ترامب والأونروا: تفكيك الحركة الوطنية الفلسطينية وفرض حل على الفلسطينيين بالقوة فهل سيركعون؟

إبراهيم درويش

Sep 08, 2018

لم يكن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف المساهمة الأمريكية وبشكل كامل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» مفاجئا. فهو في النهاية يتساوق مع تصرفاته منذ وصوله إلى البيت الأبيض وتعامله مع قضايا السياسة الخارجية بمزاجية وقلة فهم لها. وكما كشفت تسريبات من كتاب بوب وودورد «الخوف» ما يقوله العاملون معه من الوزراء والمستشارين بأنه يتصرف بحمق وأن مستواه العقلي كما قال مسؤول بارز، لا يتجاوز مستوى إبن صف خامس أو سادس إبتدائي مما يجعله ليس خطرا على أمريكا بل والعالم وعلى حلفائه أيضا.
وبدأت الحملة على الوكالة التابعة للأمم المتحدة والتي تعمل منذ عام 1949 لتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين وأبنائهم من الذين شردتهم حرب عام 1948 أي بعد قيام دولة إسرائيل، بداية العام الحالي عبر تسريبات وقصص في الإعلام عن الوكالة الأممية.

شريران وشيطان

وفي مركز الرواية شريران ظهر أنهما لعبا دورا محوريا في بناء القصة والهجوم على الأونروا باعتبارها «عقيمة» و «فاسدة» و «تسهم في إطالة أمد النزاع» لا حله. وهذان هما جارد كوشنر، صهر ومستشار ترامب الذي كلفه بملف التسوية وما صار يطلق عليه بـ «صفقة القرن» أما الشريرة الثانية فهي وجه ترامب في الأمم المتحدة نيكي هيلي، التي عيرت الفلسطينيين أكثر من مرة أو الرئيس محمود عباس بانه «عض» اليد الأمريكية التي امتدت إليه بدلا من مد يده. وهذان لعبا دور التحريض والدفع باتجاه تخفيف الدعم ثم قطعه نهائيا عن الفلسطينيين ومعاقبة السلطة الوطنية على موقفها من قرار ترامب نهاية العام الماضي الإعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
وقدم هذا القرار على أنه وفاء بوعد انتخابي وبدون مقابل وتخلى بالتالي عن ورقة ضغط مهمة على إسرائيل كما ناقش توماس فريدمان في حينه وكرر ما قاله قبل يومين في مقالته بصحيفة «نيويورك تايمز» وفي حينه قال ترامب إنه يعترف بواقع قائم وأن القدس لم تعد على طاولة البحث. أما الشيطان الأكبر فهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

تغيير قواعد اللعبة

ويرى المحللون أن إدارة ترامب التي غيرت عرفا مشت عليه السياسة الخارجية الأمريكية وعلى مدى عقدين تقوم بخلق واقع جديد وتغيير شروط اللعبة ولكن من طرف واحد.
وبات حتى حلفاؤه العرب خائفون من خطواته. ولاحظ المراقبون أن قرار الملك سلمان بن عبد العزيز إطلاق اسم قمة القدس على اجتماع الجامعة العربية الذي انعقد في الظهران كان محاولة لكبح تهور ابنه ولي العهد الأمير محمد الذي أطلق هذا العام سلسلة من التصريحات التي أثارت حتى دهشة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، بشأن حق اليهود في وطنهم. وبدا بن سلمان ماضيا في فكرة الإدارة عن حل الصراع التي حملها إليه صديقه كوشنر. وتعتقد إدارة ترامب أن إزالة القضايا الرئيسية في النزاع تساعد على فرض واقع جديد يؤدي لحل في جانب إسرائيل على الأعم الأغلب، لكن التخلص من القضايا التي تهم الفلسطينيين خاصة حق العودة لن يؤدي للحل، بل يعقده ويخرج أمريكا من العملية كلها باعتبارها لم تعد عرابا نزيها. وليس غريبا رفض السلطة الفلسطينية التي يقودها الرئيس محمود عباس التعامل مع إدارة ترامب أو موفديه. ومن هنا يفهم قراره الأخير تدمير الأونروا والدعوة لإعادة النظر في مفهوم اللاجئ الفلسطيني باعتبار أن الرقم وهو 5.5 مليون ونصف غير صحيح، وهذا في الحقيقة مطلب إسرائيلي ولطالما رفضت إسرائيل حق العودة الفلسطيني لأنه ينقض حق العودة اليهودي. وفي ظل القانون الذي مرره الكنيست حول الدولة القومية وحق تقرير المصير اليهودي بات تقويض وإنهاء فكرة العودة الفلسطينية أمرا ملحا على أكثر الحكومات تطرفا في تاريخ إسرائيل. ويرى إيلان غولدنبرغ، الدبلوماسي الأمريكي السابق أن تدخل إدارة ترامب لكتابة قواعد اللعبة من جانب واحد، يعني أنها أخرجت نفسها من دور الوسيط، حسبما نقل عنه موقع «بلومبيرغ» (6/9/2018). ونقل الموقع عن حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، إن أمريكا تحاول «تفكيك كل قضايا الحل النهائي بما في ذلك القدس المحتلة، واللاجئين الفلسطينيين وحق العودة وحل الدولتين وحدود 1967، وشرعية المستوطنات، مدمرة بذلك فرص السلام».
ويرى كاتب التقرير ديفيد واينر، أن حملة ترامب لإعادة كتابة مبادئ التفاوض بدأت بعد أسابيع قليلة من دخوله البيت الأبيض – بدون مقاومة تذكر من الزعماء العرب الهائمون بموقفة المتصلب ضد إيران. وفي الوقت الذي يرى دعاة المقاربة الجديدة أن الخطوة هي محاولة لزيادة الضغط على الفلسطينيين لتركيعهم إلا أن دينس روس، السياسي المخضرم والذي قام بأدوار مختلفة لرؤساء أمريكا في المنطقة قال إن التاريخ يشير إلى أن الفلسطينيين لن يتجاوبوا إيجابيا للضغط دون حوافز، مع أنه ألمح إلى أن تمسك الفلسطينيين بوهم العودة غير واقعي.

