تصعب كتابة مؤلّف يصمد عن عالم يتغيّر : سلمان رشدي: أنا أسوأ بستاني في العالم

حوار أجراه مارك ويتزمان

Sep 10, 2018

ولد سلمان أحمد رشدي في الهند في مومباي في 19 يونيو/حزيران 1947، يحمل الجنسية البريطانية، والده رجل أعمال مشهور في كشمير اسمه أنيس رشدي، توفي والده عام 1987، عندما كان عمر سلمان أربعين عاماً، تحمل بعد ذلك مسؤولية عائلته، درس في المدرسة التبشيرية الإنكليزية، وكان يتقن اللغة الإنكليزية هو وعائلته بسبب معيشتهم في بريطانيا، ثم أكمل دراسته للتاريخ في جامعة كنغ لونغ في مدينة كامبريدج البريطانية، وكان يهوى الكتابة ويحب مجال الأدب كثيراً.
كاتب مثير للجدل، أصدر العديد من الكتب والروايات.
روايته «عامان وثمانية أشهر وثمان وعشرون ليلة» التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «أكت سود» الباريسية، بعد مدّة وجيزة من صدورها عن دار «راندوم هاوس» النيويوركية، شكلت محور لقاء حواري لفائدة المجلة الأدبية الفرنسية.
إن الصُّدَف والحوادث بل الكوابيس التي تتوزع حياته هي التي تجعل الكاتب يعطي شكلا ما للعالم. ليس عبر ما عاشه، ولكن كفاءته في تحويل ما يحدث له إلى تجربة دالّة تجعل منه، معاصرا لنا، لا يهمُّ المكان الذي جاء منه. سلمان رشدي هو من دفع هذا المنطق بعيدا، يبقى حالة فريدة من نوعها في التّاريخ الأدبي المعاصر. كتابه السابق «جوزيف أنطون» يعود بطريقة نصف- رومانسية إلى سنوات المنع التي تلت الفتوى التي أطلقها النظام الإيراني الخميني ضده سنة 1989، على إثر نشر كتابه «آيات شيطانية». لم تكن الرّواية تستحق، ولكن حقّا ذلك العَبث اللامتكافئ، بين محتوى الكتاب والجائزة التي رصدها الإسلام السياسي لمؤلفه، حيث استخلص سلمان رشدي الدلالة الأكثر عمقا من المسلسل بأكمله.
أما روايته الجديدة «عامان وثمانية أشهر وثمان وعشرون ليلة»، بعبارة أخرى لنقل ألف ليلة وليلة، هي في الوقت نفسه النّقيض وتتمّة الكتاب السابق. إنَّها العودة إلى التخييل، إلى حرية الخرافة والتحول اللانهائي. وهي كذلك ساعة التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، تظاهرة لصالح المدن الدولية الكبرى والخارجة عن النطاق اليوم، من طرف التيار الشعبوي الدّولي- لندن حيث عاش فيها سابقا. نيويورك التي يعيش فيها سلمان رشدي الآن منذ 1999، أي معنى إنساني إيجابي نعطيه لتجربة العولمة التي تجرفنا؟ «التعويض الكبير» الذي طالما ذممناه هو بالنسبة لسلمان رشدي فرصة لتحول ثابت، به يكشف الجنس الروائي عن معناه المتجدّد دوما. روايته الأخيرة تدور قي القرن الثاني عشر في نيويورك، يربط فيها التقاليد الغربية للقصّ، بالتّقاليد الشرقية وقالبها الحكائي، في إطار الصّراع بين العقل والنّقل، الذي شهدته الثقافة العربية.
خلق الكاتب من احتدام هذا الصّراع حالة روائية، أدان بها بشكل ضمني الإرهاب التّكفيري المتمثّل في تلك الوحوش المدمّرة، التي تفتك بكلّ ما هو جميل في الحياة. إنّها رواية أفكار، أبطالها: ابن رشد الفيلسوف، دنيا، الغزالي، رواية أعطى فيها الكاتب لنفسه حرّية التنقّل من غصن إلى غصن كطائر، ومن عالم غريب إلى عالم أشدّ غرابة.
