«حضور غياب» يفوح برائحة المفقودين و«ليالي بلا نوم» صرخة أم وأسئلة معلقة

[1]

بيروت ـ «القدس العربي»: إن كان الموت حق وراحة، فاختفاء الأعزاء خلال الحروب كابوس لا ينتهي إلاّ بالموت. 40 سنة مرّت على الحرب الأهلية في لبنان و17 ألف مفقود ومخطوف مصيرهم مجهول، وأسئلة عائلاتهم معلقة في الهواء. لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين لم تيأس من المطالبة بإجابات وحلول تمكن العائلات من معرفة مصير أبنائها. فالجرح جرحها، والقلق قلقها.
تأسست لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في تشرين الأول/أكتوبر 1982. ولأن أمراء الحرب وقادتها باتوا حاكمين ـ ولا يزالون ـ في لبنان منذ اتفاق الطائف سنة 1990 أصدروا عفواً عاماً عن ذاتهم وعن ميليشياتهم، وهذا ما رفضته لجنة الأهالي. تدأب تلك اللجنة بكافة الوسائل المتاحة لكي تبقى قضية الأحبة المفقودين في البال. فشهر آب/اغسطس المنصرم شغل لبنان من أقصاه إلى أقصاه بنشاط مميز، وانتهى في 30 منه وهو اليوم العالمي للمفقودين والمخطوفين.
«حق المعرفة» شعار لا ينساه كل من له مفقود. بعد 35 عاماً على نشاط لجنة الأهالي بات مطلبها الأول والملح جمع الحمض النووي من الأهل. فالأمهات والآباء والإخوة بدأوا بالرحيل من الحياة. فهل سيفعل أي مسؤول؟
قضية المخطوفين والمفقودين شغلت العديد من الفنانين على مستوى لبنان جميعه. تحققت الكثير من الأفلام حول هذا العنوان المصيري. نُظمت معارض، وكان لفن الغرافيتي حصته الواسعة في التعبير. تضامن الفنانون على الدوام متكاتفين مع لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين. رافقوهم إلى خيمتهم الدائمة في حديقة الإسكوا. وإلى هناك كان السينمائي الراحل جان شمعون يذهب دورياً مطمئناً على ساكني المكان، مشاركاً إياهم في الأتراح والأفراح. فقد توطدت صلته بهم عندما قدم مع مي المصري فيلم «أحلام معلقة».
بمناسبة اليوم العالمي للمفقودين 30 آب/اغسطس نظمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان معرضاً بعنوان «غياب حضور». المفقودون حاضرون أو هم في طريقهم للحضور. أشياؤهم على حالها تنتظر عودتهم. رُكنت صورهم على آنية إلى جانب ركوة القهوة والفناجين. الجميع في الانتظار، حتى الصور التي حلّت محل اصحابها. هي قصص الآلاف الذين فقدوا، والآلاف المؤلفة الذين تفتقدهم. إنها حكاية حياة معلقة.
اجتمع في معرض «غياب حضور» أربعة فنانين ومصورين. معرض لامس الحياة، واقترب من خصوصيات المفقودين. ولهذا أتى عنوان «غياب حضور» شديد الدلالة. شهادات مكتوبة وصور لمن يحضنون صور مفقوديهم. «غياب حضور» باد في الأثاث المنزلي المكلل بالأقمشة البيضاء. الصورة المعلقة لفها منديل. لف القماش كل شيء حتى الفاكهة، فلا تزال في الانتظار. زمن الانتظار طال ولم يعد بعد أهل البيت. صار وجه الغائب مبهماً في جانب آخر من المعرض. يحاول المنتظر ترميم صورة الذاكرة، قد يستطيع، وفي الغالب يفشل، وقد تتشظى الذاكرة والصورة معاً.
في المطبخ صوت حوار من بعيد، جلي ومفهوم. أمهات مخطوفين يتحدثن ويتساءلن: «إذا وصلوا ولادك بنص الليل شو بتعملي»؟ الجواب: «شو بعمل؟ بعمل تبولة». رجل من معدن يجلس إلى الطاولة. إنه الغائب الحاضر. في ركن آخر صارت الصورة كتلة. أو تمزقت كما يفعل أصحاب الأستوديوهات بصورهم القديمة، ومن ثم جُمعت كما قطع اللغز غير المتداخلة. حاجات الأشخاص الخاصة مركونة بالانتظار.
في «غياب وحضور» شاركت ماريا كساب، وتانيا فان دير، وباتريك باز، وناتالي نقاش، وجوليان بونان وحسين ناصر الدين. كل فنان عمل على فكرة خاصة، تلاقت جميعها لتقول مشاعر «غياب وحضور». سكن المفقودون المكان بهالة تخترق كل من يدخل المعرض في كاليري «آرت أون 56» في الجميزة.