عباس الخاسر

ولكن الرئيس عباس يدفع على ما يبدو ثمن مراهنته على فرضية أن الدبلوماسية التي تقودها أمريكا ستحقق ما لم يستطع العنف تحقيقه. وكلفته الجولات العديدة من المفاوضات الفاشلة الدعم الشعبي. وإن فشلت جهود ترامب للسلام فقد يؤدي احباط الفلسطينيين بهم إلى العنف ويدفعهم إلى معسكرات أكثر تطرفا. ويشكك بعض الدبلوماسيين بوجود خطة أمريكية لمنع المجموعات الإسلامية المتطرفة من ملء الفراغ بعد أن قطعت أمريكا مساعداتها عن الأونروا التي تنفذ أهم عملياتها في قطاع غزة الذي تحكمه حماس المتطرفة. وحذر المسؤولون الأمنيون الاسرائيليون بأن أي تغير في المعونات للفلسطينيين يجب أن يكون تدريجيا لتجنب الاضطرابات. وذكرت المؤسسة الأمنية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنها تعتمد على التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية وأنه ليس من مصلحة إسرائيل التسبب في تدهور الاقتصاد الفلسطيني وإشعال موجة جديدة من الاحتجاجات على الحدود مع غزة. إلا أن نتنياهو تجاوز لجنته الأمنية وحكومته برسالة قبل أسبوعين للبيت الأبيض أعرب فيها عن تأييده وقف الدعم للأونروا .

نفاق العرب

وتكشف كل خطوة يعلنها ترامب في حربه على الفلسطينيين ومعاقبتهم، صورة عن النفاق العربي الذين يسارعون كما يقول ديفيد هيرست في «ميدل إيست آي» (5/9/2018) للدفاع عن أشقائهم الفلسطينيين ولكنهم لا يهبون لنجدتهم وتقديم المساعدة اللازمة لهم. ففي العام الماضي أنفقت المملكة العربية السعودية على شراء الأسلحة الأمريكية ما يعادل ألفي ضعف ما تقدمه من تمويل للمدارس الفلسطينية. ووقعت صفقات نوايا بقيمة 110 مليار دولار مع الولايات المتحدة لشراء أسلحة، بينما لا تنفق سوى 51 مليون دولار على الأونروا. ويقول هيرست «يفضح ترامب النفاق العربي كما لم يسبق لرئيس أمريكي أن فعل ذلك من قبل». وأكثر من هذا فترامب خطير لأنه يتسبب في خلق أزمة داخلية في بلدين عربيين من حلفاء بلاده هما الأردن ولبنان، حيث أن استقرار كل واحد منهما يتوقف على الإبقاء على تعريف اللاجئ الفلسطيني كما هو. وبمجرد أن يفكك ترامب الأونروا سيفقد ملايين الفلسطينيين ليس فقط مدارسهم وخدماتهم الصحية وموارد دخلهم، بل وكذلك وضعهم وهويتهم. وبهذه الطريقة سيخلق أزمة لجوء جديدة ولكن هذه المرة على أبواب أوروبا التي تئن تحت ثقل الموجة السورية، فهل ستتحمل موجة جديدة؟ ولهذا السبب لم يعلن ترامب عن «صفقة القرن» لأنه كلما كشف عن بعض تفاصيلها قل عدد الزبائن.

وهم الدولة

ويعتقد هيرست أن الشيء الوحيد الذي فعله ترامب بإزاحة ملف القدس وحق العودة عن طاولة المفاوضات كشفه عن زيف أوسلو والدولة الفلسطينية التي بشر بها. وعندما يفقد الفلسطيني كل ما بيده من مدرسة وحق عودة وماء وأرض فماذا سيفعل؟ هل عليه الطلب من المحتل احتلاله وتفكيك السلطة؟ وحتى لو فعل فلن تقبل إسرائيل. فهي تريد تجويع الفلسطينيين لا موتهم. وتقوم السياسة المتبعة في الحفاظ على الأحوال التي تضمن احتلالا بأقل التكاليف، فالصراع ثمنه باهظ وهذا هو سر غضب المؤسسة الأمنية من نتنياهو وليس حبا في عيون الفلسطينيين.