هنا نص الحوار:

■ ما يثير الدهشة في رواية «عامان وثمانية أشهر وثمان وعشرون ليلة» هو طابعها الهجين، فالكتاب رواية حضرية معاصرة، رواية أفكار، قبل كل شيء، هو كتاب يصف عالما في قطيعة مع نفسه، عالما لا نستطيع أن نعرف ما إذا كان في طور الهدم أو البناء الذاتيين.
□ تصعب كتابة مؤلف يصمد في عالم متغير، بعيدا عن المظهر السياسي الخالص، من البديهي أننا نعيش حقبة التغير ليس فقط شديد الكثافة، ولكن أيضا نعيش تغيرا سريعا بشكل استثنائي. يعتبر هذا التّوليف من الكثافة والسّرعة عنصرا مدهشا حقّا. لا يكون فقط في المجال السياسي، الذي لا يعكس من جهة أخرى في غالب الأحيان سوى هذا التغير. ولد أبي سنة 1910، وتوفي سنة 1987. لقد مرت تقريبا ثلاثون سنة. فإذا ما عاد اليوم، ماذا سيفهم حول ما يجري حولنا؟ يقتضي التحدّي إذن، أن نبدع مؤلفا كونيا ومستديما أكثر منه مجرد جواب عن الأحداث الطارئة، ولكن تربطه صلة بها. أن نجد أنفسنا محصورين في إثارة حرب الدين بين المسيحية والإسلام، مثلا، لم يكن لذلك بالنسبة لي أيّ أهمية. يبدو لي أن الصراعات ذات الطبيعة الفلسفية، التي تم إدخالها في دراما أحداث الرواية عبر ابن رشد وخصمه الغزالي، حيث نجدها اليوم مرّة أخرى في ما يسمى بالدّولة الإسلامية، كانت حاضرة دائما، وستكون صالحة لعدّة قرون منذ مدّة طويلة عندما تختفي الطريقة التي تعبّر بها اليوم. عندما بدأت الكتابة، لا أحد كان يسمع بالدولة الإسلامية، وهذه الفكرة المتعلقة بالصراع العسكري الأخروي كان مجرد خيال خالص. لكن التحولات التي نحن خاضعون لها ليست فقط سياسية. من يتذكر منا ماذا يعني القرص مثلا، أو الفاكس؟ إن التكنولوجيا التي بدأت بتغيير العالم، تتحول حاليا هي بنفسها، بينما العالم يستمِرّ في التحوّل. لدينا إحساس ممِضّ جدّا، أن نحيا في عالم قواعده في طور التغيّر، وسيتغير أكثر فأكثر، وهذا سيكون دائما، رغم أنّ لا أحد يملك الوقت للتكيّف. سيخلق ذلك كل أنواع الشّكوك والاضطرابات ومن ثم، كل «الضربات» التي هي عنوان القِسم الثاني من الكتاب الأكثر عجائبية، أردت أن أجد وسيلة كي أصف حالة من الواقع الذي هو عالم حيث يصبح الكلّ غريبا، وأريد كذلك أن أبرهن كم هو غريب في حد ذاته أن أعيش في حقبة معينة من التحوّل العظيم.
■ باللجوء كذلك إلى العجيب، «عامان..» هو بدون شك لجوء راهني، ولكنه يذهب عكس تيار توجه مهيمن في الأدب الجاد اليوم، الذي هو اللاتخييل الروبورتاج الأدبي كان محظوظا، كما هو الشأن بالنسبة للكتب السيرذاتية التي تعتبر الكتب الأكثر مبيعا دوليا Best-sellers.
□ نعم، تقع رواية «عامان» عن عمد في معارضة كلّ ذلك. مثلي أنا، من جهة أخرى، إذا ما طلبت مني متى بدأت، إذا ما نويت يوما أن أكتب سيرة ذاتية سأرفع كتفي، لأن حياتي بالنسبة لي أصبحت عرضيا «مُهِمَّة» مثل كتاب Joseph Anton بينما ينظر مستخفيا «جوزيف أنطون» تحديدا من جهة السجل الذي تتحدثون عنه. هذا اللاتخييل الأوتوبيوغرافي الذي تتستر حرارته السردية لفائدة الرواية. إنه كتاب أساسي، لكنه صعب وكتابته استغرقت وقتا كبيرا، فعندما أكملته عدت إلى الأسباب التي من أجلها أردت أن أصبح كاتبا، والتي ليس لها أي علاقة بكتابة مذكرات.
