الأساطير والخرافة في السينما المصرية… غواية بيع الأوهام لجمهور الدرجة الثالثة!

[1]

لعبت السينما المصرية على الحكايات والأساطير الشعبية في العديد من الأفلام، وكثيراً ما اعتمدت على هذا اللون في فترات الركود لتعويض النقص الجماهيري في دور العرض، للتأكد من رواج النوع السينمائي الرديء لجمهور الدرجة الثالثة، وقد شاعت هذه الظاهرة حتى مثلت في طبيعتها ومضمونها، صنفا من صنوف الإنتاج السينمائي يُقبل عليه البعض من باب التسلية وتضييع الوقت.
وبتكرار التجارب أدرك المنتجون التجار أن هذه البضاعة لها سوق ومستهلك وقوة شرائية تفوق في توزيعها أفلام الجوائز والمهرجانات، ومن ثم تم التركيز عليها فترات ليست قصيرة، حتى أن نجوماً كبار قدموها في إطار جاد من المعالجة بوصفها حالات واقعية موجودة بالفعل ولا يمكن تجاهلها، وربما جاءت التجـــارب الأهم لبلورة الظاهرة متمثله في فيلمين مهمين هما، «الإنس والجـــن» لعــادل إمام ويسرا و«البيضة والحجـــر» لأحمد زكـــي ومعالي زايد، فالأول عمل على الدخول المباشر في صُلـــب الموضوع وجسد الصورة الشيطانية في ملامح الإنسان المتــيم بالبطلة والمنتمي للجن الأحمر على حد ما ورد في السيناريو.
وبالقطع تضمنت الحدوتة الصراع ما بين الشخصية الجنيه والشخصية الإنسية في ضوء الرغبة المحمومة من جانب البطل لامتلاك البطلة الجميلة، التي أسرته بسحرها فترك عالمه الميتافيزيقي من أجلها، ودارت على هامش الصراع الرئيسي تفاصيل جانبيه للشخصيات المساعدة، التي وقفت كلها في مواجهة القوة الخفية التي لا قبل لهم بطغيانها وشرها متسلحين بالقرآن الكريم والآيات المنجيات من المس الشيطاني، وقد حسم المخرج محمد راضي القضية حسماً نهائياً بانتصار الخير على الشر وحرق الجن المتسلط على البطلة، مختتماً أحداث الفيلم بتلاوة المعوذتين كنايه عن الحل الناجع للمشكلة الصعبة والمستحيلة.
وفي فيلم «البيضة والحجر» تترجم الأحداث دلالات الجهل كمقوم أساسي من مقومات شيوع الظاهرة الخرافية وبقائها في كل العصور كحالة خارجة على المنطق العقلي، وكذلك استغلال الدجالين للضعف الإنساني، ومحاولة استثمار جهل العامة على النحو المربح مادياً، ولم تستثن الأحداث المجتمعات الراقية أيضاً من تأثير الخرافة، بل شملتها بما يدل على وقوع الغالبية العظمى من الناس تحت وطأة الأزمات النفسية، التي تسلمهم لعصابات النصب والاحتيال، بعدما تستبد بهم الأفكار الهدامة ويصبحون أسرى لوهم السيطرة من القوة غير المرئية، وفي الحقيقة أن أحمد زكي لعب الدور باقتدار شديد وقدم شخصية المحتال بشكل ساخر، فأضاف أداؤه المتقن أبعاداً جوهرية للحالة كصفات الظرف وخفة الظل والذكاء الحاد لمن يتعايشون من الخرافة ويحترفون صناعتها، وبدورها كانت معالي زايد عنصراً انقيادياً داعماً للفكرة العامة ومدلولها، باعتبارها الممثلة للتفاعل النسائي الفج مع دواعي المشكلة، الاجتماعية، التعليمية، الثقافية، الإنسانية بكل مستوياتها التأثيرية، وقد أجادت بالفعل في تقديم النموذج الصارخ لجهل المرأة الشعبية الواقعة في شرك السحر والشعوذة والتغييب.
ولم يكن الفيلمان المشار إليهما هما الوحيدين في قصة التصدي السينمائي للخرافة والأسطورة، بل سبقتهما ولحقتهما أفلام كثيرة منها على سبيل المثال فيلم «سفير جهنم» ليوسف وهبي كتجربة رائده في هذا الصدد، وهو المستلهم من أسطورة فاوست العالمية الشهيرة التي حاكتها أفلام عديدة ترجمت القصة وقدمتها بتنويعات مختلفة، وربما كان فيلم «الريس عمر حرب» الذي أخرجه خالد يوسف قبل سنوات وقام ببطولته هاني سلامة وخالد صالح، حيث قدم الأخير الشخصية الشيطانية بتصرف مغاير للمألوف والمعتاد، إذ ربط الحالة السحرية بالمفاهيم العصرية وأجواء الفساد والليالي الحمر، وصفقات الموت والابتزاز والرشاوى والشهوات والملذات ومراهنات القمار وغيرها من أوجه الانحراف المعلنة والخفية، في محاولة لتعرية المجتمع السفلي المستتر تحت السطح اللامع لحياة الوجهاء وعلية القوم، وهو توظيف حداثي جديد للفكرة القديمة الجانحة إلى الغموض والتركيب والأجواء اللامعقولة.

٭ كاتب من مصر

الأساطير والخرافة في السينما المصرية… غواية بيع الأوهام لجمهور الدرجة الثالثة!

كمال القاضي