الجزائر… وأدب الكوليرا وقرّاؤه

سعيد خطيبي

Sep 08, 2018

■ عادت الكوليرا، إلى الجزائر، أُعلنت حالة طوارئ وتمّ احتواء الأزمة. ويُمكن أن نتمهّل ـ قليلا ـ الآن ونتذكّر رواية «الطّاعون» لألبير كامو، فالطّاعون والكوليرا توأمان، قد نفلح في مُحاربتها، ووقف انتشارها، لكن هذا لا يعني أنها لن تعود، من جديد، فهي ليست فقط وباء، بل تذكير بنهاية مرحلة تاريخية وبدء أخرى. ولكن، كما تعوّدنا، فضّلنا التّركيز على الأعراض، بدون الخوض في الخلفيات والدّلالات، بحثنا عن مخابر لمُعالجة الأمر، وغفلنا عن أن الكوليرا مادّة أدبية بامتياز، وفلسفية أحيانا، هي مؤشّر لفهم ما حصل ولاستبصار ما سيحصل. صحيح أن الكوليرا لم تدخل، منذ الاستقلال، المدوّنة الأدبية، في الجزائر، لم ينتبه إليها كتّاب سابقون، ولكن إطلالة سريعة على آداب أخرى تُنبهنا إلى أن هذا الوباء كان وجها ناصعا لاستقراء التّاريخ، وتجنّب تكرار العثرات.
عندما أصدر كامو «الطّاعون» (1947)، بعيد الحرب العالمية الثّانية، لم يُضيّع وقتا في تشريح وباء قاتل، أصاب وهران، ولم ينب عن أطباء، بل جعل منه سببا لإحالتنا إلى قضايا أخرى، أكثر أهمية، أعاد تعريف المقاومة، في مجتمع وجد نفسه مسجونا، منزويا على هامش التّاريخ، وكيف أن الإنسان حينما يُقاوم مرضا ما فهو يُدافع عن حقّه في العيش، وحقّ جاره كذلك، حتّى إن مات أُناس بسبب المرض ذاته، فإن المقاومة ستكون سببا في تذكّرهم، في بقاء صلّة معهم، ومع ذكراهم، وبطبيعة الحال فإن كلّ انتصار على وباء، مثل الطّاعون أو الكوليرا، يعدّ انتصارا لحظيا، لكنه مهما، لأنه يفتح أعيننا على وظيفتنا الأساسية: المُقاومة. هذا ما أراد كامو قوله، في روايته، وليس فقط ترميزا إلى مقاومة النّازية، من خلال مواجهة الطّاعون، كما حاول البعض اختصار الرّواية (مع أن الكاتب لم يهمل إسقاط راهنه آنذاك على روايته)، وهو ما ينطبق على حالنا اليوم في الجزائر، فمواجهة الكوليرا، هي عودة، ولو بطيئة، ليتفطّن الجزائري لحقّه في الوجود، بدفاعه عن نفسه وعن غيره، ففي النّهاية، الحكومة لن توفّر له، في أفضل الحالات، أكثر من سرير ينام عليه، في حال أصابه وباء، وحينها يكون الوقت قد فات، ويدرك أنه هو نفسه المسؤول والمُطالب بالدّفاع عن حياته وعن حقّه في عيش آمن وسليم، وفي كلّ فعل مقاومة، إنّما هو يستعيد إنسانيته.
في «الموت في البندقية»، جعل توماس مان (1875- 1955) من الكوليرا بطلا غائبا عن نصّه. ستكون سببا في تغيّر مصير الشّخصية الرّئيسية. ستكون المنعرج، أو اللحظة التي تفصل بين مرحلتين، يلجأ إليها، ويوظّفها رمزيا، كي يُخبرنا بأن الحياة التي تسبق الكوليرا، ليست هي نفسها التي تتبعها. فعندما يعجز بطل توماس مان، الذي سماه غوستاف، عن الكتابة، ولا يجد حبلا لمواصلة شغفه، في تلك الحالة يكون قد فصل بين حياتين، سيلتقي مراهقا في البندقية، ويترصّده، ثم يفكّر في تغيير شكله للفت نظره، وينزاح، لا شعوريا، لمنطقة