■ هي حكي تعلُّم كاتبا من عالم الرعب الذي نعيش فيه اليوم تقريبا. عالم أدركتموه بشكل عرضي قبل كلّ الناس حيث غياب التخييل.
□ إن تربيتي حول موضوع الرعب كانت قد بدأت قبل انبثاق النزعة الإسلامية. في شبابي في لندن كانت منظمة الجمهورية السِرّية الإيرلندية L’IRA¨ موجودة . كنا نرى بانتظام انفجار قنبلة في متجر كبير، أو في مكان آخر، كنت معجبا جدا بردود فعل الإنكليز. إنّ هذه الطّريقة في قول «نعم، هذه أشياء تحدث» الرفض في الخضوع لمنطق الرعب. لقد كان ذلك ما تعلمته، إذا سمحتم قبل أن يأخذ ذلك منحى شخصيا ويؤثر على وجودي مباشرة. عندما حدث لي ذلك، كانت نهاية الحرب الباردة وإطلاق سراح مانديلا. لحظة أمل عظيمة بالنسبة لباقي العالم، فتغيرت حياتي رأسا باتجاه معاكس، وهو ما جعل الأشياء صعبة بالنسبة لي، من ناحية أخرى كان الناس يحتفلون بسقوط الجدار، بينما تبقى الجدران حولي. لقد كانت سنوات صعبة. اليوم، أقول بأنني عشت مسبقا شيئا يحدث حاليا لكل الناس. بهذا المعنى، كان ذلك تعلّما.
■ كم كان مرورك من ذلك إلى «عامان..»؟
□ كان يجب عليّ العودة إلى شيء ابتكره، وليس فقط إلى شيء أبدعه، ولكنني أقول، لمن كانوا بالنسبة إليّ نقطة انطلاق. الكتب والقصص التي جعلتني عاشقا للكتب والقصص، كل هذه الحكايات الخرافية المشرقية، أولا كتاب «ألف ليلة وليلة» الأكثر شهرة، ولكنه ليس وحده في الدورة الشهيرة. لا أتحدث عن ملحمة مها بهاراتا، ولكن حكايات الحيوانات، أو هذه الدورة العظيمة من القصص المسماة Kathâsaritsâgara (الكاتاساريتساغارا) (مجموعة حكايات خرافية وشعبية للهند حررها بالسنسكريتية سوماديفا في القرن 11م في كشمير، وهي أطول من كتاب «ألف ليلة وليلة»، ما دام الأمر يتعلق بدورة من ثمانية عشر كتابا. كبرت مع كل ذلك. لقد كانت هي طريقتي الأولى لإدراك التخييل الأدبي. وعندما بدأت في ما بعد في اكتشاف الأدب الغربي، شدني فورا الكتّاب الذين كانوا في روحي منخرطين في هذا التراث. كافكا مثلا، أو بولغاكوف.عندما تقرأون تشعرون بهذه الحساسية، حساسية قريبة على كل حال. إنها تكويني بشكل حرفي، بعدما انتهيت من تأليف رواية «جوزيف أنطون»، قلت لنفسي لماذا لا أعود إلى ذلك لأرى ماذا سينتج؟ كانت الصعوبة، طبعا، هي ألا أسقط في الفلكلور. إنّ الأمر يتعلّق بتأليف كتاب تخييلي معاصر، يتحدث عن اليوم الحاضر، ولكن باستعمال هذه الوسائل القديمة. «ماذا سيحدث إذا ما وصلت إلى نيويورك اليوم بحقيبة مملوءة بهذه القصص العتيقة؟»، وبالجملة، هذا السؤال هو سؤال يخصّ تَكَوُّن الكتاب، فتحت الحقيبة وحاولت أن أصنع شيئا من كل ذلك.
