التسرب المدرسي ظاهرة تستفحل وتهدد التعليم في لبنان

روعة قاسم

Sep 08, 2018

يشهد لبنان ظاهرة استفحلت في السنوات الأخيرة وأرقت المضاجع وتتمثل في «التسرب المدرسي» أي الانقطاع عن التعليم والانصراف عنه إما إلى العمل أو إلى الانحراف والتشرد والانخراط في الجماعات الإجرامية والإرهابية. وهي ظاهرة لا يختص بها لبنان وحده بل تشاركه فيها بلدان عربية عديدة بعضها انكب على دراستها وإيجاد الحلول لها، فيما لا يبدو أن البعض الآخر مهتم بمعالجتها أو أنها تمثل مصدر قلق بالنسبة له.
ولعل ما يثير الهلع هو أن هذه الظاهرة لم تعد تستهدف العائلات الفقيرة فحسب، بل طالت فئات من الطبقة الوسطى التي تعتبر عماد الاقتصاد اللبناني وقلبه النابض. كما أنها ظاهرة لا تختص بها منطقة لبنانية دون أخرى فهي موزعة على الشمال والجنوب والبقاع والجبل وإن بدرجات متفاوتة.

أسباب اقتصادية واجتماعية

عارف الدهيبي أكاديمي مختص في التربية وباحث في المركز التربوي للبحوث والانماء يقول لـ«القدس العربي» أن ظاهرة التسرب المدرسي قديمة وجديدة في الآن معا. وأجريت فيها، حسب محدثنا، دراسات عديدة تركزت أساسا على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والتربوية.
وتتمثل أهم الأسباب الاقتصادية للتسرب المدرسي، في رأي الدهيبي، في عدم قدرة الأهل على توفير مصاريف الدراسة رغم أن القانون رقم 150/2011 شدد على إلزامية التعليم وأحقية التلاميذ حتى سن الخامسة عشرة فيه، أي مرحلة التعليم الأساسي من الصف الأول وحتى التاسع. والحقيقة أن التعليم الثانوي لم تشمله إلزامية التعليم، رغم أن القانون 150 جاء تأكيدا للمادة العاشرة في وثيقة الوفاق الوطني وتعديلا لدستور 1943 الذي تحدث عن أحقية التعليم، وجاءت وثيقة الطائف وعدلت المادة وأضافت إلزامية التعليم لكن هذا القانون لا يتم تطبيقه فعليا ما يؤدي إلى التسرب المدرسي. فالوضع الاقتصادي لكثير من العائلات يحول، حسب الباحث اللبناني، دون إكمال الدراسة ويدفع التلاميذ إلى العمل لتأمين دخل إضافي للعائلة، فالولد عندما يشعر بأنه منتج ماديا يفضل ترك الدراسة. ويضيف قائلا: «بالرغم من أن الدولة متكلفة بتعليم الأولاد بسبب قانون إلزامية التعليم، إلا أن هناك تكاليف إضافية مثل رسوم التسجيل وهو ما يشكل عبئا على الأهل خصوصا إذا تعلق الأمر بعائلة كبيرة العدد ناهيك عن تكاليف الكتب. فالعبء المالي في بعض المناطق المهمشة يحول دون إكمال التعليم خاصة وأن هاجس العمل والإنتاج ومساعدة العائلة لدى الأطفال في الأسر الفقيرة يبقى هو الطاغي».
ويرى أن السبب الثاني للتسرب المدرسي هو الواقع الاجتماعي للعائلة، فهناك عائلات كثيرة غير متماسكة وهناك حالات طلاق تخلق ظروفا غير سليمة للدراسة ونوعا من عدم الوعي. وكثر هم الآباء الذين لا يفكرون، بمستقبل جيد لأولادهم ولا تعنيهم إلا الحلول الآنية التي يعتقدون أنها تريحهم مثل الطلاق.

غياب الفرص

ويضيف: «عندما يكون هناك خريجون من التعليم وتغيب فرص العمل عندها تفقد العائلة الأمل في التعليم ويفكر المرء بطرق أخرى لتأمين الحياة فيتجه نحو الصنائع والحرف مثل النجارة واللحام والحدادة، وبالنسبة للبعض فإن هذا الحل هو الأسرع والأسهل.
وتتحدث آخر إحصائيات سنة 2012 عن تصاعد الأزمة في هذا المجال، بسبب حرب تموز واغتيال الحريري اللذين خلقا واقعا جديدا وتسلسلا دراماتيكيا للأحداث وانقسامات وواقعا سياسيا مهترئا. وقام المركز التربوي للبحوث والانماء بدراسة حول الموضوع جاء فيها أن التسرب متقارب في كل محافظات لبنان. ففي محافظة الشمال تبلغ النسبة حوالي 19 في المئة، وأعلى نسبة هي في بيروت 21 في المئة، أما الجنوب فإن النسبة هي 20 في المئة. فأقل نسبة إذن موجودة في الشمال مع العلم أن هناك واقعا اقتصاديا صعبا، ولعل ما يفسر ارتفاع النسبة في بيروت هو وجود فرص عمل للأولاد أكثر من باقي مناطق لبنان».
وقد زاد التسرب المدرسي، في رأي محدثنا، مع لجوء جنسيات عربية إلى لبنان بسبب الظروف السيئة في بعض البلدان العربية وأصبح هناك اكتظاظ في الصفوف وصار التلاميذ ينفرون من المدرسة، كما أن نظام التقاعد، يجعل نوعية التعليم سيئة ولا يخلق ظروف عمل ملائمة فيطغى استهتار المعلمين ويصبح هناك استهتار من الطلاب أنفسهم ويكون أحد أسباب التسرب المدرسي. وقال الدهيبي أن علاج مشكلة المعلمين المتقاعدين وتسوية أوضاعهم قد يساعد على خلق ظرف أفضل للدراسة والإنتاج المدرسي.
وتقول عبير رضوان، أستاذة التعليم الابتدائي اللبنانية لـ«القدس العربي» أن نسبة التسرب انخفضت في المدارس الرسمية عندما أصبح التعليم الرسمي مجانيا، بالإضافة إلى حصول الطلاب على الكتب المدرسية والقرطاسية مجانا. لكن هذا لا يمنع حسب محدثتنا من وجود بعض حالات التسرب المدرسي التي يتسبب فيها الوضع الاقتصادي المزري والمشاكل الاجتماعية كما الطلاق أو وفاة أحد الوالدين، حيث يضطر بعض الأطفال، إلى النزول إلى سوق الأعمال الحرة لمساعدة أهاليهم.

التسرب المدرسي ظاهرة تستفحل وتهدد التعليم في لبنان

روعة قاسم

- -

1 COMMENT

  1. مقال مقيد ، لكني لاحظت وجود خطأ كتابي فيه ، وهو كلمة “نظام التقاعد” ، فيبدو أن كاتب المقال يعني نظام التعاقد . “Le Contrat” باللغة الفرنسية . وهو فعلآ نظام يدمر التعليم .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left