البحث عن اللغة العربية في مؤسسة كرة القدم الجزائرية!

قدور حباري

Sep 08, 2018

لندن ـ «القدس العربي»: المسألة اللغوية في الجزائر قضية أزلية، تثار كلما بلغ السيل الزبى، وكان آخر حدث أثار النقاش من جديد المؤتمر الصحفي الذي عقده مدرب المنتخب الجديد جمال بلماضي.
بلماضي تحدث في المؤتمر الصحفي بالفرنسية، اللهم سوى بعض العبارات التي أصبح يستعملها حتى المدربون الأجانب مثل «انشاء الله»، ليبرهنوا انهم يفهمون المحيط الذي يعملون فيه. بلماضي وحتى لا نظلمه، ولد في فرنسا وترعرع فيها وتعلم كرة القدم في أكاديمياتها واحترف في أنديتها، ما يعني أن لغته الأولى هي الفرنسية ويتحدث العربية بصعوبة. لكن الإتحاد الجزائري لكرة القدم ليس كبقية الإتحادات العالمية، أصبحت الفرنسية هي لغة تقديم المدربين وعقد المؤتمرات الصحفية، حتى لو كان المدرب جزائريا ولد في الجزائر وترعرع فيها، والأمثلة كثيرة، فعلى سبيل المثال عبدالحق بن شيخة ورابح سعدان حيث كانت الفرنسية هي اللغة الرسمية في المؤتمرات الصحفية التي كانوا يعقدونها، أو في أي تصريحات صحفية يدلون بها. بعضهم يتظاهر بأنه يجد صعوبة في الحديث بطلاقة بالعربية ويا ليتهم أتقنوا الفرنسية التي تشبثوا بها، والطريف في الأمر أنهم بمجرد أن يستدعون كضيوف في استديوهات التحليل في البلدان العربية، فإن حديثهم يخلو تماما من أي كلمات فرنسية، لأن عدم احترام التعليمات يكلفهم فقدان المنصب الذي يضمن مداخيل تسيل اللعاب.
الغريب هو ان الصحفيين الحاضرين أصبح الأمر لهم تحصيل حاصل، وطرح القضية اللغوية أمر في أسفل قائمة أولوياتهم وقلما تخطر بخاطر أحدهم أن يطرح سؤالا بالعربية، وإذا فعل فكأنه نطق كفرا. تجرأ أحدهم في المؤتمر الأخير أن يسأل سؤالا بالعربية وطالب المدرب أن يجاوب بالعربية، فعم الصمت في القاعة كأن الرجل صرح بأن الارض الكروية مستطيلة الشكل. المدرب الشاب حاول الإجابة بالعربية ولكن المفردات خانته وسرعان ما لجأ الى ما يعرف وما يرتاح له، وهي الفرنسية. طبعا لا لوم على المدرب لأنه لا يحسن العربية ولكن اللوم على الإتحاد الجزائري الذي لم يخطر ببال مسؤوليه أن يستعينوا بمترجم، لأنهم هم أنفسهم يخاطبون الصحافة بالفرنسية باستمرار، والصحافة تتمادى في المشاركة في الجريمة اللغوية في التعامل معهم بنفس اللغة غير مكترثين بأن المتلقي قد لا يفهم الفرنسية.
المدرب الإسباني لوكاس ألكاراز كان يعقد مؤتمراته الصحفية بالإســبــانية بحـضـــور متـرجــم، لكن الأسئـلة كانت تطرح بالفرنسية وتترجم الى الإسبانية، إذن هناك سبق اصرار وترصد على الإقصاء اللغوي لشعب ضحى بالغالي والنفيس كي يستعيد كرامته.
لست ضد الفرنسية كلغة، فهي لغة تعلمتها منذ السنوات الأولى في المدرسة الإبتدائية ولا أزال أطالع المنتوج الروائي الفرنسي الى اليوم وأنا في عقدي الخامس بدون أدنى عقدة، لكنني دائما أقول أنني لا أرى فرنسيين يتحدثان في لندن باللغة الإنكليزية أو اسبانيين يتحدثان بغير لغتهم الأم، وإتقاني للفرنسية لا يعني أن أتحدث مع والدتي أو أصدقائي بغير العربية. الفرنسية «غنيمة حرب» على حد تعبير كاتب ياسين أحد أشهر الروائيين الجزائريين باللغة الفرنسية، ولكن ياسين لم يكن يدري انه بعد أكثر من خمسة عقود لا تزال الغنيمة المسمومة هي اللغة الرسمية في التقديم الإعلامي للمدرب الوطني لكرة القدم.
