محمد علوان في لماذا تكرهين ريمارك؟: سلطة التخييل الروائي في تفكيك سردية التاريخ

مروان ياسين الدليمي

Sep 08, 2018

على الرغم من ان الواقع بشخصياته وأمكنته وأزمنته يستيقظ شاخصا على طول المبنى الحكائي في رواية «لماذا تكرهين ريمارك؟» الصادرة عن دار الحكمة في لندن 2018، إلاّ ان مخيلة المؤلف محمد علوان، تنفرد بسلطة إجراءاتها السردية، وقد أمسك من خلالها بكل الخيوط التي تفرضها لعبة السرد، بذلك تحققت شكلانية البناء إلى الحد الذي أصبح من الصعب التمييز بين الواقع والواقع المتخيل، بمعنى ان بنية السرد قد استلهمت طاقتها في تحريك كافة العناصر الروائية على ما تمتلكه مخيلة المؤلف من حرية لا حدود لها في التعامل معها.

ما بعد القص

اعتمد محمد علوان في هذه الرواية على ما تختزنه تقنيات ما بعد القص من امكانات في بناء خطاب روائي يمنح تقنيات السرد مساحة من الحركة والحضور، وقد عبر عن ذلك بتفكيك سرديات التاريخ وذاكرته بسرديات تتحرك من وحي المخيلة، لخلق ذاكرة روائية مضادة، حيث تم تفكيك بنية الزمن الموضوعية لتأخذ شكلا قائما على التداعي الحر، عندما تولت شخصيات الرواية الرئيسية مسؤولية القيام بمهمة الصوت السادر، فالزمن لم يعد خارجيا انما تحول إلى زمن داخلي ذاتي اكتسب شكله الدرامي من تعدد الأصوات الساردة له، والتناول وفق هذا الإطار الانعكاسي للتاريخ يأتي في سياق نسف ادعاءات الحقيقة في الزمن الواقعي.
انفتحت الرواية على التاريخ العراقي عندما تعرضت لسلطة القمع في نظام دكتاتورية الحزب الواحد أثناء حكم حزب البعث، وهذا ما دفع شخصية برهان، إلى ان يهرب في اتجاه بيروت. كما تناولت الحرب العراقية الإيرانية عبر شخصية رزاق شقيق برهان وثريا، الذي قتل في تلك الحرب، لتصل الرواية في تناولها للتاريخ إلى ما وقع من عنف طائفي ومذهبي بعد العام 2003 وهيمنة الملثمين والميليشيات على الحياة. إلاّ ان العلاقة بين سلطة الحدث التاريخي وأحداث الرواية، أخذت مسارا معقدا تداخل فيه المتخيل الروائي مع الحدث الواقعي، وهذا ما يبدو في اعتماد المؤلف على تقنية النص داخل النص، حيث تم تضمين الرواية ما كتبه من سيناريوهات أكرم عبد الرحمن، الصديق الوحيد للشخصية المحورية برهان، متناولا فيها موضوعة الحرب من بعد ان فقد ساقه على إثر انفجار سيارة مفخخة، ليقرر بعد هذا الحدث ان يتفرغ للكتابة ويسلم مسؤولية إدارة ما ورثه عن والده من عقارات إلى وكلاء يتولون هذه المهمة، فأحدث التوظيف التناصي لتلك السيناريوهات مفارقة تهكمية ساخرة من الحدث الواقعي وتهشميا لرواية الحدث التاريخي.
هذا العمل الروائي تمركز على رؤية فنية تزيح الفجوة التي تفصل الأدب عن التاريخ، بمعنى انها تنسف العلاقة التقليدية ما بين الاثنين من خلال سلطة التهكم بالماضي وإحداث علاقة تضادية تتقصد إحداث قطيعة معه ومع الواقعية باعتبارها أسلوبا وتقنية بنائية في تناول الواقع، ومن خلال هذا التداخل القائم ما بين المتخيل والواقعي، لم تعد هناك من مسافة بينهما.
اللجوء إلى تقنية النص الضمني منح المبنى الحكائي جنوحا واضحا في بنيته الشكلية، وكان ذلك مراهنة تقنية من قبل المؤلف محمد علوان، قصد من خلالها كسر الرتابة الكلاسيكية في البناء السردي، وهو اختبار ضمن اختبارات أخرى باتت تفرض حضورها في مسار النتاج الروائي العراقي الحديث تتوخى السير في بنية فنية تعيد صياغة العلاقة بين المؤلف والمتلقي والنص الروائي، وقد بدأنا نشهد محاولات حثيثة لتشكيل هذا المبنى التضادي للبنية التقليدية، مع إقرارنا بان هذا المسار ما يزال في حالة من الصيرورة، وبلاشك سيفضي إلى تجارب واضحة وربما مهمة .

