برنامج نووي سعودي

في رد على التطوير النووي الإيراني وبسبب اعتبارات الثقة بالنفس واحتياجات الطاقة المتزايدة

يوئيل جوجانسكي

Sep 10, 2018

تمر السعودية في السنوات الأخيرة بتغييرات جذرية، وهذه تشمل مجالات اجتماعية واقتصادية، وسياسية وعسكرية، التي تشكل في ظل السلطات ثورة كبيرة من شأنها التأثير أيضًا على وجه الشرق الأوسط. في هذا الإطار تتراكم في المملكة خطة بعيدة المدى من شأنها أن تغير بشكل جذري خليط إنتاج الطاقة للاستهلاك الداخلي. هذا التغيير محق في أساسه بسبب أن المملكة اليوم تستهلك حوالي ثلث إنتاج الطاقة من وقود كربوني للاستهلاك الداخلي ـ وهي كمية يمكن أن تدر أرباحًا جيدة عند تصديرها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على جزء آخر من احتياطها للاستهلاك المستقبلي.
جزء من الطاقة سيأتي، حسب الخطة، من طاقة طبيعية متجددة مثل الشمس والرياح، وجزء آخر من الطاقة النووية، التي من شأنها إنتاج حوالي خُمس استهلاك الطاقة للمملكة حتى عام 2040. الخطة النووية وضعت قبل سنين، ولكن الاتفاق بين الدول العظمى وإيران في عام 2015 الذي منح إيران تسهيلات مستقبلية غير مسبوقة، منح السعودية دعمًا لتطوير خطة نووية بكل معنى الكلمة. السعودية تحفظت من الاتفاق النووي مع إيران الذي منح شرعية دولية لأن تكون إيران دولة على شفا الذرة، وإن كانت أيدته علنًا. في أيار 2018 انضمت السعودية إلى إسرائيل واتحاد الإمارات وأبدت تأييدها لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق مع إيران، لأنه ـ حسب رأيها ـ زاد عدائية إيران بدون أن يوقف طموحاتها بعيدة المدى في المجال النووي. ردًا على التطوير النووي الإيراني ولاعتبارات الثقة بالنفس والحاجة الكبيرة للطاقة بدأت السعودية مؤخرًا فحص المسار النووي يهدف إبقاء معظم الاختلالات في مجال الذرة مفتوحة أمامها.

خلفية

أعلنت السعودية للمرة الأولى عن خطتها النووية في 2006، في قمة مجلس التعاون الخليجي «جي.سي.سي»، وأعلنت عن نيتها بناء ما لا يقل عن 16 مفاعلانوويًا، بتكلفة تقدر بـ 100 مليار دولار. الرياض وقعت من أجل ذلك على عدد من اتفاقات التعاون في هذا المجال، وحصلت على عروض من شركات أمريكية وصينية وروسية وفرنسية وكورية جنوبية، لإنشاء مفاعلين أوليين. ومن المتوقع أن يصبحا فاعلين قبل انتهاء العقد القادم. في موازاة ذلك، فإن الحديث عن هذا الموضوع تغير في الوقت الذي بدأت فيه الرياض بالربط بين ما حصلت عليه إيران في اطار الاتفاق وبين ما تستحقه، حسب رأيها. رئيس المخابرات السعودية السابق، تركي الفيصل، قال إنه يجب على الرياض أن تطالب بـ «حقوق متساوية مثل الجميع»، بالإشارة إلى إيران. بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، فقد زادت شخصيات كبيرة في المملكة حدة اللهجة في هذا الموضوع، وهذه النقطة أوضحها علنًا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أعلن أثناء زيارته للولايات المتحدة في ربيع 2018 بأن «السعودية لا تريد التوصل إلى إنتاج قنبلة نووية، لكن لا شك في أنه إذا طورت إيران قنبلة نووية فنحن سنحصل على قنبلة نووية في أسرع وقت». تصريحات كهذه تصعب على السعودية محاولاتها لتبديد المخاوف بشأن نوايا عسكرية مستقبلية ربما تكون لها، والتأكيد على الطابع المدني للخطة.

