بعلبك اللبنانية مدينة الشمس وقلعتها شاهدة على الحضارة والتاريخ

سعد الياس

Sep 08, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: زيارة بعلبك ليست كأي زيارة عادية في لبنان، فهي تعيدك إلى العراقة والحضارة والتاريخ الغابر، حيث شيّد الرومان معابد ضخمة فيها وباتت مقصداً للسيّاح ولأشهر الفنانين ومحطة لأبرز المهرجانات الدولية. وإذا كانت بعض مظاهر السلاح المتفلّت شوّهت صورة مدينة الشمس وانعكست سلباً على حركتها السياحية في السنوات الأخيرة، إلا أن الخطة الأمنية الأخيرة التي يفترض أن تواكبها خطة إنمائية، أعادت الأمل إلى نفوس أهالي بعلبك باستعادة المدينة موقعها الفريد في البقاع الشمالي وازالة الصورة التي أسهم بعض الإعلام في تظهيرها وخصوصاً بعد مسلسل «الهيبة» الذي أبرز وجه منطقة بعلبك ـ الهرمل كمنطقة متمردة وخارجة عن سلطة الدولة يسودها فوضى السلاح على حساب صورة أهالي بعلبك الذين يتميّزون بالشهامة والكرم وحسن الضيافة.
وبهدف إبراز الوجه الجميل لمدينة بعلبك كانت رحلة إعلامية لعدد من وسائل الإعلام بدعوة من جمعية «Safe Side» لاطلاعهم عن كثب على الوجه الآخر لبعلبك وجوارها وعلى أنها مدينة سلام ومحبة. وهذا ما لاحظته «القدس العربي» التي شاركت في الجولة وما لمسته بعد منتصف الليل في طريق العودة إلى بيروت حيث عبرت عدداً كبيراً من القرى والبلدات التي يتردّد اسمها في الإعلام على أنها ملجأ للمطلوبين بمئات مذكرات التوقيف وأنها مكان تُرسّل إليه السيارات المسروقة من العاصمة ومناطق لبنانية أخرى ويتم التفاوض على استعادتها مقابل مبالغ مالية. وبدت بريتال صباحاً هادئة وكأنها كاراج كبير لبيع قطع السيارات التي تعج بها بعض الساحات، فيما غرقت ليلاً في ظلام بعد الخطة الأمنية وما رافقها من مداهمة نوعية لمطلوبين أدت إلى مقتل 8 وجرح آخرين.

أضخم حجر في العالم

الطريق من ساحة الشهداء إلى مدينة بعلبك استغرقت حوالي ساعتين تخللتها وقفة قصيرة في شتورة وأخرى عند مدخل المدينة في مستشفى دار الأمل لصاحبه الدكتور ركان علام الذي كان في استقبال الوفد الإعلامي وشرح لهم مسيرته التي دوّنها في كتيّب تحت عنوان «سمفونية العذاب» وماذا يقدّم المستشفى من خدمات.
بعدها تمّ العبور إلى بعلبك من مدخل جديد وفق خطة السير المعمول بها تقود إلى مقام السيد خولة ومنه إلى ساحة المطران وصولاً إلى قلب المدينة. والمحطة الأولى كانت أمام أضخم حجر في العالم والمعروف بـ «حجر الحبلى» الذي كان موقعه مهملاً قبل أن يقبل أحد أبناء بعلبك التحدي وينظّف الموقع ويمنع رمي النفايات فيها ويعيده مقصداً للسيّاح ولبيع بعض الأدوات التراثية التي ترمز إلى تاريخ المدينة وعاداتها وتقاليدها ومن بينها الكوفية البعلبكية.
المحطة الثانية كانت أمام «بركة البيّاضة» التي قيل إن قلعة بعلبك بنيت بسبب وجود هذه البركة التي كانت تنعم بالمياه. أما اليوم فتعاني هذه البركة من الجفاف من دون تأكيد السبب، وفي ما إذا كان حفر بئر على موقع النبع الأساسي. ورغم المطالبات منذ أربع سنوات لم تتم المعالجة وظهرت التشققات في أرض البركة وكيف أن طيور البط المتبقية تفتّش عن المياه من دون جدوى.
على مقربة من البركة هناك حديقة «المرجة» التي تمتد على مساحة 50 ألف متر تقريباً والتي كانت تشهد حركة خجولة في فترة ما قبل الظهر قبل أن تنشط بعد الظهر ومساء. أما المقاهي فتشهد إقبالاً ملحوظاً في النهار وكثيفاً في فترات الليل وهذا ما لمسناه في مقهى «ليالينا» الذي كان يعجّ قرابة منتصف الليل بالروّاد وخصوصاً محبي الأرجيلة. وهنا يقول رئيس جمعية «Safe Side» لـ «القدس العربي» إن «لدينا في بعلبك أشهى المأكولات بأرخص الأسعار ولدينا أرخص أرجيلة في لبنان خلافاً لسعرها في باقي المناطق اللبنانية».