الفنان حسين ناصر الدين لم يعش الحرب الأهلية، لكنه يعرف عائلات كثيرة فقدت أحباء. «تدركنا الحرب من حيث لا ندري، لها طريقها السحري كي تعود من جديد». ويضيف: رغبت في تناول التراث الشفهي، وهو عبارة عن قصص وحكايات أهالي المفقودين ومن حولهم. تراث سمعي تحكيه أم المفقود للجارة وتنتقل القصص إلى كثيرين. من راو لآخر ومن قصاص لآخر، وهكذا تصبح للحكاية أو الخبرية حياة خاصة بها، فكل من يروي القصة يضيف من ذاكرته الشخصية. وهكذا تصبح الحكاية كما الحديقة التي تنبت فيها ورود من تلقاء ذاتها. انصب اهتمامي على التراث الشفهي، وكيف يتطور دون إرادة منا. وفي مقابل ذاك التراث الشفهي كان الحرص على بقاء الأشياء كما هي، فجللت المفروشات بالقماش لحفظها. هو اللقاء المتوازي بين الأشياء والذاكرة.
في حكاية البذّة المجللة على الجدار يقول ناصر الدين: هكذا يحفظ الأهل رائحة المخطوف. حفظ الملابس كحفظ الزوج أو الإبن. وجود البذّة على الجدار احتفاء بها. «حضور غياب» معرض يحاكي أهالي المفقودين قبل أي أحد آخر، شكل حواراً بين الأهل والفنانين، وترك جيلاً لم يعش معاناة الحرب يتعاطف مع قضية المخطوفين. نتمنى كفنانين أن نشكل مع غيرنا من المبادرات الطيبة، قوة ضغط لإقرار مشروع القانون الخاص بالمخطوفين والموجود في مجلس النواب منذ سنة 2012.
الفن هو تعبير صادق عن مشاعر الناس. ويضيف حسين أيضاً: في حال المخطوفين ، قد يعجز التفاعل البشري البسيط من التعبير عنها. حجم الحزن، والغضب، والحب أو المشاعر المطلقة قد لا تكفيها الكلمات رغم كونها نوعا من الفن. للفن قدرة التعبير عن المشاعر الجياشة والكبيرة بحيث يتشارك فيها الفنان مع محيطه من الناس.
الفنان والمصور التجريبي جوليان بونان استحضر في ركنه الخاص بعضاً من حاجات المفقودين. نسقها بسياقها الزمني وتركها دون غطاء. في محطة الصورة التجريبية التي يهواها ويتقنها تجعدت الصور، وأخرى صارت قريبة من اللغز بعد أن مزّقها الزمن. يوضح بونان اهتمامه بهذا المعرض كفرنسي: موضوع المفقودين يلاحقني منذ زمن طويل. أعمل على موضوع الصورة التي يمكنها أن تحمل الحقيقة، وفي الوقت نفسه تزويراً أو مغالطة للحقيقة. أهتم بموضوع الصورة التي تحمل الذاكرة المجمدة والمستقبلية. موضوع الصورة التي يحملها الشعب الفلسطيني منذ النكبة استوقفني كثيراً بما شكلته من رمز للحقيقة التي مرّت أو مضت. وكوني مصور استوديو أهتم بحرفة التصوير في حد ذاتها. فكم للصورة أن تتغير حين نغير خلفيتها. هي جماليات اهتممت بها ورغبت أن يتشارك الأوروبيون مع الشرق أوسطيين فيما يعيشونه من مشاعر قاسية.
يشرح جوليان بونان دوافعه من تجعيد الصور: هو نوع من استعارة الذاكرة وكيفية تعرضها للتشويه والتحول. سعيت لفعل مضاد لعمل زميلي حسين الذي حفظ الأشياء وكأنها مقدسة. قمت بتحويل وتشويه الذاكرة. ومن عادات المصورين في الاستديوهات حفظ نيغاتيف صورهم، وإن لم يسأل عنها الزبون يتخلصون منها عبر التمزيق أو التجعيد. رغبت في اللعب على بعض عادات حرفة التصوير وعلاقتها بالذاكرة. أن تتوازى صورتان مجعدتان لمفقود واحد إنما بشكل مختلف، فهذا يعيدنا إلى أهالي المفقودين الذين يصعب عليهم اليوم إعادة تكوين صورة عن أحبائهم الغائبين. فالصور تتشكل، تتجعد ويعاد إنتاجها في بالهم.
إلى 17 ألف مفقود في لبنان أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن 100 ألف آخرين لف مصيرهم الغموض غالبيتهم من الدول العربية وخاصة من سوريا، والصومال، وليبيا وسواها من أنحاء العالم. هل لدى جوليان بونان طاقة للمزيد من العمل على موضوع الذاكرة والغياب؟ يقول: طبعاً هو موضوع صعب ومنهك، ويحتاج للكثير من الطاقة، لكني أشعرها طاقة جميلة. أرغب في العمل على الصور والأرشيف الحميمي، كونه يمدنا بما نفتقده في الأرشيف العام والكبير. الأرشيف الحميمي يمد الفنان بمزيد من الطاقة للعمل والبحث. ورغم كونه عملا يستنزف من يقوم به لكنه دائماً يشحنني بالشعلة للعمل والشغف.