هل سيركعون؟

صحيح أن إدارة ترامب هي الأولى التي تقدم دعما غير مشروط لإسرائيل حسب المفاوض الأمريكي السابق آرون ديفيد ميللر، وتقوم في الوقت نفسه بشن حرب اقتصادية وسياسية على الفلسطينيين. ولكن صحيفة «الغارديان» (4/9/2018) تحذر قائلة إن «من الصعب إخضاع شعب محروم من الحرية والكرامة. فعلى مدى سبعين عاما الماضية، لم يقبل الفلسطينيون بأي تسوية تملى عليهم من قبل أطراف خارجية ترسم الحدود وتعيد تعريف السيادة دونما موافقة شعبية. ويخطئ السيد ترامب إن ظن أنهم سيقبلون بذلك الآن». وهي النتيجة التي توصل إليها الكاتب ميتشل بلنتيك في مقال نشره موقع «لوبلوغ» (6/9/2018) حيث قال فيه «ربما يواجه الفلسطينيون نوعا من الكارثة، واحدة قد تترك أثرا رهيبا عليهم ولكنهم نجوا من كارثتين، وربما لن ينتعشوا ولكنهم نجوا وتضاعف عددهم. ولن تنجح جهود ترامب لتدمير الفلسطينيين كأمة ولكنها ستترك بالتأكيد تداعيات رهيبة عليهم».

تدمير الهوية

ويرى الكاتب أن الهدف من إعلان وزارة الخارجية الأمريكية يوم الجمعة وقف الدعم الكلي عن الأونروا، كما قال الكثيرون ليس لأنه لا يخدم المصالح الأمريكية ويعرض الأمن الإسرائيلي للخطر وخلق كارثة إنسانية لملايين اللاجئين الذين تدعمهم الأونروا، كل هذا صحيح ومشروع ولكن القرارلا يستهدف الوكالة الأممية بعينها بل محاولة لتدمير الحركة الوطنية الفلسطينية. ويقول إنه طالما تحدث أن القضية الكبرى في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني منذ عام 1948 لم تكن القدس ولا المستوطنات، الأمن أو الحدود بل حق العودة الفلسطيني وهو الموضوع الوحيد الذي لا تريد إسرائيل مناقشته في المحادثات، وقلة من الإسرائيليين مستعدة للتنازل فيه. ومنذ عام 1948 شكل حق العودة جوهر الحركة الوطنية الفلسطينية وهو بمثابة «قنبلة موقوتة» لو نجح التفاوض على بقية القضايا. ويرى الكاتب أن ترامب حرف السياسة الأمريكية الحالية الموالية لليمين المتطرف إلى طريق واضح وبناء على اعتقاد يحمله كوشنر ومبعوثه للشرق الأوسط جيسون غرينبلات وسفيره في إسرائيل ديفيد فريدمان «فريق السلام» أنه يمكن ضرب الفلسطينيين حتى يستسلموا، وهو أمر طبيعي من فريق ملتزم باليمين المتطرف وداعم للحركة الاستيطانية ومعارض لأوسلو. ويعرف الفريق هذا بأن توازن القوة في صالح إسرائيل وعليه يجب سحق الحركة الوطنية وفي وقت يتم فيه مواجهة الرد العربي والعالمي حتى يخفت. ومن هنا فسياسات ترامب موجهة نحو هذه النتيجة. إلا أن تحركات ترامب لإرضاء قاعدته الانتخابية ومتبرعين مثل شيلدون أديلسون ممن لا يهمهم مصير الفلسطينيين ليست سياسة أو استراتيجية. وعلى خلاف الرئيس، فالترويكا الممثلة بكوشنر وغرينبلات وفريدمان يتبعون استراتيجية تقوم على اقناع السعودية والإمارات ومصر ومن لف لفهم، ولو سرا بدعم ما يفعلون. ويأملون بفرض وضع على الفلسطينيين لا يترك أمامهم أي شيء وبعد ذلك شراء رضاهم بحزمة من المساعدات الاقتصادية لتحسين أوضاعهم تعوضهم عن الاستقلال والقبول بحالة الاحتلال الدائم. لكن فريق ترامب يجهل أنه لو كانت هناك طريقة لإرضاء الفلسطينيين لتمت قبل 70 عاما.

11HAD

ترامب والأونروا: تفكيك الحركة الوطنية الفلسطينية وفرض حل على الفلسطينيين بالقوة فهل سيركعون؟

إبراهيم درويش

- -

1 COMMENT

  1. NO POWER IN THE WORLD CAN SPHETERIZE ONE SINGLE COCCUS FROM OUR PATRIOT LAND OF PHILISTINE ….YES FOR OUR UNIFICATION YES FOR OUR MILITARY DRASTIC ACTIONS …. NO MORE HALLUCINATIONS POLICY

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left