الموت، سيلقى الكوليرا في انتظاره، وهي آخر شيء كان يفكّر فيه. الكوليرا عند توماس مان لم تكن مجرد وباء، ورغم ما في النّص من توصيفات مطوّلة، فهو لم يهتم بالكوليرا كظاهرة، بل تعامل معها كحالة أدبية، من منظور «النّقطة الفاصلة»، وصولها إلى البندقية، في بواخر التجار القادمين من آسيا، بحسب الكاتب، جاء ليخبرنا أنها تفصل بين زمنين، وأي حضور لهذا المرض يُعيدنا إلى التّمعن من جديد في ما قصده توماس مان. كتب قصّته في عام 1911، ولم يطل الحالة وحلّت الحرب العالمية الأولى، ومعروف عن توماس مان ابتعاده عن السياسة، هل وظّف الكوليرا، كي يُدلي بما عجز عن قوله بشكل مباشر؟
هناك نقطة مشتركة بين عودة الكوليرا، إلى الجزائر، وقصّة «الموت في البندقية» لتوماس مان. فالسّلطات تكتمت، في البداية، عن الأمر، خرجت تصريحات تتحدّث عن «مرض غريب»، ثم سمعناهم يقولون «فيروس لم يتمّ التعرّف عليه»، قبل أن ينفضح الأمر، وفي قصّة توماس مان أيضا كانت الشّخصيات تتجنّب تعريف الوباء باسمه، ولا واحد منهم تجرّأ على نطق كلمة كوليرا، بل أشاروا إليها بكلمة «الشرّ»، ولن نعرف حقيقة المرض، وتبعاته إلا بعدما يهجر السّياح المدينة، وتتحوّل إلى ما يُشبه أرض الزومبي. في تلك القصّة، التي أرادها الكاتب الألماني كنبوءة لبداية انهيار أخلاقي وسياسي، ستحل بعدها حرب كبيرة، بينما في الجزائر، ورغم كلّ «الشّر»، الذي مرّ، يسود خطاب معاكس، يدعو إلى ضرورة الاستمرار وتجديد الثّقة في الرّؤوس الحاكمة.
توماس مان ليس وحده من كتب عن الكوليرا، فقد فعل ذلك كتّاب آخرون، من أمثال: أوجين سو، شاتوبريان، هيغو، غارسيا ماركيز أو جان جيونو، لهذا يمكن أن ننعت هذه الكتابات، من ناحية ثيماتها بأدب الكوليرا. والكوليرا، مثل الطّاعون، الذي كتب عنه ألبير كامو، لــــن ينفعنا النّظر إليها، بشكل مباشر، ولا التّفكير اللحظّــــي في معالجــــتها، بل هي حالة تستلزم النظر إلى ما يدور خلفها، فكلّ كوليرا لا تنتهي بنهاية الوباء، بل تأتي معلنة عن أمر ما يتحرّك في الظلّ، وتنتهي، غالبا، بانقلاب في سير التّاريخ. ربما قضت الحكومة على أعشاش الكوليرا، في الوقت الحالي، وأراحت نفسها من مأزق حادّ، وقعت فيه، في الأيّام الماضية، وقد تجد الكوليرا أخيرا طريقا لها، في الكتابات الجزائرية، فلا يمكن أن نغفل عن حدث مثل هذا، والأكـــــيد أنّ هناك قرّاء ينتظرون، ولكن الشّيء الأهم أن ما حصل يبرهن على أننا نعيش في ارتياب وخوف دائمين، لا نعرف أي وحش آخر سيقترب منّا، ويزأر في وجوهنا، أو يأخذ معه ضحايا، من أناس مقرّبين منا، وإن كانت الكوليرا الآن ذكرى من ماضٍ، فتداعياتها ستبقى حاضرة، وقدرا لم نختره يطوّقنا، ومعركة شدّ اليد في اليد، والمقاومة هي ما يجب أن نتعلّمه، ونحو نخطو إلى سنوات لسنا نعرف شكلا أو لونا أو رائحة لها.

٭ روائي جزائري

الجزائر… وأدب الكوليرا وقرّاؤه

سعيد خطيبي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left