المعيار الذهبي

في عام 2018 تجددت مفاوضات التعاون في مجال الذرة للأغراض السلمية بين الولايات المتحدة والسعودية. الاتصالات التي أجراها الطرفان في هذا الموضوع منذ عام 2012 وصلت إلى طريق مسدود؛ بسبب رفض المملكة التنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم واستخراج البلوتونيوم من وقود مشع (أي العمل على دائرة الوقود النووي). وتصميم إدارة أوباما على عدم السماح بذلك بسبب خطر انتشار السلاح النووي. ولكن ظهرت تقارير تقول إن إدارة الرئيس ترامب تفحص حاليًا تغيير هذه المقاربة، والسماح بتخصيب اليورانيوم للسعودية كجزء من الاتفاق المرتبط بمصادقة الكونغرس.
كل دولة يمكنها تطوير خطة نووية من أجل التقليل من الاستهلاك لأغراض سلمية فقط، وتم تشريع الميثاق الذي يقيد الخطط العسكرية لخمس دول فقط، وعلى الدول الأخرى الاكتفاء فقط بأهداف أخرى مثل إنتاج الطاقة، ومنتجات طبية وما شابه. حق الدولة في العمل على دورة الوقود النووي في إطار خطة نووية مدنية مشمول في ميثاق منع انتشار السلاح النووي (ان.بي.تي)، وهذا الميثاق يمنح الدول الأعضاء فيه الحق بخطة نووية مدنية (تشمل خطة مستقلة لإنتاج الوقود للمفاعلات). المشكلة في ذلك هي أن الأمر يتعلق بتكنولوجيا ثنائية الاستخدام يمكن استخدامها لإنتاج مواد متفجرة للقنابل النووية ـ من خلال إساءة استخدام هذا الحق. لذلك، قيدت الولايات المتحدة الخطط النووية المدنية المشاركة فيها، وهي لا تسمح لأي دولة تساعدها في مجال الذرة بأن تخصب بنفسها اليورانيوم و/ أو استخراج البلوتونيوم من وقود تم علاجه بالإشعاع في مفاعلاتها. هكذا حدث مع اتحاد الإمارات في 2009، وبهذا تم وضع «معيار ذهبي» في سياق الخطة النووية المدنية. وفعليًا، يتوقع من اتحاد الإمارات أن تكون الدولة الأولى من الدول العربية التي ستستخدم خطة نووية مدنية قابلة للبقاء (انتهى بناء المفاعل الأول من بين الأربعة مفاعلات، الذي تقيمه عدة شركات من كوريا الجنوبية على أراضيها).
جذور القضية السعودية في تكنولوجيا الذرة لأغراض مدنية ظهرت في سبعينيات القرن الماضي. لقد فشلت السعودية في محاولاتها لتطوير بناء مفاعل مشترك مع الكويت وقطر في 1978، واكتفت بإقامة معهد للأبحاث النووية بعد عشر سنوات تقريبًا. في ذلك الوقت بدأت الحكومة السعودية بخطوات رمزية لاكتشاف مواقع مناسبة لإقامة مفاعل نووي يستطيع تحلية المياه أو إنتاج الكهرباء. دوافع أخرى لهذه الخطوات الأولية تمثلت في أن العراق حاول العمل في الموضوع النووي رغبة في زيادة التعاون بهذا المجال بين دول الخليج وأسعار النفط الدولية. على أي حال لم يتم القيام بخطوات أخرى تتجاوز ذلك، ومن شبه المؤكد أن تبرير التأخير مرتبط بالحادثة النووية في جزيرة «الثلاثة أميال» في 1979، وحادثة تشرنوبل في 1986، وربما الهجوم الإسرائيلي على المفاعل العراقي في 1981.
