«أولاد حارتنا» هذا التحقيق الاستقصائي عن أزمة وطن

إبراهيم عبد المجيد

Sep 10, 2018

محمد شعير من شباب الصحافيين الذين أحبتتهم دائما ويزداد حبي له وأنا أتابع مقالاته وبحوثه. أتوقف دائما عندها وعند كتب من نوع فريد مثل «كتابات نوبة الحراسة.. رسائل عبد الحكيم قاسم»، الذي صدر منذ سنوات، أو كتاب «مذكرات الآنسة أم كلثوم»، والآن يصدر له كتاب مهم جدا هو «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة»، الذي هو جزء من ثلاثية سيصدر جزؤها الثاني قريبا عن مخطوطات نجيب محفوظ، وسيتناول فيه اثني عشر مخطوطا لاثني عشر عملا، وبعده سيصدر الثالث عن طفولة نجيب محفوظ.
متعة الكتاب في أنه ينقل إليك مكان وزمان الأحداث، ويبحث عما يمكن أن يغيب من مواقف المفكرين أو يُنسى، لكنه هنا لا يكتب عن نميمة، بل يكتب باحثا عن معرفة فهو يختار موضوعا كبيرا كان ولا يزال حولنا، وهو التلقي الديني للأدب، ويكمل لنا الصورة من الوجه الآخر، وهو التلقي السياسي للأدب.
نوعان من التلقي متحدان مع بعضهما مهما بدا من فارق. نظام الحكم وشيوخ السلطان، وإن كانت مساحة شيوخ السلطان تتسع مادامت قد بدأت في حضرة السلطان، بدون مواجهة كافية لتصل إلى الدم.. دم الأدباء والكتاب.
البحث الذي قام به محمد شعير هو بحث استقصائي دقيق ورائع، لكنه رغم علمية الكتاب يختار له ككاتب متمرس في فهم الأدب، شكلا أقرب إلى الرواية العصرية، فهو يبدأ كل فصل بمقدمات عن الحالة العامة للبلاد حوله، من أخبار الصحف. ثم يبدأ في موضوعه لكنه لا يستمر فيه، فلا تتعامد الفصول، بل يعود أحيانا إلى التاريخ الأسبق في فصول مستقلة، ليصل من جديد إلى ذروة المسألة، وهي محاولة اغتيال الكاتب نجيب محفوظ. يمكن أن تعتبر هذا نوعا من المشهدية السينمائية، لكن طعم الرواية أبرز، والاثنتان معا تعطيانك المتعة في القراءة، فتنسى صعوبة البحث الذي قام به الكاتب ليصل إليك في هذا الكتاب الرائع. مثلا في الفصل الأول بعد المقدمة عن الأحوال العامة والثقافية في البلاد من إلقاء القبض على الشيوعيين، وسطو على بيت الشاعر أحمد شوقي، ومظاهرات حاشدة ضد عبد الكريم قاسم حاكم العراق وغير ذلك، حتى نصل إلى بدء نشر الفصل الأول من رواية «أولاد حارتنا» في صحيفة «الأهرام» في 21 سبتمبر/أيلول 1959. يستمر الأمر في أغلب الفصول المهمة، ثم ندخل قلب المعركة حول الهيمنة على الأدب والفكر، فنجد أسماء عرفناها جيدا مثل الشيخ محمد الغزالي ضد الرواية، وأسماء ربما غابت عن الكثيرين أو نسوها مثل، الشاعر صالح جودت، الذي كان أيضا ضد الرواية، وكيف بدأت الأزمة برسالة قارئ اسمه محمد أمين إلى صالح جودت محرر باب «أدب وفن» في جريدة «المصور» في 18 ديسمبر/كانون الأول عام 1959، أي قبل اكتمال نشر الرواية وتتحرك الدنيا في الاتجاه ضد الرواية.
يقوم محمد شعير برحلة بحث إلى بيت هذا القارئ بعد كل هذه السنوات، كنوع من البحث الاستقصائي ولا يجده ولا يجد من يعرفه، لكنه ينقل إلينا الأجواء الثقافية وقتها، فنجد مواقف رائعة لكتاب مثل إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، ومواقف متخاذلة من آخرين، بل نعرف أن كثيرا من المثقفين قدموا شكاوى في السرّ إلى الأزهر ولجانه ضد الرواية. وهنا نجد الدور القوي لمحمد حسنين هيكل رئيس تحرير «الأهرام» في جانب نجيب محفوظ، بل نجد أن عبد الناصر نفسه رفض اعتقال نجيب محفوظ ذات مرة من قبل المشير عبد الحكيم عامر، وأمره بإرجاع من ذهبوا لاعتقاله قائلا «أحنا عندنا كام نجيب محفوظ». يحرث محمد شعير حرثا منتجا صعبا في