الحقيقة فكرة ان الشعب الجزائري «متفرنس» او «فرانكوفوني» هي اسطورة صدقها الجزائري قبل الأجنبي، فمستوى الفرنسية في الجزائر تراجع بشكل كبير مقارنة مع سنوات الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات لأن المستوى الدراسي في تراجع مخيف، وأصبحت الفرنسية تنحصر لدى الطبقات الغنية التي تسجل أطفالها منذ سن الرضاعة في الحضانات الفرنسية ومنها الى المدارس والثانويات والى الجامعات الفرنسية خارج الجزائر. من يحسن الفرنسية سيدرك ان نوعية اللغة المستعملة ممن طرحوا الأسئلة وناقشوا جمال بلماضي، لا يتقنون لغة موليير أكثر من إتقانهم لغة الضاد، لكنهم يعكسون كتلة اجتماعية تحاول بصعوبة التشبث بهذه اللغة لأن الضغوطات الاجتماعية تفرض عليهم كذلك. فمن يتحدث الفرنسية في الجزائر تفتح له أبواب التوظيف والفرص، ومن لا يحسنها ما عليه الا ان يتظاهر، وهذا ما يفسر لجوء الجميع، بمن فيهم صحفي وسائل الإعلام الناطقة بالعربية الى الحديث بالفرنسية مع المدرب الجديد. قد يقول قائل لكن ما حاجة الإتحاد الجزائري الى مترجم ما دام الجميع يفهمون الفرنسية ولو بدرجات متفاوتة؟ لكنني أقول ان المسألة مسألة هوية وطنية. حتى بلدان شمال افريقيا المجاورة مثل تونس والمغرب حيث الفرنسية لغة الإستعمار المشتركة، لا تطغى بنفس المستوى ولا أذكر أن المدرب السابق نبيل معلول كان يخاطب صحفي تونسي بالفرنسية، ولم بادو الزاكي ولا فتحي جمال ولا رشيد طاوسي يتحدثون بغير العربية، وحتى المدرب الفرنسي هيرفي رونار تم تقديمه باللغة العربية وكان الى جانبه رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم فوزي لقجع يتحدث باللغة العربية، بينما كان المدرب الفرنسي يستمع الى الترجمة الفورية.
اذكر خلال مؤتمر صحفي في 2010 عندما كان المنتخب الجزائري معسكرا في نورنبيرغ في المانيا تحضيرا لكأس العالم 2010، وخلال مؤتمر صحفي عقده رئيس الإتحاد آنذاك والمدرب رابح سعدان والقائد عنتر يحيى، كانت اللغة الفرنسية اللغة الوحيدة المستعملة من الجميع، اللهم الا من سؤال او اثنين من صحافة أجنبية لجأت الى الإنكليزية، لكنني أردت أن أسمع أحدهم يجيب عن سؤال بالعربية، فسألت المدرب لأنه والسيد روراوة لا حجة لهما، وهما يتقنان العربية أكثر من الفرنسية، والغريب ان طلبي احتاج الى مداولة قبل إجابة المدرب. هكذا هي العربية غريبة في وطنها. الآمازيغية والعربية أولى من الفرنسية في مؤتمر صحفي يخص المنتخب المكون من لاعبين يتحدثنون الفرنسية والعربية والأمازيغية! في المؤتمر الصحفي المذكور كان العديد من ممثلي وسائل الإعلام الناطقة بالعربية في الجزائر، ولم أفهم سبب تورطهم في المهزلة اللغوية ولماذا يتبرأون من لغة ينشرون ويبثون بها. هذا لا يعني ان ممثلي وسائل الإعلام الناطقة بالفرنسية مرفوع عنهم القلم، ومن حقهم اعتبار لغة فولتير وسيلة التخاطب الأولى في أرض لغتها الرسمية العربية (مع حبي وتقديري الشديدين للأمازيغية وتومبزابت وغيرهما من اللغات متأصلة في تاريخ هذه الأمة). الرئيس الجديد للإتحاد الجزائري خير الدين زطشي تجاوز كل التوقعات وراح في أول ظهور اعلامي يخاطب الجزائريين بالفرنسية، لا تحتاج أن تكون خبيرا لغويا لتكتشف من أول جملة أنها ليست لغته الاولى، لكنها عقدة متجذرة في طبقة اجتماعية تعاني انفصاما في الشخصية وتشردا في هوية اللغة والأصالة.
المشكلة ان غالبية الجزائريين يستنكرون استفحال الفرنسية في الحياة العامة في بلادهم، لكن الأغلبية ايضا آثمة في حق هذه اللغة، فلا تخلو دردشة بين شابين الا والمفردات الفرنسية حاضرة، تفسد إيقاع الحديث وتسلسل الجمل و بنيتها، فلاهم يحسنون الحديث بعربية جزائرية ولا هم يحسنونه بالفرنسية والنتيجة أن الشعب الجزائري أصبح يعيش أزمة هوية لغوية خطيرة، لأن الآفة أفرزت جيلا معتوها لغويا وعندما تفقد اللغة فأي مستقبل لك؟