السعودية وقعت حقًا على اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة النووية في عام 2009، لكن بقيامها هذا فقد وقعت (رغم مطالبة الولايات المتحدة) على صيغة مسبقة لبروتوكول كميات صغيرة اس.كيو.بي الذي يقيد حجم الإشراف من قبل الوكالة النووية. الـ اس.كيو.بي الأصلي يتضمن عددًا من نقاط الضعف، مثل عدم قدرة وكالة الطاقة النووية على القيام بنشاطات للتأكد بهدف المصادقة على أن الدولة تلتزم بالمعايير، وحقيقة أن الدولة غير مطلوب منها أن تقدم لوكالة الطاقة النووية تقريرًا أوليًا عن ميزان المواد النووية الموجودة بحوزتها. ونتيجة لعدم التوقيع على اتفاق رقابة شامل مع وكالة الطاقة النووية، فإن السعودية أصلاً لم توقع حتى الآن على «البروتوكول الآخر» الذي يمكن من رقابة مشددة أكثر. السعودية أيضًا لم توقع على الميثاق الذي يشمل منع التجارب النووية، ورغم أنها تؤيد بصورة دائمة خلق منطقة منزوعة من السلاح النووي في الشرق الأوسط. هذه الإشارات من شأنها أن تدل على أن السعودية تبقي الباب مفتوحًا لتجارب مستقبلية في مجال الذرة.
في السنوات الأخيرة بدأت السعودية في الإعداد لتطوير طاقة نووية لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه، ووسعت محاولتها لتعزيز المعرفة في هذا المجال. التعبير الأكثر بروزًا عن ذلك حتى الآن كان تأسيس «مدينة الملك عبد الله للطاقة النووية المتجددة» في عام 2010، المسؤولة عن تنسيق أمور السياسة والتشريع والبحث في مجال الطاقة. كما في حالة اتحاد الإمارات؛ ففي سعي السعودية إلى التكنولوجيا النووية استعانت بمواردها الاقتصادية البارزة، في ظل غياب معارضة بيئية أو سياسية ووجود مناطق واسعة غير مأهولة، قابلة لبناء منشآت نووية وحتى دفن المخلفات النووية عند الحاجة.
طاقة نووية هي أمر جذاب بالنسبة للسعودية لعدة أسباب، منها تحلية المياه؛ فمعظم مياه الشرب في السعودية مياه محلاة، واستخدام الطاقة النووية في عملية التحلية أرخص على المدى البعيد من استخدام النفط. السعودية تنشر بشكل عام تصريحات ومعلومات تلائم ما يتعلق بالاستهلاك المتزايد للطاقة، وكما يبدو كوسيلة لتبرير تطوير المشروع النووي والتأكيد على وضعه غير العسكري. والطلب ينبع أيضًا من عدة أسباب تشمل: زيادة عدد السكان، واتساع سريع للقطاع الصناعي، واستهلاك متزايد للمكيفات لا سيما في الصيف، وكذا أسعار الكهرباء المدعومة. ولا يمكن تجاهل الرغبة في مصدر طاقة بديلة كوسيلة لحماية النفط في المملكة والحفاظ عليه للتصدير. إن تداعيات الفشل في تطوير هذه المصادر جدية. وفي الوضع الذي تسير عليه الأمور، فإن السعودية ستتحول إلى مستوردة للنفط في المستقبل المنظور.

