ذوبان الطبقة الوسطى وخطر انهيار الأمن الاجتماعي

أيمن يوسف أبو لبن

Sep 10, 2018

تؤدي الطبقة الوسطى دوراً حيويا في إحلال التوازن الاجتماعي وما يصاحبه من توازن سياسي واقتصادي للدولة والمجتمع، وكلما اتسعت الطبقة الوسطى في المجتمع ونمت، كان ذلك مؤشراً إيجابياً.
فالطبقة الوسطى غالباً ما تتكون من فئة التجار وأصحاب المنشآت الصغيرة، وموظفي القطاع الخاص، وهي طبقة غالبها من المُثقّفين والمهتمين بشؤون المجتمع والمتذوقين للفن والأدب، الذين يتميزون بقدرة مالية على الإنفاق في مجال التعليم الخاص، والسياحة الداخلية، وارتياد المقاهي والمسارح ودور السينما، يضاف إلى ذلك الاهتمام بالقراءة والمطالعة، ودعم النشاطات الثقافية.
هذه الدورة المتكاملة تعمل في النهاية على دعم الاقتصاد المحلّي واصطباغ المجتمع بحركة إنسانية راقية وجميلة، تحافظ على وهج ونبض الحياة اليوميّة، كما تعمل أيضاً على التوازن بين طبقة الأثرياء وأصحاب السلطة من جهة، وطبقة العمّال ومحدودي الدخل من جهة أخرى. لذلك تُعتبر الطبقة الوسطى صمام ورمز الأمان الاجتماعي.

تكافؤ الفرص

من شروط استمرار وازدهار الطبقة الوسطى، وجود قوانين فاعلة تضمن تكافؤ الفرص، وتوزيع الثروات بشكل عادل، وكذلك ضرورة توفر بيئة اجتماعية تُكافح الفساد والمحسوبية. كما تبرز الحاجة أيضاً لوجود نظام ضريبي عادل، ينظر بعين الخبير في إقرار القوانين الضريبية والاقتطاعات من الأجور.
لهذا نقول إن دور الطبقة الوسطى في الحياة السياسية هو دور حيوي وأساسي، وتاريخياً فقد كان لهذه الطبقة دور فاعل ومؤثر في قيادة المجتمعات نحو التغيير وإرساء الديمقراطية وتحقيق العدل الاجتماعي، ولنا خير مثال في الثورة الفرنسية (التي تبنّتها في الأساس الطبقة الوسطى) وما تلاها من ثورات حقوقية غيّرت وجه العالم الغربي. كما لعبت هذه الطبقة دوراً أساسياً في تعافي الدول الأوروبية من آثار الحرب العالمية الثانية.
كما يصح القول، إن أفراد الطبقة الوسطى غالباً ما يقومون بدعم حركات التغيير والإصلاح السياسي أينما وكيفما تطلّب ذلك، لما يتمتعون به من حس سياسي وثقافة عالية، وإيمان مُطلق بالمبادئ الاجتماعية.
وعند النظر في واقع مجتمعاتنا العربية في العقد الماضي، نجد العديد من المنعطفات التاريخيّة وما رافقها من متغيرّات سياسية واقتصادية (ترافقت بدورها مع تغيّرات اجتماعية)، أدّت في النهاية إلى نشوء ظاهرة انكماش أو تآكل الطبقة الوسطى.
قد يقول البعض إنها نتيجة طبيعية لتطوّر المجتمعات، ولكني أقول إنها نتيجة مباشرة لخسارة صراع التغيير، واستسلامنا لواقع الحال ثم قبولنا مُرغمين بما رسمته دوائر صنع القرار من تكريس لشكل الدولة السلطوية، القائمة على الفساد والمصالح الخاصة، والتي تقوم على استئثار فئة معينة بخيرات البلاد، وانفرادها بمفاتيح اللعبة.
سوء الأوضاع السياسيّة والاقتصادية، وعدم تكافؤ الفرص، دفع أغلبية أفراد الطبقة الوسطى إلى الاهتمام بشؤونهم الخاصة لضمان استمرارهم في المستوى المعيشي نفسه، وهذا تطلّب الابتعاد عن الشأن العام، أو بمعنى آخر التقوقع على الذات والتخلّي عن روح المشاركة الإيجابية والتفاعل، فيما بحث بعضهم عن فرصة للالتحاق بصفوف طبقة الأثرياء وأصحاب السلطة.
وقد نتج عن هذا إعلاء لقيم التملّك في المجتمع على حساب قيم المشاركة، والأهم من ذلك هروب رؤوس الأموال إلى الخارج على حساب دعم السوق المحلي، مع فتح الطريق لدخول الشركات الأجنبية العابرة للقارات إلى السوق الوطني على حساب المستثمر المحلّي.

