الفشل بمقاضاة المسؤولين عن الكارثة المالية العالمية عام 2008 أطاح بثقة الأمريكيين

المصارف متورطة لكن دون تورط أي مصرفي

Sep 10, 2018

واشنطن ـ أ ف ب: وجه رئيس لجنة التحقيق بالأزمة المالية لعام 2008 فيل أنغيليدس أصابع الاتهام إلى بعض أكثر الرجال نفوذا في العالم وفي وول ستريت، لمسؤوليتهم عن التسبب بانهيار الاقتصاد العالمي، ما أطلق العنان للمواقف الحادة التي لا تزال حتى اليوم تسيطر على السياسة الأمريكية.
وممن شملهم سخط أنغيليدس، وزير أمريكي سابق للخزانة ومدير تنفيذي كبير في مصرف سيتي بنك، ومسؤولون كبار في مؤسسة ميريل لينش، ورؤساء سابقون في شركة التأمين العالمية «آيه إي جي». ولا بد من إخضاع جميع هؤلاء للتحقيق، حسب لجنة التحقيق بالأزمة المالية العالمية التي يترأسها أنغيليدس، فالأدلة تشير إلى أنهم ضللوا المستثمرين حول انكشافهم على استثمارات سيئة في قلب أزمة وول ستريت. ومررت اللجنة الأدلة عام 2010 بشكل سري إلى وزارة العدل وفق السجلات التي تم نشرها بعد سنوات، وسط توقعات حينها بأن يلتقط المدعون العامون الكرة التي صارت في ملعبهم ويكملوا المسار القضائي.
إلا أنهم لم يفعلوا ذلك، كما لم يتم تحميل المسؤولية إلى أي من حيتان المال الكبار.
وقال أنغيليدس وزير الخزانة السابق في ولاية كاليفورنيا «لم يتم تحميل المسؤولية جنائيا أو مدنيا إلى أي شخص من الذين قادوا هذا السلوك وتكتموا وأشرفوا عليه».
وبالفعل بعد مرور عشر سنوات وفرض مئات المليارات من الدولارات غرامات جزائية على حاملي أسهم المصارف، فإن ما تبقى من إرث الأزمة المالية أمر معاكس لفضائح العقود السابقة، اذ لم يتم اعتقال أحد أو محاكمته وإدانته.
وأضاف أن الأمر بدا وكأن المصارف «متورطة في تصرفات خاطئة هائلة ومنظّمة، لكن دون تورط أي مصرفي»، مشيرا إلى أن نتائج ذلك يتردد صداها اليوم. وقال «لا أعتقد أن هناك أي شك في أن غياب المحاسبة في أعقاب الأزمة المالية قد ساهم في تكدير السياسة في بلدنا».
وخلصت مراجعة لصحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2016 إلى أنه من أصل 156 قضية مدنية وجزائية رفعت ضد 10 من أكبر المصارف في وول ستريت في أعقاب الأزمة، فقد تم تحديد الأشخاص المسؤولين عن المخالفات بنسبة 19 بالمئة، وهناك فقط شخص واحد من أصل 47 منصبه على مستوى مجالس الإدارات.
وحدّد المحققون اسم وزير الخزانة السابق روبرت روبين الذي كان من ضمن مجلس إدارة مصرف «سيتي بنك» لعشر سنوات وتسلم رئاسته بالوكالة لفترة وجيزة. لكن ممثلا عنه قال إن محققي وزارة العدل لم يتصلوا به ابدا.
وأضاف المتحدث باسمه «السيد روبين تصرف بشكل مناسب في كل الأوقات. وأي ادعاء بعكس ذلك هو زائف». ولم يجب المديران التنفيذيان السابقان في «آي إي جي» مارتن ساليفان وستيفن بنسينغر والمسؤولان في «ميريل لينش» ستانيلي أونيل وجيفري ادواردز على طلب للتعليق.
وقال أنغيليدس إن المحققين وجدوا «أدلة صلبة» ضد المسؤولين الذين ورد ذكرهم في ملايين الوثائق ومئات المقابلات. لكن اللجنة لم تتخذ موقفا تدين به هؤلاء الاشخاص.
وقال متحدث باسم وزارة العدل في بيان إن «الوزارة حققت وحاسبت المسؤولين عن الاحتيال المالي». وأشار المتحدث إلى سلسلة من القضايا الأصغر المرتبطة بمعدلات الفوائد والحسابات لكنها غير مرتبطة بالقضايا الكبيرة خلال فترة الأزمة المالية التي تلت أزمة الرهن العقاري.