تعاون أمريكي سعودي في المجال النووي

الرئيس ترامب المعني بتعزيز العلاقات مع السعودية ويضع نصب عينيه مصالح صناعة الذرة الأمريكية، يريد تشجيع التوقيع على اتفاق تعاون في المجال النووي مع المملكة. وفي 2008 خلال زيارة للرئيس جورج بوش الابن للرياض، وقعت السعودية على مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة تشير إلى أن هذه ستساعد السعودية في تطوير قدرتها النووية لأغراض طبية وصناعية ولإنتاج الطاقة. وزارة الخارجية الأمريكية أشارت إلى أن «السعودية أعلنت عن نيتها الاعتماد على السوق الدولية للحصول على الوقود النووي، وعدم محاولة التوصل إلى تكنولوجيا نووية حساسة، الأمر الذي يشكل تناقضًا تامًا مع نشاطات إيران».
على كل الأحوال، فإن التصريحات التي جاءت لاحقًا للسعودية والتي تحدثت عن «حقها» في تخصيب اليورانيوم، تبدو وكأنها تعارض ذلك. غاري سمور، المسؤول السابق في البيت الأبيض عن مراقبة السلاح قال إن إدارة اوباما «ضغطت على السعودية من أجل الموافقة على عدم محاولة التوصل إلى قدرة نووية، لكن السعودية رفضت». في السابق شجع أشخاص في إدارة أوباما التعاون مع السعودية في المجال النووي، وحتى مع شروط عدم نشر أقل صرامة من أجل عدم وضع صناعة الذرة في موقف فوضى، ولكن هذه الاتصالات تم وقفها بسبب رفض السعودية شروط أوباما.
إن طموحات السعودية تحولها إلى واحدة من الأسواق المحتملة الأكبر في مجال الذرة وتشكل اعتبارًا مهمًا للإدارة الأمريكية. في هذا السياق شرح توماس كانتريمان، المساعد السابق لوزير الدولة الأمريكي للامن القومي وعدم نشر السلاح، بأنه كان مقتنعًا بأن «كل تعاون في مجال الذرة بين الولايات المتحدة والسعودية لن يسهم بأي شكل في القدرة النووية العسكرية». ومنذ أن وقع اتحاد الإمارات على اتفاق 123، صمم الأمريكيون على طرح «المعيار الذهبي» كنموذج للتعاون في المجال النووي مع الدول الأخرى. أما الآن فيبدو أن تأخير التعاون بين السعودية والولايات المتحدة يتم إلغاءه بالتدريج؛ فالسعودية تواصل التمسك بـ «حقها» في تخصيب اليورانيوم في أعقاب الشرعية التي حصلت عليها إيران في هذا المجال، لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية هي التي من شأنها أن تلين موقفها في الموضوع.