تغييرات اجتماعية

ما نشهده اليوم من تغيرات اجتماعية، يتمحور في جوهره حول ذوبان الطبقة الوسطى المعتدلة ذات السمات الإيجابية، مع طُغيان الفردية الأنانية وحب التملّك على حساب قيم المجتمع العامة.
ما أود قوله هنا، إن تعريف الطبقة الوسطى، ليس مرتبطاً فقط في معيار الدخل، وإن ذوبان الطبقة الوسطى ليس محدوداً فقط، في تغيّر مستوى الدخول الاقتصادية، وما يتبعه من تغيّر في طبقات المجتمع، ولكنه يعني من وجهة نظري: طمس الهوية الثقافية والمجتمعية لهذه الطبقة، وامّحاء السمات الشخصية لها، ثم تحوّلها تدريجياً، إلى طبقة «لا فلزيّة»، سلبية المشاعر، ضعيفة التأثير ومحدودة الفعالية.
إن ما نشهده اليوم من خلو الساحة الثقافية والفكرية، سوى من عدد قليل من المؤثرين الحقيقيين، بعد تحوّل العديد من المثقفين والأكاديميين إلى «أصحاب بزنس»، يُضاف إلى ذلك قلّة الاهتمام بالشأن العام، وما نعانيه من رغبة عالية في التملّك الفردي، واختلال حاد في تقييم البشر بناء على أرصدتهم البنكية، وأثمان مقتنياتهم وليس بناء على مؤهلاتهم أو أخلاقهم وسلوكياتهم، هو نتيجة مباشرة لذوبان الطبقة الوسطى، ولكننا لا ندرك أو لا نريد أن نقر بذلك!
إن ازدياد نسب الجرائم والعنف المجتمعي والانفلات الأمني، مؤشر على خسارة الهوية الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى ليس بالمفهوم الاقتصادي البحت ولكن بالمفهوم الاجتماعي الإنساني.
فنتيجة لذوبان الهويّة الاجتماعيّة للطبقة الوسطى وانعدام تأثيرها، أصبح المجتمع مقسوماً بين «كبار البلد»، ومواطنين من الدرجة الثالثة!

التصحر المجتمعي

هاجس ذوبان الطبقة المتوسطة، وما يتبعه من نتائج وخيمة على مجتمعاتنا العربية، هو مادة دسمة يتم تناولها ومناقشتها على مستويات عديدة في العالم، إلا أننا ما زلنا غير مدركين كأفراد، نتائج ذوبان وتآكل هذه الطبقة في مجتمعاتنا.
وهذا في الحقيقة لا يختلف عن كيفيّة تعاملنا مع الأخطار الأخرى المُحدقة بنا، والتي نسمع ونقرأ عنها الكثير، فمعظمنا على سبيل المثال يقرأ عن مشكلة التغيًر المناخي وذوبان القطب الشمالي أو التلوّث البيئي، وتأثير ذلك على كوكب الأرض، وعلى الصحة ونوعيّة الحياة التي نعيش، ولكننا لا ندرك حقيقةً أو بالتحديد ماهيّة تلك المخاطر، وحتى لو أدركناها فإننا للأسف لا نفعل شيئا يُذكر لمنع حدوثها أو على الأقل تخفيف وطأتها.
ماذا علينا ان نفعل، لإيقاف هذا التصحّر المجتمعي إن جاز التعبير؟
إن المطلوب هو بكل بساطة، استعادة الإيمان بالقيم الإنسانية والمبادئ التي قامت عليها مجتمعاتنا وآمنت بها، والاهتمام بجوهر الانسان، وليس بمظهره ومقتنياته.
باختصار علينا أن نستمر في عضويّة «نادي الطبقة الوسطى» بغض النظر عن وضعنا الاقتصادي، وهذه العضويّة تتطلّب منا المحافظة على الهويّة الثقافيّة لمجتمعاتنا، والدفاع عنها واعلائها، مع استمرار النضال في سبيل تحقيق شروط العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، لضمان الأمان الاجتماعي.
المفارقة، أن العالم اليوم مليء بالأجهزة الذكيّة ومترعٌ بالعوالم الافتراضية، ولكنه يحتوي على إنسانيّة أقل! وأخشى إن استمررنا في المضي قدما مع هذا التطوّر دون إدراك للقضايا العامة التي تحيط بنا، والمشاكل الجوهريّة التي تُحدق بنا، أن ينكمش الانسان فينا، فنصبح مجرّد آلة تعمل للكسب، مع فقداننا قيمتنا «الإنسانية»!
لنادي الطبقة الوسطى أدعوكم، فهل من مجيب؟!