■ توجد في الكتابات إحالات ميثولوجية يونانية، شمالية، هناك الشياطين، كل ذلك يعطي للرواية جوا بنهاية العالم، ولكن نهاية كون حيث كل شيء يبقى دائما ممكنا. نهاية قيامية تؤمن بتعدد الآلهة بشكل من الأشكال، بدون حكم ولا موعظة.
□ لا تتحرك آلهة الميثولوجيا اليونانية بطريقة فاضلة بالخُصوص إنّهم ليسوا وعاظا، هم فقط أقوياء، ويفرضون حُبَّهم في النّتيجة، فقط هذا كل شيء، لا يعطون مثالا للاحتذاء، وهو ما يجعلهم كائنات إنسانية: هم مثلنا، ولكن بامتداد أكبر، أما بالنسبة للشياطين.. أولا غالبية الناس يحيلون على الشياطين كجزء من التّراث الإسلامي، ولكن ذلك يعتبر شيئا خاطئا. في الهند مثلا التي لا تعتبر بلدا إسلاميا، يعود تراث الجن إلى الآف السنين، وهو دائما تراثُ حَيُّ. فهو لا يرتبِط بالدين. إنّ مجموعة من الشياطين التي تثيرها الحكايات تظهر أنها تشك أكثر من الكائنات البشرية في وجود الله. إن وجود عالم سحري، بعبارات أخرى لا يتضمن الجنّة. إنها فقط واقع آخر، لا تربطه أيّ علاقة مع الإلوهي، كل ذلك سمح لي بالتقرب من العجائبي بطريقة دنيوية، وليست وعظية، فالشياطين مرة أخيار ومرة أخرى أشرار مثلنا نحن. إنها لعبة. لقد بدأت في التساؤل حول ما يمكن أن يشبه عالم الجن هذا، حيث يعيش الناس فيه لمدّة طويلة، إذ لا شيء مهمّ يمكن فعله. لا أفلام، ولا كتب، ولا تلفزيون ولا حاسوب.. ينامون مجتمعين، ويتدخلون في حياة البشر. هذا ما بقي لهم. وعلى الرغم من قوتهم الكبرى بالمقارنة معنا فإنهم أيضا وبشكل لا نهائي أكثر محدودية. وبالتالي، فإن أحد مرتكزات مقاربتهم للحياة الإنسانية هي الغيرة. إننا فعلا أكثر أهمية منهم.
■ أريد أن أعود إلى مفهوم الغرابة، الذي يبدو لي هو المظهر الأكثر معاصرة للكتاب.
□ كان هو المرتكز الأول. أعدت قراءة كافكا. ما هو مهم في التحول هو غياب كل محاولة تفسير سردي، الوضعية هي ما هي عليه، ولكن الفكرة الأولى التي قفزت في ذهني في رواية «عامان..» هو شيء ما تقريبا شبيها بذلك. قصة الرجل (وقد أصبح السيد جيرنيمو في الرواية) الذي بدأ في المشي بدون أي تفسير، لبعض الميليمترات فوق الأرض وحوله سيبدي نحوه كلّ النّاس ردود أفعالهم بطريقة أو بأخرى. نعم، موضوع هذه الأرض التي ننتمي إليها، وإليها نستند، أو بالأحرى لما ينتسب إليها الكِتَاب: لقد كان ذلك أمرا إشكاليا، بالنسبة لي دائما بدون شك. إحدى هذه النتائج أن تكون مهاجرا مضاعفا، انطلق من الهند متّجها إلى بريطانيا وبعد ذلك من بريطانيا العظمى إلى نيويورك. لأي أرض ينتسب الكتاب؟ لأي أرض أنتمي؟ إنه سؤال وجبت عليَّ الإجابة عنه تقريبا عند كل كِتَاب، وتتغير الإجابة بحسب الظروف. إن كاتبا مثل فولكنر يعرف جيّدا من أين جاء. إنه يعرف تجذره في جزء من الأرض التي تدور فيها أعماله، بروست أيضا، وفيليب روث، وغيرهم. على العكس من ذلك، يبدو لي أنني انْتُزِعت من كل فكرة طبيعية لأرض الانتساب. ومن ثم، ولدت بدون شك فكرة من نمط السير لبعض الميليمترات فوق الأرض بدون أن يفهم هو نفسه السّبب. وبالفعل، المظهر المؤلم، إنه هو البستاني. أنا أسوأ بستاني في العالم، إنه نشاط أكون فيه عاجزا تماما، لا أعرف حتى مجرد تمييز أي شيء. لكن ذلك يبدو لي شيئا مهمّا، أن نرى شخصا قضى حياته في البستنة، وفجأة لا يقدر أن يلمس الأرض. يحيلني ذلك إلى الجملة الشهيرة لفولتير. ففي سياق كنديد، وردت الجملة التالية: «يجب (زراعة) تفليح البستان» التي تعتبر تقريرا للهزيمة: ننسحب من العالم، ندخل إلى المنزل، نهتم بشؤوننا. لكنّني فكرت أن ذلك يمكن أن يعني شيئا آخر إيجابيا أكثر، فبدأت في التفكير في هذا الاتجاه. البستاني الذي لا يمكنه أبدا الدخول إلى المنزل، عليه ان يهتم بشؤونه من خارج الأرض بشكل من الأشكال: بدأ الكتاب هكذا.