أنسنة المكان

دلالة المكان هنا ليست بقيمته الفيزيائية أو الجغرافية، انما بما يحمله من مخزون روحي وإنساني، وهذا ما تشير إليه الأسطر الأولى في الرواية عندما يصف الراوي العليم البيت الذي تسكنه شخصية باجي ثريا، شقيقة برهان «ها هي تقف وحيدة الآن، إلاّ مِن روائح تنتشر في كل زاوية من زواياه. تضع رأسها على الكتل الصماء للجدران المشبعة بهذه الروائح».
على ذلك لم تكن مدينة بيروت باعتبارها «مكانا» بديلا اختاره برهان ليكون ملاذا آمنا له، قد امتلكت تلك السلطة التي تتوهج الروح من خلالها رغم الطمأنينة التي وجدها فيها بعد ان نجح في الهروب من العراق باسم مزوَّر حيث استعار اسم صديقه «أكرم» ليتمكن من الإفلات والخلاص من متابعة الأجهزة الأمنية «ثمة ذاكرة كبيرة في داخله، دائما، هي مدينة الثورة، وهي أكبر من ان تسعها كل ذاكرات العالم».
هنا في هذه الرواية يكتسب المكان دلالته وأهميته لأنه يحدد طبيعة الشخصيات وردود أفعالها وفقا لما تحمله من عمق وتجربة إنسانية وتواصل مع الآخرين من خلال المكان ذاته، فالحي السكني الشعبي المسمى «قطاع 18» في مدينة الثورة، الذي احتوى الشخصيات الرئيسية (برهان وشقيقته ثريا وصديقه أكرم عبد الرحمن) كان مسرحا لسيرهم الذاتية وتجليات علاقتهم الثنائية مع العالم التي تأرجحت ما بين الحضور والغياب. والمكان بهذا السياق الدلالي سيفرض اشتغالاته السردية المتواترة وتراسله الرمزي بالقدر الذي يكون فيه مشفَّرا بمحمولات الهوية الإنسانية، بأبعادها الاجتماعية.
ثريا: «لست وحدي في بيت ضاج بحياة ما زالت كل جدرانه موشومة بذكريات عشرات السنين، فثمة، برهان، الذي هرب بعد ان ضاق عليه الخناق. وثمة، رزاق، الذي هرسته مخالب أشرس حرب، وأطولها، ولم تترك بيتا إلا أقامت فيه مناحة».

تقنية التناص

التناص المتكئ على السيناريوهات السينمائية التي كتبها أكرم عبد الرحمن، حققت سردية صغرى في مواجهة سرديات التاريخ والواقع، والغاية من اللجوء إلى هذه التقنية، الوصول إلى تفكيك الترابطات القائمة بينهما، وبناء سرديات جديدة للأحداث، تضع المتلقي في حالة من الرفض والتأمل والتأويل، تأخذ به إلى مستوى عال من القراءة تسعى إلى ان تفتح مدارات مغلقة في آفاق النص الذي يتركب من زمنين روائيين، على اعتبار ان الرواية تحمل في داخلها نصا روائيا ضمنيا يتداخل ويتوازى ويتقاطع مع النص الروائي الأساسي. ومع هذه البنية الفنية المركبة من التاريخ والسيرة الذاتية والمتخيل الروائي نقف أمام فضاء سردي يتواجه فيه الحب والجمال والفن مع الحرب والموت والواقع.
اعتمد المؤلف محمد علوان في بناء عالمه الفني على تقنيات متنوعة: الرسائل والأفلام والنصوص القصصية والمذكرات والأغاني، ليقدم لنا عالما روائيا تحتشد فيه مجموعة من الشخصيات تحمل في داخلها طاقة هائلة على مقاومة الموت والقهر والقمع والاستلاب، ولم تكن هذه المقاومة تستند على أي سلاح سوى الحب.
إذن هي رواية عن الحب بقدر ما تتصدى لموضوعة الحرب التي تطارد الإنسان وترسم مصيره التعس كما هي رواية «للحب وقت وللموت وقت» للكاتب الألماني أريش ريمارك، الذي استعار منه المؤلف عنوان روايته من بعد ان وضعه عنوانا لإحدى اللوحات التشكيلية التي رسمها برهان نوري عبد العزيز، فالحب كان الجدار الذي استندت عليه جميع الشخصيات الرئيسية، برهان وثريا وأكرم وهالة وسميرة ورندة.
محمد علوان:
«لماذا تكرهين ريمارك؟»
دار الحكمة، لندن 2018
180 صفحة.

محمد علوان في لماذا تكرهين ريمارك؟: سلطة التخييل الروائي في تفكيك سردية التاريخ

مروان ياسين الدليمي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left