معابد تاريخية

التنقّل في الباص لا يجوز من دون الموسيقى والأغاني البعلبكية التي يحفظها أهالي المدينة عن ظهر غيب وفي طليعتها الأغنية الشعبية «عيونا ولو» والتي تترافق مع رقصات وتصفيق الصبايا اللواتي رافقن الوفد الإعلامي من رأس العين إلى قلب المدينة وأسواقها الشعبية والتراثية حيث كانت في الاستقبال فرقة رقص الدبكة على الرصيف أمام جمهور من أهالي بعلبك للترحيب بالإعلاميين الذين يشاهدونهم على الشاشات وهم يرونهم في مدينتهم وجهاً لوجه، فشبكوا الأيادي معهم ورقصوا الدبكة والتقطوا الصور التذكارية، لتبدأ المسيرة الراجلة في شوارع المدينة الضيّقة التي تعجّ بالملاحم التي قدّمت اللحم النيء للضيوف والسفيحة البعلبكية المشهورة التي لا تخلو عن الموائد.
الجولة تستمر من زاروب إلى آخر حيث تزدحم المحال التجارية الصغيرة التي توارثها الأبناء عن آبائهم وأجدادهم ولم يدخلوا عليها أي تعديل، بل حافظوا على طابعها القديم ومن بينها محل لبيع البهارات بقي على حاله منذ العام 1948 ويُعتبر أقدم محل لبيع البهارات في لبنان. ثم محل الأصدقاء للعصير الذي قدّم المرطبات وصولاً إلى فرن التنور الذي جعل الإعلاميين يطلعون على كيفية اعداد الفطاير والمناقيش.
نمشي بمحاذاة كنيسة القديسة بربارة والقديسة تقلا للروم الكاثوليك، التي بنيت عام 1897 والتي تقع على مقربة من كنيسة مارونية وأخرى للروم الاورثوذكس وعلى مسافة غير بعيدة من المسجد في منطقة رفع في وسطها العلم اللبناني الذي يشرف على القلعة الرومانية.
الدخول إلى القلعة تتفاوت أسعاره من 10 آلاف ليرة للبنانيين والأشقاء العرب إلى 15 ألف ليرة للأجانب، والجولة في القلعة تستغرق حوالي ساعتين إلا أن لهيب الشمس في شهر آب/اغسطس جعلها تقتصر على بضعة معابد تاريخية وعلى المعرض. وشوهدت أعمدة بعلبك الستة في حال تأهيل لانقاذ معبد جوبيتر بناء لملاحظات تقرير اليونسكو حفاظاً على الإرث العالمي من تشوّهات طالت ترميم معبدي باخوس وفينوس.
وبعد زيارة إلى محل حلويات الجوهري الذي اخترع النمورة بالقشطة، كانت استراحة في فندق بالميرا الشهير المطل على القلعة والذي استضاف كبار الفنانين اللبنانيين والعرب من فيروز وفريد الأطرش إلى الرؤساء والشخصيات السياسية والعسكرية كالجنرال الفرنسي غورو. ثم كانت دعوة عند التاسعة ليلاً إلى حضور مسرحية جورج خباز الكوميدية «إلا إذا …» التي تروي قصة أناس من مختلف الطوائف والمذاهب والانتماءات السياسية يعيشون في بناية مهددة بالسقوط وترمز إلى الوطن ويتناحرون في ما بينهم بسبب عدم القدرة على الاتفاق على حل بشأن مصير البناية.

خطة انمائية

الجولة الميدانية لم تغب عن عيون إعلامييها صور قيادات للثنائي الشيعي وعلى رأسها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري والامام المغيّب موسى الصدر وصورة تجمع بري والصدر مع الوزير غازي زعيتر، مما يعطي انطباعاً عن التوجّه السياسي الطاغي على وجه بعلبك، على الرغم من أن في الطريق إلى بعلبك وفي قضاء زحلة تحديداً رفعت صورة لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع تدلّل على اختلاف الانتماء السياسي في منطقة البقاع.
يبقى أن منطقة بعلبك وإن عاد إليها موسم السياحة والمهرجانات، إلا أن أصحاب الفنادق والعاملين فيها يشكون من ضعف حركة الحجوزات ومن قيام لجنة مهرجانات بعلبك بتأمين باصات للمشاركين في المهرجانات بدل تشجيعهم على قضاء ليلتهم في فنادق المدينة وهذا ما جعل هذه الفنادق تتراجع ولا تشهد تحسينات كتلك التي تشهدها فنادق بيروت وباقي المناطق. ويهمس بعضهم أن هناك على الأرجح حسابات سياسية للبعض في المنطقة تجعله لا يشجّع إزدهار حركة السياحة والمهرجانات بشكل كبير كي لا ينعم أبناء المنطقة بالرخاء والتحرر من الحرمان ما يفقدهم الحاجة إلى بعض القيادات ويجعلهم يخرجون تدريجياً من العباءة السياسية لبعض الأحزاب، ولاسيما أن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة أظهرت خرقاً للائحة الثنائي الشيعي من جانب تيار المستقبل والقوات اللبنانية.
في كل الأحوال، تبقى بعلبك بحاجة إلى خطة انمائية وإلى تحسين مستوى الزراعة والتعليم والاستشفاء كي لا يموت أحدهم على الطريق في انتظار الوصول إلى مستشفى مرموق في بيروت والضواحي.

بعلبك اللبنانية مدينة الشمس وقلعتها شاهدة على الحضارة والتاريخ

سعد الياس

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left