■ من أين جاءتك فكرة أن تخلط هذه الوضعية المعاصرة لخارج الأرض مع ابن رشد الفيلسوف العربي؟
□ بدأت بكتابة بعض الصفحات حول ابن رشد وعن إسبانيا القرن 12 بالتوازي، بدون أي فكرة لما أود أن أفعل بذلك. لم يكن لذلك أي علاقة بالباقي، بالفعل، بدأت العلاقة تقوم شيئا فشيئا من خلال شخصية دنيا اليهودية التي التقاها ابن رشد في بداية الزاوية، والتي تبين أنها جِنِّية. اكتشفت معنى أكثر حدة من معنى الارتجال السابق. في بداياتي كنت مهووسا بالبنية، كان يخيفني ذلك كثيرا. كنت في حاجة لفهم شكلاني للكتاب قبل القدرة على كتابته اليوم. لا أعرف السبب لكنّني أترك لنفسي الحرية أكثر. لديّ شعور بالقدرة على الانطلاق بدون أن أعرف في البداية أين سيذهب ذلك. بعض الكتاب الذين أعرفهم يذهبون أبعد في هذا الاتجاه. ميشيل أونداتجي مثلا، يتقدم نسقيا، بالغريزة، مقصيا الأغصان الميتة في الوقت الذي ينضبط فيه الحكي. إنه الشيء الذي لم أقم به أبدا إلى حدود هذه اللحظة، ولكنني وجدت نفسي أنا أقوم بذلك هذه المرة.
■ يُلِحُّ الكِتَاب بالخصوص على الأصول اليهودية لأغلبية شخصياتك.
□ كان ذلك أمرا حتميّا ،عندئذ جعلت بداية الكتاب في القرن 12 في إسبانيا. لقد كان هناك صدى معبر في فعل وضع ابن رشد – الفيلسوف الذي تم منعه من فعل التفلسف – في صلة مع يهود أجبرتهم الظروف على أن يزعموا أنهم ليسوا يهودا. ومن جهة أخرى، يطابق ذلك الواقع. لقد كان ابن رشد فعلا منفيا في مدينة ليسينا، في الأندلس، حيث غالبية سكانها من اليهود المجبرين على اعتناق ديانة الإسلام. إن أهم الأشياء مع ابن رشد، هو في النهاية تأثيره المهم جدا في أوروبا أكثر من التراث الإسلامي. القديس سانت توما الأكويني مثلا تأثر كثيرا بشروحاته حول أرسطو؛ وكذلك الإنسيون الفلورنسيون للنهضة الأولى. وبعبارات أخرى، لقد كان قويّا جدّا خارج تراثه أكثر من داخله. ومن ثم، فالاتصال باليهود أنجز طبيعيا بالنسبة لي في ما يتعلق به. ومن جهة أخرى، تقع أحداث الكتاب هنا، في نيويورك: المكان مثل الموضوع، كما أتخيل ذلك بشكل طبيعي، فقد وجهانني نحو اليهود.
