمرارها وشيطنة أعداءها .

  4. نتائج الثوراة الحقيقة …….كما ثورات الربيع العربى…..معناوية أكثر منها مادية فى المدى القصير….ثم تأتى النتائج المادية اللتى تهم أغلبية الثوار فى المدى البعيد…..
    نحن اليوم نعيش البركات المعناوية للثورات….حكام الثورة المضادة ..أسود……لكن بدون …أنياب…..فمصيرهم معلوم….

  5. لو لم يكن اليأس نوعا من الكفر لقلنا أن حال العرب ميؤوس منه بنسبة 100%

  6. *للأسف ما أراه لا أمل بالتغيير
    الحقيقي في دولنا العربية(المنكوبة)..؟؟؟!!
    *باستثناء(لبنان وتونس والكويت) لم نشاهد
    أي تغيير نحو (الديمقراطية) والتداول السلمي
    للحكم والسلطة.
    *معظم (الثورات) العربية فشلت ومن الصعب
    جدا قيام ثورة جديدة في أي بلد عربي.
    حسبنا الله ونعم الوكيل.
    سلام

  7. الثوار يا سيد فيصل أخترقهم الرعاع أقصد العساكر..ومن اخترقه الرعاع ينتهي ويموت بشكل مريع…اللعنة على الثكنات الرعاعية

  8. الشعب السوري كالشعب الليبي لم يتعود على الديموقراطية! المشكلة هي بعسكرة الثورة في هذان البلدان!! توحيد الثوار هو الحل الوحيد, ولا حول ولا قوة الا بالله

  9. بسم الله الرحمان الر حيم: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

  10. لم يكونوا ثوارا بل بنادق للايجار..فاسستفرد بهم الدكتاتور كالذئب والاغنام.

  11. كما انه يوجد حكام فاسدون ، فهناك أيضا شعوب فاسدة ، بل أشد فسادا وسوء خلقا ، ولَم تدع مكانا او زمنا للأفراد المخلصين في البلاد من حسن التصرف او تنظيم المعارضة بالشكل الصحيح ، لو أبيد كل حكام العرب الظالمين والجزارين فتأكدوا انه سيخرج لنا غيرهم ، فلا نتهم الآخرين بالتحكم في مصيرنا إن لم نكن لدينا الأخلاق الكريمة التي تنهض ببلداننا .

  12. هؤلاء مجاهدون وليس ثوار والفرق كبير ولمعرفة الفرق علينا بتونس كمثال هناك لم يكن للمجاهدين دور في الربيع التونسي فنجح وللكن مع ليبيا وسوريا تم اسلمة الثورة فكانت النتيجة دمار وقتل وتشريد

  13. لقد وضعت يدك على الداء ( دكتور فيصل ) و كان ذلك قبل عملية ( تحوير ) ثورات الشعوب على حكم العساكر و الطغاة من الحكام…لقد سُرقت الثورات…و تم تمييع نتاءجها…بل و تم تصويرها على انها كانت مجرد مؤامرات…خارجية لا اقل و لا اكثر..و كأن الشعوب العربية لم تعاني من حكم ديكتاتوريات عسكرية مقيتة قذرة عفنة…من مصر الى تونس الى ليبيا الى موريتانيا الى السودان الى سوريا الى اليمن الى العراق…اما باقي الدول فقد اصبحت ملكية خاصة تُحكم بالتوارث او بواجهة مدنية يتخفى وراءها اشباه حكام يتلقون اوامرهم من اسيادهم اللذين نصبوهم..كحالة الجزائر…الاكيد ان المشكل تتقاسمه الشعوب و الحكام في آن واحد…شعوب ساكتة عن حقوقها الاساسية..!؟ و حكام جعلوا من انفسهم ( آلهة ) تُعبد في وسط مجتمعات يسودها…الجهل و الفقر و الأمية و الخوف من نفس هذا ( الحاكم المُتأله) ..اما ما نجح من بعض التجارب فقد تم الانقضاض و الإجهاز عليه..خاصة في مصر التي شهدت اول انتخابات حرة و نزيهة و انتخاب اول رءيس مدني في تاريخها…و في تونس مهد الثورات التي تشهد مخاض عسير ، حاول البعض تكرار التجربة المصرية و محاولة الانقضاض على تجربتها..الفتية ، و لكن بعض من الشركاء السياسيين اللذين انتخبهم الشعب و اقصد ( النهضة و حلفاءها ) فوتوا الفرصة على جميع من حاول حفر الحفر…للإيقاع بها و محاولة شيطنتها…و قد اصبحت تحوز الآن على اكبر كتلة في البرلمان ، بل و اصبحت رقم صعب في المعادلة التونسية بسبب حنكة قادتها…اما باقي الاوطان فقد اضحت حبيسة للصراعات و التجاذبات بين القوى الدولية و الاقليمية و كانت نتاءجها حروب و دمار و خراب و جوع و امراض ..و هذا ما خلفته سياسات الانظمة البوليسية القمعية المجرمة التي طبقت سياسات الارض المحروقة او إما انا او بعدي الطوفان…! و شكرا لقدسنا الموقرة

  14. سبب فشل ثورات الشعوب فى أفغانستان أو دول
    الربيع العربى
    هو الجماعات التى تستخدم الدين لتحقيق
    مكاسب سياسية وعلى الأخص جماعة الاخوان المسلمين
    مثال مصر
    جماعة تتمنى فشل مصر فى كل شىء
    من حروب ضد أعداء مثل اسرائيل
    ورقصهم فرحا فى الشوارع بعد هزيمة ١٩٦٧
    جماعة تصف عبور مصر القناة وخوض الجيش معارك
    طاحنه مع اسرائيل ومن وراء اسرائيل وخاصة أمريكا
    ورغم اعترف العدو الاسرائيلي بنجاح المصريين
    بكسر شوكة الجيش الاسرائيلي الذى كان يطلق علية
    العالم الجيش الذى لا يقهر
    ورغم كل ذالك نجد جماعة الاخوان الشامته تتباهى وتفتخر بنفسها وتدعى ان مصر خسرت كل الحروب
    والغريب والعجيب والمضحك ان هذه الجماعة وهى فى الحكم عملت احتفال كبير بمناسبة ذكرى حرب ١٩٧٣
    وأخذ أفرادها يشيدون بالجيش المصرى وانتصاراته فى معاركة فى هذه الحرب وتدمير خط باريف
    ووصفهم الجيش المصرى انهم رجال من ذهب وغيرها
    من الاوصاف
    والآن هم يصفوا الجيش المصرى انه جيش عميل
    وجيش انهزم فى كل معاركه
    ويتمنون ان يقهر هذا الجيش وان يدمر بشرط
    ان يسيطروا على مصر ويحكموا مصر
    وعلشان كده الشعب المصرى الذى كشف الاخوان
    وأهدافهم تخلص منهم
    وأصبحوا فى خبر كان

Leave a Reply to كريم الياس/ فرنسا Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left