مؤامرات ومكائد وتاريخ يعيد نفسه

[1]

فينيسيا ـ «القدس العربي»: للأرانب، تلك الحيوانات سريعة التكاثر، دور كبير في «المفضلة»، فيلم المخرج اليوناني يرغوس لانثيموس، المشارك في المسابقة الرسمية في مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الخامسة والسبعين (من 29 أغسطس/آب إلى 8 سبتمبر/أيلول). الأرانب في الفيلم هي الحيوانات المدللة والمفضلة لصاحبة الجلالة الملكة آن، ملكة انكلترا من 1702 إلى 1707 (تلعب دورها أوليفيا كولمان). ولكن جلالتها لا تقتصر في تفضيلاتها لمن تدنيه منها وتغدق عليه المودة على الحيوانات فقط، فهي تدني منها الصديقات والمستشارات أيضا، اللاتي يتنافسن فيما بينهن للحصول على رضا الملكة، ربما ليس حبا فيها ولكن طمعا في النفوذ الذي يمنحه القرب منها. وكما أن الأرانب سريعة التكاثر، فإن مكانة «المفضلة» لا تدوم لصديقة واحدة طويلا، إنها مكانة سريعة التبدل كسرعة الأرنب في التكاثر، أو ربما كسرعته في الركض فرارا من رصاص القناص.
عودنا لانثيموس في أفلامه على المشاهدة المتطلبة الصادمة القاتمة في كثير من الأحيان، ولعلّ هذا ما نتوقعه منه دوما. ولكن لانثيموس في «المفضلة» على خلاف ما عودنا عليه، ينحي جانبا المشاهدة المتطلبة، ليقدم فيلما لاذعا في سخريته، نصخب بالضحك في بعض مشاهده، ونرقب مكائده السياسية ودهاء المشاركين فيها كما لو كنا نتابع لعبة شطرنج ذكية يتنافس فيها لاعبان حاذقان. يمكننا القول إن «المفضلة» هو أقل أفلام لانثيموس «لانثيموسية» إن صح التعبير، فمن اعتاد على سوداوية لانثيموس ومن يفضلها لن يجد ضالته المنشودة في هذا الفيلم، ولكن الفيلم لا يخلو من بعض لمحات لانثيموس شديدة المكر.
يعيدنا الفيلم إلى أوائل القرن الثامن عشر في انكلترا، تحديدا إلى بلاط الملكة آن، وكل ما يدور في أروقة هذا البلاط ودهاليزه من مؤامرات تحاك سرا وعلناٌ، من تحالفات تعقد، وصفقات تتم، من محاولات لتزيين المصلحة والمجد الشخصي. تخفي الأثواب الموشاة الأنيقة والشعر المستعار والحديث المتكلف، النوازع الحقيقية الدفينة لأصحابها ورغباتهم الحقيقية: الرغبة في الحصول على النفوذ والسلطة والمال، الجشع، وحب الذات. إنه صراع البقاء في الغابة ولكن الغابة هنا ليست في البرية ولكن أروقة الحكم والقصور الملكية. أجواء مترفة متخمة بالطعام والجنس واللهو ولكنها تتستر تحت قناع من التهذيب الذي يخفي الكثير.
تدور أحداث «المفضلة» الذي كتب حواره اللاذع في سخريته البارع في استخدام التعبيرات التي تحمل أكثر من معنى كلا من ديبرا ديفيز وتوني ماكنامارا، عن الصراع الطاحن بين ابنتي عم هما ليدي سارا، دوقة مارلبرا (راتشل فايس) وأبيجيل (إيما ستون) لخطب ود الملكة آن والحصول على تلك المكانة المشتهاة: مفضلة الملكة. الشخصيات الثلاث الرئيسية في الفيلم نسائية، ولكن هذا لا يجعل منه فيلما نسويا، ولا يعني أن مكائده حكر على النساء، فلطالما شهد بلاط الحكام المكائد التي يدبرها رجال ولطالما شهدت أروقة الحكم الصراع بين الرجال للفوز برضا الحاكم.
يبدأ الفيلم وليدي سارا هي مفضلة الملكة آن ومستشارتها وحاملة أسرارها، تدلي بدلوها في أدق تفاصيل حياة الملكة وتنتقد زينتها وملابسها، بل أنها تملك من النفوذ ما يمكنها من التأثير على الملكة بشأن الحرب مع فرنسا. لكن تصل إلى القصر أبيغيل، تصله فقيرة معدمة، لتتوسل عملا من ابنة عمومتها ذات المكانة في البلاط. ولكن سرعان ما يبزغ نجم أبيغيل، وتتعلم سبل التودد إلى صاحبة الجلالة وكسب ودها. ويؤدي ذلك إلى صراع بين ابنتي العمومة، تستخدمان فيه كل الأسلحة من الغواية إلى التهديد والوعيد إلى السم والابتزاز إلى العلاقات السحاقية والعلاقات مع الرجال. كل السبل مباحة طالما تؤدي للاحتفاظ بتلك المكانة المشتهاة: مفضلة الملكة.
لعلّ مكر لانثيموس في الفيلم هو أنه يكشف ذواتنا أمام أنفسنا، فنحن نشاهد المكائد المريرة والكيد بنوع كبير من الاستمتاع، ولا ندين الشرور اللذيذة التي نراها بل نباركها في سرنا. ترى هل لو كنا في موقع السلطة، هل كنا سنلتزم بما هو «أخلاقي» قويم، أم كنا سنكيد المكائد ونرتكب الشرور الصغيرة والكبيرة للاحتفاظ بالسلطة؟ نشاهد مساعي أبيغيل (البديعة حقا إيما ستون) في الصعود ودهاء تحركاتها باستمتاع بالغ، ونشهد التحركات المضادة من ليدي سارا باستمتاع مواز، ونستلذ بالدهاء والذكاء والمكائد.
«المفضلة» يجمع بين عالمين رئيسيين، عالم السلطة وأروقته وعالم النساء وما يعتمل فيه. الشخصيات الرئيسية الثلاث في الفيلم من النساء، بينما يتنحى الرجال جانبا في أدوار ثانوية. ولكن كيف لنا أن نلوم النساء على المكائد التي يدبرنها وهن قد عانين ما عانين في ماضيهن. نعلم من كلمات عابرة أن أبيغيل بيعت كصبية صغيرة لرجل يكبرها بأعوام كثيرة وفاء لدين أبيها السكير الذي بدد ثروة الأسرة. كيف لنا إذن أن نلوم من عانت كل هذه المعاناة أن يصبح لها مخالب تذود بها عن نفسها وإن يصبح لديها دهاء يسعفها ويمكنها من الصعود. إن كنا نعيب على أسلحتها، فيجدر بنا أيضا ان ندين استغلال الرجال الذي دفعها إلى أن تكون بهذا الدهاء.
«المفضلة» لا يقدم أفضل ما في جعبة لانثيموس، الذي جئنا محملين بتوقعات كبيرة منه بعد تحفته «مقتل غزال مقدس». ولكنه يبقى فيلما صغيرا ممتعا، به من الأداء الجيد الكثير.

مؤامرات ومكائد وتاريخ يعيد نفسه
«المفضلة» ليرغوس لانثيموس
نسرين سيد أحمد