مسار الذرة العسكري

لا يمكن استبعاد احتمالية أن الخطة النووية المدنية السعودية الموجودة في بدايتها ستستخدم كغطاء أو مرحلة أولية لمشروع نووي عسكري؛ لأن الاستخدام المزدوج للتكنولوجيا المطلوبة لأغراض سلمية يسهل عملية التسلح. إضافة إلى ذلك، فإن الخبرة المطلوبة للمشروع النووي المدني ستوسع المعرفة العامة التي يمكن استخدامها لصالح جهود في المجال العسكري. هذان العاملان يقللان التكلفة المتوقعة لمشروع نووي عسكري، وثمة عوامل أخرى لتطوير سلاح نووي تشمل رمزية التقدم والإنجاز التكنولوجي إلى جانب الاسهام في تحسين السمعة والهوية القومية. استنادًا إلى تاريخ السعودية، بما في ذلك الشراء السري لصواريخ أرض ـ أرض سلمية في نهاية الثمانينيات (وربما أيضًا بعد ذلك)، والمساعدة المالية الكبيرة لمشروع باكستان النووي، فإن الدافعية السعودية في المجال النووي يجب فحصها بصورة أكثر دقة في إسرائيل.
إلى جانب ذلك، ورغم الادعاءات الأمنية التي تعزز الاعتقاد القائل بأن السعودية تستطيع اختيار المسار النووي العسكري، فإنه يقف أمامها عدة عوامل، ومنها أن السعودية تعاني من قيود تكنولوجية بارزة، وهذه القيود تصعب طرح مشروع نووي مدني، بحيث إن الحكومة تحتاج إلى الاتفاقات المذكورة أعلاه مع طرف ثالث من أجل تأهيل القوة البشرية ذات العلاقة، وكذلك نقل وتوفير المعدات والتكنولوجيا المطلوبة. لذلك، ينضم إلى آخرين جهاز التعليم غير المتطور في المملكة السعودية والبنية التحتية للأبحاث غير موجودة في المجال النووي والحاجة إلى تطوير نظم أخرى، وتشريع، إلى جانب ثقافة حماية مناسبة، ذلك أن الحوادث تعد إحدى المخاوف في سباق التسلح في المنطقة.
عندما يتم حل هذه الصعوبات، فإن البرنامج النووي سيمنح السعودية عدة إنجازات، ومن ذلك أن السمعة العالية المطلوبة والمرافقة لإنجازات تكنولوجية كهذه ستضعها في مستوى ليس فقط مع إيران، بل مع جاراتها العربية الأخرى أيضًا في السباق نحو الذرة. ورغم هذه الإنجازات فإنهم ينظرون في الغالب إلى البرنامج النووي العسكري، والبرنامج النووي المدني يتوج بالنجاح، يمكنه أن يخدم أهدافًا مشابهة. وإن البرنامج النووي المدني يمكن أن يؤمن الأهداف الاقتصادية للسعودية، وخاصة المرتبطة بإنتاج زائد للكهرباء والرغبة في تقليص اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للطاقة.
هكذا بقي الخوف الأمني كعامل رئيسي يستطيع دفع السعودية إلى محاولة العمل لبرنامج نووي عسكري.
في هذا السياق أيضًا، ورغم تصريحات جهات سعودية رسمية، فإن هناك عددًا من العوامل التي يمكنها منع ذلك، حتى في حالة تهديدات متزايدة أو تطوير بنى تحتية علمية وتكنولوجية من قبل الرياض، وأولها هو الضغط الذي يمكن للولايات المتحدة استخدامه. ستضطر السعودية إلى الحسم بين التصميم على استراتيجية الردع الذاتي وبين الاعتماد على ضمانات أمنية أمريكية. هذه المعضلة تتعلق فيما بعد كما يبدو كهبوط في مكانة الولايات المتحدة وتدخلها الإقليمي على ضوء المساهمة التي لا بأس بها لأمن السعودية. إضافة إلى ذلك، فالسعودية وقعت بالطبع على ميثاق عدم نشر السلاح النووي، وهي خاضعة لكل المعايير الدولية المرافقة له. رغم أنه تبين أن السعودية انشغلت في السابق بنشاطات سرية (مثل صفقة الصواريخ الصينية)، لا يبدو أن لها مصلحة ما في خرق فاضح لمواثيق دولية، مع كل المعاني السياسية والاقتصادية المترتبة على ذلك. على أي حال، وخاصة إذا اهتزت ثقة السعودية بمظلة الحماية الأمريكية، فلن يكون هناك عامل كابح يمنعها من الحصول على السلاح النووي، وخاصة في حالة نجاح إيران في الحصول على القدرة العسكرية. وإذا شعرت السعودية بأن مصالحها الأمنية الحيوية واستقرارها مهددة فإنها ستقرر أن عملية مستقلة هي الطريق الأفضل لتقليل الأخطار وضمان مكانتها الإقليمية. تقرير الكونغرس الأمريكي بهذا الشأن يشير إلى أن «السعودية لن تتردد في أن تتجاهل بصورة فاضحة أو أن تخاطر بالإبعاد عن الولايات المتحدة من أجل الدفاع عن المصالح السعودية».
ومع الأخذ بالاعتبار النقص الحالي بالمعرفة التكنولوجية التي لديها، فإن السعودية يمكنها أن تكون الدولة الأولى في النادي الدولي التي تشتري قدرة نووية بدل تطويرها. وفي الظروف الحالية لا تمتلك السعودية المعرفة أو التكنولوجيا المطلوبة لتطوير مشروع نووي مدني مستقل، ومن ثم المشروع النووي العسكري.
لقد بقيت ملتزمة بصورة علنية بنشاطات تطوير تكنولوجيا نووية لأغراض سلمية، لا سيما كوسيلة للمساعدة في إنتاج الطاقة، في حين أنها تؤكد على أهمية الخضوع لـ ان.بي.تي ومنطقة منزوعة السلاح النووي في الشرق الأوسط. ولكن أيًا من هذه العوامل لا يضمن أنه وعلى خلفية تهديدات أمنية متزايدة مرتبطة بإيران، لن يجعل السعودية تحاول الانتقال إلى برنامج نووي عسكري أو شراء سلاح نووي (عن الرف) كوسيلة للردع.

