هل تعيش الأندية التونسية سنواتها العجاف؟ وهل الخلل من صنع اليد؟

روعة قاسم

Sep 08, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: علق أحد أحباء الترجي التونسي على موقع «فيسبوك» ما مفاده أنه يجب على «شيخ الأندية التونسية»، أي الترجي كما يسمى في تونس، أن يعود لخوض مبارياته ضد الأهلي المصري في الكؤوس الإفريقية بالملعب الأولمبي بالمنزه عوضا عن الملعب الأولمبي برادس. والسبب هو عجز الترجي في السنوات الأخيرة عن الإنتصار على الأهلي في المسابقات الإفريقية بملعب رادس بالعاصمة التونسية، بدون سبب مقنع بما أن عجز الترجي حصل في مواسم كان فيها النادي التونسي في عنفوانه وقمة مجده، و كان أداء الأهلي متراجعا مصريا وقاريا.
الحقيقة أن الأهلي يتفوق في السنوات الأخيرة إفريقيا ليس فقط على الترجي، بل على أندية تونسية أخرى على غرار النجم الساحلي والصفاقسي. ففي الموسم الماضي، على سبيل المثال، ترشح الأهلي على حساب الترجي إلى الدور نصف النهائي لدوري أبطال افريقيا في وقت كان فيه الترجي في ذروة تألقه بعدما فاز بالبطولة العربية في مصر وشارك فيها الأهلي، وكان الكل يرشح الترجي لكسب ورقة التأهل. ولعل السؤال الذي يطرح هل أن ملعب «رادس» بات فعلا طالع خير على الأهلي المصري؟ أم أن الأهلي اكتسب خبرة المباريات القارية الحاسمة الأمر الذي يجعله يتأهل على أندية تونسية عريقة تزخر باللاعبين الكبار وتمر بفترة زاهية على مستوى النتائج؟ أما ان مستوى الكرة التونسية، التي سيطرت أنديتها قاريا في التسعينات وبداية الألفية على المسابقات القارية، تراجع في السنوات الأخيرة وبات الأمر يستحق القيام بمراجعات؟
الحقيقة التي يدركها أغلب المهتمين بالرياضة في القارة السمراء، وبعيدا عن ملعب «رادس» الذي يحلو فيه اللعب من حيث العشب الجيد الذي يشجع على الإبداع الكروي وتوافر الأمن، والجماهير التي اعتادت على جلد الذات عوض التهجم على المنافس، وبعيدا عن النادي الأهلي الذي اكتسب الخبرة قاريا وأصبح يلعب الأدوار الأولى في أمجد الكؤوس الإفريقية حتى وهو يمر بصعوبات على مختلف المستويات، فإن الكرة التونسية تراجعت كثيرا في السنوات الأخيرة. وساهم هذا التراجع في تدهور نتائج الأندية التونسية في مختلف المسابقات، وعرف التونسيون سنوات عجاف بدون ألقاب إفريقية أو عربية، وهم الذين اعتادوا في الماضي القريب على الصعود على منصات التتويج الإقليمية والقارية كل موسم.
وهناك أسباب عدة ومتعددة ساهمت في وصول الأندية التونسية إلى هذا المستوى الذي جعلها تعجز الموسم الماضي عن مقارعة أندية من الصنف الثاني أو الثالث أقل مستوى من الأهلي والزمالك والوداد وغيرها. ومن بين هذه الأسباب نظام اللاهواية الذي أقر في بداية التسعينات، وجعل الكرة التونسية في منزلة بين منزلتين، أي بين الإحتراف والهواية، ولم يتم الحسم إلى اليوم للذهاب نحو الإحتراف التام بجعل الأندية تخرج عن الإطار القانوني للجمعيات التي تعيش على الهبات إلى الشركات التجارية التي هي أشخاص معنوية مؤهلة للإلزام والإلتزام والإستثمار والمضاربة لربح المال. وأفرز هذا النظام الغريب أربعة أندية قيل أنها «كبرى»، ولم تكن وحدها الأكبر يوم إقرار هذا القانون، وتضخ الأموال إلى هذه الأندية «الكبرى» على حساب البقية الذين تحولوا إلى مجرد مدارس لتكوين اللاعبين لتزويد الكبار. والحقيقة أنه لا يعرف إلى اليوم على أي أساس تم تصنيف هذا النادي على أنه كبير وذاك على أنه صغير.