كاتب ومُدوّن من الأردن

ذوبان الطبقة الوسطى وخطر انهيار الأمن الاجتماعي

أيمن يوسف أبو لبن

- -

14 تعليقات

  1. ثلثا مرتب الموظف تستحوذ البنوك وما تبقى من المرتب اقتطاع عن كل عملية سحب قيمته النسبة المئوية على ما تُسمى قيمة مضافة وأداء على القيمة المضافة.
    ما تبقى يتوزع ما بين النقل والخبز والماء والغاز والكهرباء إلى أن تغرق ما تسمى بالطبقة الوسطى في المجال الأحمر من الديون عند البنوك. والحال أن تلك الطبقة من المجتمع تُقتطع من دخلها السنوي الجباية للخزينة دون الأثرياء خاصة الجدد منهم فهم الواحد منهم معفي من دفع الأداءات وقد برزت في المجتمعات أغنياء يستغرب المرء من أين لهم تلك الأموال الطائلة بحيث برزت طبقة غنية وأخرى فقيرة وانعدم وجود طبقة وسطى وغابت العدالة الإجتماعية وانعكاس ذلك سوف يؤثر على التوازن الإجتماعي العالمي . وقد انجر عن ذلك اختلال في قيمة العُملات وفي النهاية العالم يمضي نحو أزمة اقتصادية انعكاساتها قد تكون كنظيرتها التي ظهرت سنة 29 من القرن الماضي.

  2. كانت الطبقة الوسطي تعني متوسطي الحال الإقتصادي! أما الآن فتغير المصطلح إلي متوسطي الحال العلمي!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. *حيا الله أخي أيمن والجميع.
    مقال ممتاز والمفروض يتم
    توجيهه إلى(الحكومات) العربية
    وإلى كل المسؤولين والمنظرين
    والمخططين لنهضة الشعوب
    والبلدان المتخلفة.
    *للأسف معظم دولنا العربية (المنكوبة)
    تحولت لطبقتين فقط؛-
    *طبقة الأثرياء(الحيتات)..
    *طبقة البسطاء والمستورين دنيا وآخره
    (إن شاءالله).
    سلام

    • تحياتي عزيزي سامح
      دور الدول والحكومات مهم جدا. ولكني أردت التركيز على دور الأفراد والمجتمع، لأنه متاح لنا وحيوي جدا، وبالإمكان المحافظة على عضوية النادي إن جاز التعبير

      • يقول الأستاذ موسى شتيوي “إن الطبقة الوسطى مضغوطة ولكنها بخير”، فيما يعتقد الأستاذ ماهر المحروق المحروق أنها في حالة انزلاق خطير. فما رأيكم أستاذ أيمن مع الشكر

        • أستاذ رامي، رأيي ما وضحته في المقال، نحن نعاني من حالة انكماش حقيقية، والظواهر تثبت ذلك.
          المهم هو ما يجب أن نفعله لسد هذا الانكماش

  4. أستاذ أيمن هل ترون صحيحا تقسيم الطبقة الوسطى الى طبقة وسطى عليا وطبقة وسطى متوسطة وطبقة وسطى دنيا، ويفرق بينها مستوى الدخل والمستوى التعليمي والحالة الاجتماعية.

    • أستاذ مازن. نعم صحيح. الطبقة الوسطى هي فئة كبيرة تضم عدة فئات تتراوح دخولها ومستوى ثقافتها وتعليمها، ولكن في العموم هناك صفات مشتركة، وصبغة عامة.
      تحياتي

      • الأستاذ العزيز تختلف مقاييس الطبقة الوسطى حسب الثقافات فما هي في الحالة الأردنية برأيكم الذي نحترمه وشكرا

        • الأستاذ أسامة. اقتصاديا، كل من يملك دخلا يغطي مصاريفه بما فيها أقساط التزاماته من ايجار قروض فيزا إلخ. يعتبر من الطبقة الوسطى، يضاف إليها من يستطيع التوفير او الإستثمار في مشاريع صغيرة وأسهم وتجارة.
          ولكن هناك بعد ثقافي اجتماعي أيضا

  5. سيدي الكريم مقال أكثر من رائع وأود أن توضح لنا تصوركم للمسألة الأردني التي يلخصها الرأي القائل إنه قد لا تكون الطبقة الوسطى تراجعت من ناحية الحجم حتى الآن لأنها تتكون بالأساس من موظفي الحكومة والبيروقراطية التي توسعت وازداد دخلها، لكن الضغوط الواقعة عليها لا شك ستؤدي الى انزلاق الكثيرين منها نحو الفقر لاحقا مع ذهاب المدخرات.
    أما إذا كانت تراجعت، وهي نتائج خرجت بها الكثير من الدراسات، فمن الأهمية بمكان أن تكون هناك حلول لهذه الظاهرة لكي لا يستغل المغرضون ومثيرو الفتن تراجع الوضع الاقتصادي واندحار الطبقة الوسطى للتسبب بما لا يسيء سياسيا.

  6. الأستاذ حسين. في الأردن هناك تراجع واضح منذ اتفاقية البنك الدولي في عهد الرئيس الطراونة، وما تلاها من إجراءات.
    ولكن المقلق هو التغيير الاجتماعي وانحدار المجتمع.
    ما نراه من عنف اجتماعي، خروج على القانون، تجارة المخدرات….إلخ هذه نتائج تغيير في الهوية الثقافية والاجتماعية. وهذا شيئ لم تعهده من قبل في مجتمعنا الأردني

Leave a Reply to حسين جاسم Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left