■ أنت تعيش في نيويورك منذ نهاية سنوات 1990. هل من أجل المدينة نفسها أو من أجل اقترابك من بوتقة الأدب الأمريكي، الذي أثر فيك كثيرا، أنت وجيل من الكتاب البريطانيين الذين تنتمي إليهم؟
□ الإثنان معا، كنت دائما أريد العيش في نيويورك، جئت للمرة الأولى في سن الرابعة والعشرين، ونيويورك المهمّشة في أي مكان، نيويورك الشباب، حيث يمكنك أن تصل ماليا إلى كل ما تريد، ولهذا السبب، تقاطرت عليها مجموعة من الفنانين. عندما تمكنت من العودة إليها، قمت بذلك ولكن بدون أن أتوقع كم من الوقت اعتقدت أنني سأقضيه. كان يمكن أن يكون ذلك ستة أشهر. ولكنني لم أغادرها بعد أبدا. فعلا، إنها مدينة مختلفة أكثر غنى. لكنني كنت دائما أرغب في أن أرى كيف ستصبح… أما بالنسبة لأثر الأدب الأمريكي علينا، مارتن الصديق هو بالخصوص الذي تأثر بالكاتب بيلوي، يان ماكوان أيضا. إن الأمر أبعد من ذلك، بدأت صدمة الأدب الأمريكي مع مارك توين وهيك لوبيري فين، كيرت فونكيت وتوماس بينشون هم كذلك كانوا قراء كبارا، الكتاب اليهود أيضا، روث ، مالامود، وأخيرا أدب السود: أنا من المعجبين الكبار بالإنسان اللامرئي، لمن تغني؟ الرواية الوحيدة لرالف ايليسون، اليوم هي واحدة من أفضل كتبي، ومعجب بكثرة بجيمس بالدوان، الذي استطاع أن يكون جذريا كأمريكي أسود وكمِثْلِي. تعتبر هذه «الأمركنة» على الفور تعددية ثقافية. إن هذا الإحساس بالانتماء الذي يقتضي أيضا أن يحمل لثقافة البلد أداة خاصة بكم. كل ذلك جذبني دائما وبقوة، خاصة بواسطة الطريقة التي تترجم بها اللغة بواسطة الحرية التي تتمتّع بها الإنكليزية الأمريكية، هناك على الأقل عشرة أنواع من الإنكليزية في الولايات المتحدة الأمريكية، حسب المنطقة التي جئتم منها أو تسكنون فيها. لم أكنْ أشعر بأنّني سأجد هذا المستوى من الاهتمام في الأدب البريطاني للحقبة.
■ هل تقولون بذلك أنّ الأمر كان تكوينا أدبيًّا لكم؟
□ مع السينما، نعم، الموجة الجديدة خاصة التي كان لها تأثير عليّ، كانت هناك حقبة كنت فيها قادرا على أن أحفظ عن ظهر قلب حوارات بييرو الأبله، سينما سنوات 1960 والأدب الأمريكي في بعده الأكثر كونية، هما المجالان اللذان كوَّناني ككاتب. تواصل هذه النزعة الكونية مسيرها اليوم مع كُتَّاب أمريكيين مثل جيمــــبا لاهيري، الذي ولد من أبوين بنغاليين في لندن، أو جينو دياز، الذي جاء من جمهورية الدومينيك… كلهم يحملون معهم حكايات، جاءت من جهات أخرى إلى حضن الأدب الأمريكي. أن أعيش هنا في اتصال مع التيار العبر- وطني في الأدب، أجد ذلك بالمعنى الخاص فيه إثراء كبير. من هنا أيضا جاء الكتاب، من هذه الرغبة في فتح حقيبتي والمساهمة في التحول الكبير.

الحوار مأخوذ من المجلّة الأدبية الفرنسية
العدد 571 لشهر سبتمبر/أيلول 2016
أجراه : مارك ويتزمان
ترجمه وقدّم له: سعيد بن الهاني

تصعب كتابة مؤلّف يصمد عن عالم يتغيّر : سلمان رشدي: أنا أسوأ بستاني في العالم

حوار أجراه مارك ويتزمان

- -

1 COMMENT

  1. شكراً جزيلاً للكاتب على الترجمة. لكن أود الاشارة إلى خطأ في ترجمة إسم كاتب بريطاني هو مارتن أميس وليس مارتن الصادق.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left