فمع مطلع التسعينات، وقبل أن تتمتع الأندية المسماة «كبرى» بأموال رجال الأعمال والمانحين، فازت أندية تونسية بألقاب خارجية لم يفز بها هذا الرباعي في ذلك الوقت. فالملعب التونسي على سبيل المثال كان صاحب اللقب العربي الوحيد، وكان على المستوى الألقاب المحلية يتفوق على الرباعي الكبير، والنادي البنزرتي كان يومها الوحيد الفائز بلقب إفريقي، ومن المؤكد بالنسبة للبعض أنه لو تم تصنيف هذين الناديين ضمن الكبار لكان وضعهما أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. كما أن نظام اللاهواية ساهم في اندثار أندية كانت تلعب أدوارا بارزة في الدوري المحلي على غرار سكك الحديد الصفاقسي والنادي الأولمبي للنقل وغيرهما. والسبب في تراجع نتائجها وانحدارها إلى الأقسام السفلى، هو قلة ذات اليد وعدم توافر السيولة المالية الكافية للإنفاق على مختلف الأنشطة الرياضية وفي مختلف الفروع وخصوصا فروع الشبان، باعتبار أن الأموال كانت تضخ لمن صنفت على أنها الأندية الكبرى التي اختلط فيها الرياضي بالجهوي بالسياسي.
لقد أصبح الفوز بالدوري المحلي مقتصرا على هذا الرباعي دون غيره، ولم يعد بالإمكان لناد من خارج هذا الرباعي أن يحلم بأن يكون بطلا لتونس، وهو أمر لم يكن يحصل قبل إقرار هذه المنظومة في الكرة التونسية، أي منظومة اللاهواية. وحتى الكأس الذي كان في الماضي القريب، ورغم تواجد هذه المنظومة، ملاذا للاندية «الصغيرة» لتفوز بالألقاب، أصبح مؤخرا وبعد «الثورة» أداة لإرضاء من تضرر من الأربعة الكبار من التحكيم ولم يسعفه الحظ بأن يكون بطلا. وتعاني الكرة التونسية من فساد تحكيمي لا وجود له في أي من بلدان العالم، يستفيد منه الأربعة الكبار بالإضافة إلى ناد خارج إطار هذا الرباعي يتبع «أحدهم»، أمام بقية الأندية المصنفة على أنها «صغيرة» التي يفتك بها الحكام كلما تبارت مع واحد من هذا الرباعي أو مع هذا النادي الذي يتبع «أحدهم». وإذا تبارى الكبار في ما بينهم فهي الطامة الكبرى، حيث تتصارع القوى داخل الهياكل الرياضية ويجد الحكام أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه لأن إرضاء كبير على حساب آخر ليس بالأمر الهين. ومن النوادر المتداولة في تونس أن المهتمين بالشأن الرياضي باتوا يدركون سلفا وقبل بداية الموسم من هو البطل ووصيفه، بعد أن يتفق القائمون على الشأن الرياضي على منح اللقب لناد من الرباعي لموسمين أو ثلاثة، ولبقية الرباعي مرة لكل واحد منها في المواسم اللاحقة. ومع تقدم الموسم بات يعرف باكرا من سيفوز بالكأس ومن هي الأندية التي ستتدحرج إلى الدرجة الثانية ومن هي التي ستنجو، ثم يتساءل القوم: لماذا تراجعت الكرة التونسية؟

هل تعيش الأندية التونسية سنواتها العجاف؟ وهل الخلل من صنع اليد؟

روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left