رد على التهديد الإيراني

تطرح الرياض ادعاءات وجيهة بشأن الحاجة إلى تطوير قدرة إنتاج طاقة نووية من أجل تلبية الاحتياجات المتزايدة في مجال الطاقة، وتقليل الاعتماد على النفط وتحرير المزيد منه من أجل التصدير، ولكنها لا تخفي دافعًا أساسيًا آخر: الدافع الاستراتيجي ـ الأمني. حسب رأي المملكة فإن التهديد الإيراني لها هو خطير وفوري ولا يمكن فهم المنطق السعودي في الموضوع النووي بدون فهم هذه العلاقة. إضافة إلى ذلك، حسب رأي السعودية، فإن الاتفاق النووي مع إيران زاد عداءها التقليدي بدون وقف طموحاتها بعيدة المدى في المجال النووي.

الخلاصة: المعضلة الإسرائيلية

السعوديون الذين يشجعهم اكتشاف كميات كبيرة من اليورانيوم في أراضيهم يصرون على عدم التنازل عن تخصيب اليورانيوم. بصورة نظرية يمكنهم التوجه لروسيا أو الصين اللتين من المشكوك فيه أن تكونا ملتزمتين بمعايير نشر السلاح النووي مثل الولايات المتحدة. في هذا الوضع يوجد لإسرائيل مصالح واضحة بأن تتعاون الرياض مع واشنطن ولو من أجل أن تحظى الولايات المتحدة بالوصول إلى المشروع النووي السعودي. وتؤكد الولايات المتحدة بشكل كبير على الحماية، وتستطيع أن تشرف بصورة أفضل على ما يجري في حدود المملكة، وأن تحصل على رافعة ضغط على الرياض بسبب عامل اعتماد السعوديين على الأمريكيين في هذا المجال. بهذه الصورة أيضًا يمكن تقليل الدافعية وقدرة السعوديين على أن يطوروا سرًا القدرة على التخصيب بمساعدة خارجية. ولكن احتمالية أن تنجح الولايات المتحدة في أن تفرض على السعودية الشروط نفسها التي تفرضها الآن على دول أخرى، ليست كبيرة، لا سيما في الوقت الذي تحصل فيه إيران على تسهيلات دولية كثيرة في مجال تكنولوجيا الذرة، وهي تستطيع إنتاج سلاح نووي في وقت قصير. الطريق الوحيدة التي يمكن إقناع السعودية من خلالها بالانضمام إلى القيود هي موافقة إيران على تأجيل لفترة غير محدودة البرنامج الزمني المتضمن في اتفاق 2015 وأن يتم فرض رقابة متشددة أكثر.
إن المصادقة على قدرة التخصيب في السعودية من شأنها أن تؤدي إلى دوار إقليمي، ودول مثل مصر وتركيا ستطالب أيضًا بهذا الحق. الاتصالات في هذا الشأن بين الولايات المتحدة والأردن توقفت بسبب رفض الأردن التنازل عن تخصيب اليورانيوم في أراضيه، ولكل اتفاق مع السعودية ستكون هناك تداعيات على جارتها من الشمال. اتحاد الإمارات أيضًا يمكن أن يرى نفسه غير ملزم بالاتفاق معهم كما أشار في السابق، وستكون هناك مصاعب للولايات المتحدة عندما تريد تبرير فرض قيود أخرى على تطوير الذرة في إيران. كما أن هناك علامة استفهام بخصوص الاستقرار السياسي المستقبلي للسعودية: ولي العهد محمد بن سلمان يريد ترسيخ مكانته في عملية سريعة ومليئة بالأخطار، وفي المقابل، المملكة تواجه عدة تحديات خارجية مرتبطة بصراعها مع إيران.
في أيار 2018، وفي إعلانه عن السياسة الجديدة الشاملة ضد إيران، أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبايو أنه يجب على إيران وقف تخصيب اليورانيوم. وأضاف أنه يمكن أن يطلب من حلفاء الولايات المتحدة، ومن ضمنها السعودية، التنازل عن مطالبها بالحصول على قدرات مشابهة (أي تخصيب اليورانيوم) لتلك التي حصلت عليها إيران في الاتفاق معها. من الآن فصاعدًا سيصعب على الولايات المتحدة أن تبرر السماح بالقدرة على التخصيب في السعودية، في حين أنها تطالب إيران بالتنازل عن ذلك، وكذلك ستجد الرياض صعوبة في أن تبرر طلبها هذا. ولكن إذا انسحبت إيران أيضًا من الاتفاق معها وجددت تخصيب اليورانيوم إلى مستوى أعلى من المستوى الحالي فسيزداد الضغط على الولايات المتحدة من قبل السعودية من أجل العمل بكل السبل لوقف هذا النشاط الإيراني. إحدى السبل التي استخدمتها السعودية حتى الآن لزيادة الضغط على الأمريكيين في الموضوع الإيراني كان طرح «الحق» في تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وبوجه عام، ليس صحيحًا أن إسرائيل ستعطي ضوءًا أخضر للتخصيب في دولة عربية، وعلينا الأمل بأن يكون لدى الأمريكيين ما يكفي من أدوات الضغط التي ستقنع السعوديين بالتمسك بـ «المعيار الذهبي». الكثير جدًا بالطبع مرتبط بنتائج الخطوات في الموضوع الإيراني.

تقدير استراتيجي 9/9/2018

برنامج نووي سعودي
في رد على التطوير النووي الإيراني وبسبب اعتبارات الثقة بالنفس واحتياجات الطاقة المتزايدة
يوئيل جوجانسكي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left