وتقول معاهد استطلاعات الرأي إن الأزمة المالية وخطة الإنقاذ والافتقار إلى ملاحقة المرتكبين الأفراد أضرت بالروح القومية ما أدى إلى تآكل ثقة الشعب الأمريكي بالحكومة وترك الناخبين في حالة غضب واستقطاب شديدين.
وحرّكت واشنطن تريليونات الدولارات لإنقاذ القطاع المصرفي الذي سبّب الأزمة، لكن بعيدا عن وول ستريت تفاقمت المعاناة جراء الأزمة الاقتصادية.
ومع طرح المصارف منازل الأشخاص غير القادرين على السداد للبيع في المزادات ارتفعت معدلات الانتحار في كل أنحاء الولايات المتحدة، وخسر نحو 10 ملايين أمريكي وظائفهم، ومع استسلام العمال للأمر الواقع هبط حجم سوق العمل بشكل حاد دون أن يتعافى الوضع حتى الآن.
وفي الدورات الانتخابية السابقة اعتمد المرشحون سواء من اليمين أم اليسار هجاء بعضهم البعض لارتباطهم بقطاع الاستثمارات المصرفية، وخاصة غولدمان ساكس.
استفاد الرئيس دونالد ترامب من هذه الاجواء في حملته الانتخابية عام 2016، وتعهد بانتزاع السيطرة من النخب الديمقراطية لمساعدة الطبقة العاملة الأمريكية، وغالباً ما استخدم لغة كراهية الأجانب والعنصرية.
وقال كريس جاكسون مدير معهد ايبسوس للاستطلاعات في الولايات المتحدة «الشعب الأمريكي لا يقبل بأي طريقة بالمؤسسة الحاكمة».
يعتقد ثلثا الأمريكيين اليوم أن الولايات المتحدة تحتاج إلى «قائد قوي» من أجل «استعادة البلاد» من الأثرياء والنافذين، وفق جاكسون.
وقال بول بيلتيير المدعي العام السابق في وزارة العدل الذي قاضى مدراء «آيه إي جي» لسنوات، إن واشنطن عانت من انهيار الإرادة السياسية لجر قضايا الاحتيال الكبرى إلى المحاكمة.
وقال «مسألة الأخطاء التي حصلت تتعلق مئة بالمئة بالكفاءة والشجاعة».
ففي أزمة المدخرات والقروض في أواخر الثمانينيات وفضائح الاحتيال في صناديق ضمان شركة «إنرون» في بداية العقد الأول من القرن الحالي، تم تمكين المدعين العامين وتقديم موارد لهم على المستوى الوطني لتحمل المخاطر وملاحقة المئات من النافذين المدعى عليهم.
وأدى تغيير القيادات في بداية فترة ولاية الرئيس باراك أوباما وبعض الإخفاقات التي حصلت في قاعات المحاكم إلى جعل المسؤولين أكثر اهتماما بتفادي الخسائر والميل لإقامة تسويات هائلة.
وقال بيلتيير إن المدعين العامين تخوفوا من ارتكاب اخطاء في المحاكم قد تنهيهم مهنيا.
وفي السنوات التي تلت الأزمة تلاشت التحقيقات التي تتعلق بالمدراء التنفيذيين في مؤسستي غولدمان ساكس وليمان براذرز، ويبقى انهيار الأخير رمز الأزمة المالية العالمية.
وقال بيلتيير إن مساعد المدعي العام لاني بروير شعر أن الإدانة غير مضمونة في القضية ضد المدير التنفيذي في «آي إي جي» جوزيف كاسانو فاسقطها.
ولم يرد بروير على طلب بالتعليق.
لكن بيلتيير الذي فشل في الوصول إلى مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي في ولاية فيرجينيا قال إن الشعب غاضب وخائب.
وأضاف «كان يمكن للمقاضاة الصحيحة أن تذهب بعيدا في الحد من هذا» الغضب.

الفشل بمقاضاة المسؤولين عن الكارثة المالية العالمية عام 2008 أطاح بثقة الأمريكيين
المصارف متورطة لكن دون تورط أي مصرفي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left