البحث عن اللغة العربية في مؤسسة كرة القدم الجزائرية!

قدور حباري

- -

6 تعليقات

  1. خرج الاستعمار الفرنسي من الجزائر، لكنه خلف أدواته ليحكمون الجزائر.. وهذه هي النتيجة!

  2. يقول الفيلسوف الالماني فيخته ( فيشته) : اللغة هي الجنسية . أي لمعرفة جنسية شخص يكفي ان تستمع الى لغة الحديث اليومية عنده ،ولا داعي ان تطلب منه بطاقة التعريف ، وعلى هذه القاعدة انهى بسمارك مشكلة الالزاس واللورين . في نفس الوقت ، يقول ابن خلدون : المستعمَر( بفتح الميم) يرى الكمال في المستعمر ( بكسر الميم ) فيقلده . من هنا فإن بعض الجزائريين يتمنى لو كانت امه كاترين وليست فتيحه او زليخه وأن اباه روبير او جورج وليس قدور او بوعلام ، انها عقدة النقص التي يعاني منها الشخص المغاربي امام الخواجة ، حتى انك تجد وزيراً مغاربياً وعلى شاشة التلفاز يتحدث بالفرنسية ،نعم انها عقدة النقص الكامنة في اللاشعور عند المغاربي والجزائري خاصة .

  3. على كل حال تتحدث بالفرنسية قديفهمك الجميع في الجزائر ونفس الشيئ اذا تحدثت بالعربية المهم هو التواصل خاصة وان لغة الجزائريين هي مزيج بين العربية والفرنسية ، الكارثة والطامة الكبرى اذا وصلتنا لغة ،، البغرير والبريوات ،،كيف نفهمها وكيف نتعامل معها اللهم الا اذا أنقذتنا نموله أثناء عودتها من الحمام بعدما تكون قد سخنت عظيماتها ، هناىفقط نشعر بان العربية في الخطر

  4. بل في كل مؤسسات (الدولة)..العربية لاأثر لها في جميع وكل مؤسسات (الدولة).حتى مايسمى(وزارة الاوقاف والشؤون الدينية)الفرنسية سيدة في كل التعاملات والمعاملات…

  5. قد ينطق شخصان عندنا نفس الجملة أحدهما بالعربية والآخر بالفرنسية . فينظر إلى المفرنس باحترام وتهيب والمعرب بازدراء وتعجب . وهذا خطير لأن الفرنسية عندنا لغة تعالي وإثبات ذات وتفوق من الجزائري تجاه الجزائري . إن ما تحققه فرنسا من خلال المد اللغوي أخطر من 132 سنة استعمار عسكري .. وحين أنظر إلى حظور الفرنسية أجدها قد تجاوزت كونها غنيمة حرب إلى ألغام حرب لا تختلف عن ألغام خطي شال و موريس

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left