في السينما الوثائقية أو الروائية تعددت الأفلام التي صنعها مخرجون لبنانيون عن المخطوفين والمفقودين. فيلم المخرجة إليان الراهب «ليالي بلا نوم» في العنوان والمضمون قال حقائق، وخاض مواجهات تستحق التوقف عندها. «ليالي بلا نوم» وثائقي طويل. ارتكز على شخصيتي أسعد شفتري القائد السابق والتائب لمخابرات حزب القوات اللبنانية، ومريم سعيدي «أم ماهر». ام افتقدت أثر ابنها منذ هاجمت القوات وأحتلّت مبنى كلية العلوم في الحدث وقضت على من كانوا فيه خلال الاجتياح الصهيوني للبنان سنة 1982. ترى إليان راهب في تقديمها أي فيلم أنه ناتج عن أسئلة تلح عليها. أسئلة تسبب بها موضوع معقد. وتقول: أرغب في تفكيك التعقيد عبر طرحه في السينما. كان أسعد شفتري أساس الفيلم للسؤال عن الدمار الذي تتركه الحرب على الناس والشخص نفسه. ومقابل الشخصية التي تدخل في صلب الحرب هناك الضحية، وكانت «أم ماهر». فقصتهما تلاقتا، كون شفتري شارك في تخطيط الهجوم على كلية العلوم حيث فقد أثر ابنها.
تقول إليان الراهب أن «أحدا لا يدخل فيلما ويخرج منه كما كان». وتضيف: «ليالي بلا نوم» استغرق الكثير من البحث والوقت في كافة مراحله، وليس لي مغادرته بسهولة. غيّر الفيلم أشياء في، ودوري كمواطنة أولاً وفنانة تأكّد في هذا الفيلم. هو تورط للسؤال عن موضوع صمتت الدولة ولا تزال حياله. هو تأكيد على مواطنية فعّالة وليست متلقية فقط.
في مشهد عفوي جمع أم ماهر بأسعد شفتري صرخت به من أعماق قلبها: أسعد شفتري أنا هلق شو بعمل بدي أعرف وين تراب ابني؟ صرخة قد تكون وصلت لكافة الأمهات اللواتي فقدن ابناً أو بنتاً. تصف المخرجة إليان الراهب ما لم نشاهده في الفيلم بالقول: لا تحقد مريم سعيدي على أسعد شفتري. هو الوحيد الذي رغب بالكلام، وهي التي تملك أسئلة دون إجابات منذ 35 سنة. كان أمامها فأمطرته بغضبها كـ»فشة خلق». في جولة العروض التي نُظمت لـ»ليالي بلا نوم» في كل لبنان، كانت أم ماهر وشفتري برفقتنا. ووجودهما كان يفاجئ الجمهور. فهما معاً شخصان فعّالان في المجتمع المدني الذي يتابع موضوع المفقودين، ولقائهما الأول تمّ هناك، وليس من خلال الفيلم. اللقاء في التصوير له أثر مختلف. بالمناسبة لدى مريم سعيدي حقد على الحزب الشيوعي أكثر من القوات. تحقد على الحزب الشيوعي لأنه زودها بإفادتين عن ماهر الذي كان في صفوفه. واحدة تقول انه فقيد، وثانية تقول بأنه متوفي. وتتهم الحزب بقبض المال من ليبيا على من ماتوا. وعندها يحتدم الموقف في أرشيف جريدة الحزب. الفيلم متشعب ويضم أصواتاً من أحزاب عدة منها حركة أمل.
توافق الراهب على توصيف الواقع بـ»الفضيحة» فأسعد شفتري ينتظر جهة موثوقة كما الصليب الأحمر الدولي ليعطيها كل ما لديه من معلومات، أو أي جهة أخرى مستعدة لنقاش وطني عام. وتضيف: ليس لنا أن نحلم بأن الفن قادر على التغيير. دوره أن يطرح الموضوع على الرأي العام، وبالتالي السعي لإيصال قصة يمكن أن تعني كافة الناس. لم أتمكن من أيجاد جثمان ابن مريم، ولكن تحدد المكان تقريباً. فتح المقابر الجماعية عمل القضاء. تعرف مريم أن قصة ولدت لإبنها مع الفيلم، وهي بدورها زرعت له زيتونة حيث يشتبه بوجود المقبرة وكتب اسمه قربها. أن يصبح للمفقود ماهر كيان شكل راحة نفسية لأمه. ومن جهتي وجدت بعض الأجوبة من أسعد شفتري. ولا شك بوجود المزيد من الأسئلة عندي.

«حضور غياب» يفوح برائحة المفقودين و«ليالي بلا نوم» صرخة أم وأسئلة معلقة
الفن تعبير عن مشاعر حزينة وقاسية
زهرة مرعي