تطورالمسألة، وكيف انتهى الأمر بنشرها بعد سنوات في دار الآداب في بيروت، ورفض محفوظ لنشرها في القاهرة، حتى بعد فوزه بجائزة نوبل، وتفاصيل كثيرة في كل موضوع تجعله حيا بين يديك وتعمق أكثر في المعاني المختلفة للرواية، التي لم ير فيها الإسلامويون إلا كفرا، بينما هو ـ محفوظ – لا يراها إلا رواية أدبية. ونعرف كيف كانت هي الأولى بعد توقف عن الكتابة بعد ثورة يوليو/تموز، ليرى محفوظ كيف يسير العالم، فرأى اعتقالات وكبت للحريات، فكان الخيار بين العدل والفتوات.
وبعيدا عن تفسيرات متعددة للرواية قالها محفوظ وتشجع فيها مع مضي الوقت، فأبرزها كيف يكون «قاسم» معبرا عن النبي محمد وكيف يكون الجبلاوي معبرا عن الله، الذي يؤمن هو بدينه وإنه لا يتجسد. بعيدا عن كل التفسيرات المقنعة، فالكتاب يعرض الجانب السياسي الذي تمثل في كمال الدين حسين وغيره من رجال الحكم، الذين كانت لهم علاقات مع الإخوان من قبل، إلى جانب رجال الأزهر على تعددهم، من محمد الغزالي إلى سيد سابق، ويعرض المؤلف بمهارة وعمق كيف كان الأدباء الحقيقيون بين سندان الدولة الدينية التي تريد البزوغ ومطرقة الدولة القومية التي تريد أدبا هادفا. وقد وصلت المعارك إلى أشدها، ودخلها آخرون مثل فتحي غانم وأحمد بها الدين ومحمد مندور، فضلا عن يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وغيرهم مع حرية الأدب. ووصلت حساسية بعض رجال الحكم مثل كمال الدين حسين إلى الدعوة لوقف مسرحية مأخوذة عن رواية «بداية ونهاية» باعتبارها موازية لـ«أولاد حارتنا» ومعهم بعض رجال الدين، فمادامت هناك بداية ونهاية فهنا قصة الخلق وغير ذلك من خرافاتهم التي لم يكلفوا أنفسهم فيها قراءة الرواية ولا مشاهدة المسرحية .
وتمشي مع الكتاب متشوقا لتعرف كيف كان سيد قطب ضد الرواية، هو الذي كان صديقا لمحفوظ في الأربعينيات، وكتب عن رواياته الأولى مقالات ساحرة تنبأ فيها بقيمة الأدب العربي المقبلة علي يد محفوظ. وكعادته الفنية في الكتاب يعود محمد شعير من بداية العلاقة ليصل إلى نهايتها مع «أولاد حارتنا» ويستمر الأمر حتى دعوة مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبد الرحمن الذي كتب بعد فتوى الخميني بقتل سلمان رشدي عام 1989 إنه لو كان تم قتل محفوظ، ما ظهر سلمان رشدي.
والكتاب لا يقف عن المعركة وحدها وتطورها، بل يصل إلى أجواء ما بعد نوبل، واتهام محفوظ بمناصرة السادات في كامب ديفيد وغير ذلك مما كان له أثر في إحياء الجدل حول الرواية، حتى تم الاعتداء عليه في عام 1994. بحر هادر من الأحداث والبشر تقرأه مستمتعا ومن أجمل الفصول الحديث عن العلاقة بين الرواية ورواية محفوظ التالية «اللص والكلاب» ومصادرها في الحياة من حوله. وتعرف من الكتاب أصول تأثر محفوظ بفكرة الرواية من عمل برنارد شو «العودة إلى ميتو شالح» وتفسير ذلك كله، وبعد النهاية تجد ملحقا بكتابات لمحفوظ ورسائل محفوظ لفيليب ستيوارت المترجم الإنكليزي للرواية ثم تقارير معهد البحوث الإسلامية عن الرواية، ثم وقائع التحقيق مع نجيب محفوظ بعد الاعتداء عليه. مصادر كثيرة عاد إليها محمد شعير وكتاب مثل غالي شكري وسليمان فياض ومحمد سلماوي وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وغيرهم كثير جدا، وجهد غير مسبوق في التحقيق الاستقصائي عن المسألة باعتبارها أكبر من كونها أزمة رواية، بل أزمة أمة ووطن.

٭ روائي مصري

«أولاد حارتنا» هذا التحقيق الاستقصائي عن أزمة وطن

إبراهيم عبد المجيد

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left