ابن سلمان الذي توعّد الصحوة فأنجز

إحسان الفقيه

Sep 10, 2018

لما تولّى الحجاج بن يوسف الثقفي ولاية العراق، دخل الكوفة نهارًا، فصعد منبر المسجد، فاجتمع إليه الناس وقد أطال السكوت، فلما تكلمَ زلزلَ قلوبهم بالوعيد: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْمِلُ الشَّرَّ مَحْمَلَهُ، وَأَحْذُوهُ بِنَعْلِهِ، وَأَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ، وَإِنِّي لَأَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَقَدْ حَانَ قِطَافُهَا، إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ بَيْنَ الْعَمَائِمِ وَاللِّحَى».
وقد أنجز الحجاج وعيده وأنفذه، فالرجل كان يقتل بالظن، ويعتقل بالوشاية والشبهة، فكان الحال كما عبر عنه النووي اختصارا بقوله: فوليها عشرين سنة وحطَم أهلها، وفعل ما فعل.
وبعد مرور 14 قرنًا من الزمان، بدا ولي العهد السعودي يسير على الخطى ذاتها، ويُفاجئ العالم عبر جلسة حوارية بمنتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» العام المُنصرم، بخطاب حمل من التهديد والوعيد ما حمل.
«سوف نُدمرهم اليوم، وفورًا»، هكذا سوّق ابن الملك سلمان لتوجهاته في المرحلة الراهنة، فهو يتوعد مشروع الصحوة الذي قال إنه انتشر في السعودية وغيرها بعد 1979، وحمّله مسؤولية التطرف، وبالفعل، أنجز ولي العهد وعيده، فليست حملة الاعتقالات التي طالت ـ قبل التصريح وبعده – عددًا كبيرا من الدعاة والعلماء والمُصلحين الذين ينتمي معظمهم لهذا التيار، سوى ترجمة لتوجّهاته الجديدة. قبل أن نربط بين تهديدات ابن سلمان وحملة الاعتقالات الحالية، يجدر بنا التعرف قبلها على مشروع الصحوة، ليسهل إدراك المغزى من استهداف هذا التيار.
بعد الضربات القوية التي تعرضت لها جماعة الإخوان في الستينيات، كان هناك من إخوان سوريا من يخرج عن هذه العباءة، ويرحل إلى المملكة السعودية، ليعيد صياغة المنهج الإخواني وفق رؤيتة النقدية، إنه الداعية السوري محمد سرور زين العابدين، مؤسس ما أطلق عليه البعض تيار السرورية، وهو اسم يرفضه أصحاب هذا الفكر، حيث أنهم يبتعدون عن أي تصنيف أو مسمى، وعُرفوا كذلك بتيار الصحوة. دمج محمد سرور بين الضبط والتأصيل السلفي، والمنهج الحركي للإخوان، بين سلفية المنهج وعصرية المواجهة، فأفرز مزيجًا من المنهجين.
فهناك اهتمام بالعقيدة على غرار السلفية، لكنها ارتبطت في ظل هذا المنهج بالحياة المعاصرة، حتى تكون العقيدة منطلقًا للتغيير في الواقع، في ما يعرف بحيوية العقيدة.
كما أن هناك اهتماما بالجانب العلمي، وبالهدْيِ الظاهر الذي اهتم به السلفيون، فلا يكاد العوام البسطاء يفرقون بين أتباع مشروع الصحوة وبين السلفيين في هذا الجانب.
وأخذ هذا التيار من الإخوان حركيتهم وبرامجهم الدعوية والعمل المؤسسي، مع تخفيف في الهيكل التنظيمي، فكان هناك تنسيق بين رموز المشروع، إلا أنه لم يصل إلى شكل البنية التنظيمية للإخوان المسلمين، فنستطيع القول إنه عبارة عن مظلة منهجية فكرية يتحرك تحتها أتباع المنهج في كل دولة ومجتمع بصورة مستقلة، مع تواصل وتنسيق بين الرموز، خاصة في مواسم الحج والعمرات.
اهتم التيار بالصفاء المنهجي وخُلُوِّ المنهج من الأفكار المخالفة لسبيل أهل السنة على غرار توجهات ابن تيمية، بالتوازي مع الاهتمام بقضية الحاكمية التي كانت مِحور اهتمام وكتابات سيد قطب، إضافة إلى الاهتمام بالقضايا الفكرية.
وبرزت على الساحة كثير من المصطلحات التي لم تكن في بؤرة اهتمام الإسلاميين، كفقه المصالح والمفاسد، وفقه الأولويات، وفقه الواقع، كما تعامل دعاة هذا التيار مع ولي الأمر بشكل ينزع عنهم هالة التقديس التي صنعتها الجامية والسلفية المؤسسية، حتى أنهم طالبوا بإصلاحات سياسية جِدية بصورة رسمية مكتوبة.
اهتم التيار كثيرًا بالتعاطي مع الواقع السياسي بخلاف السلفية، وكان هناك إقبال كبير على محاضرات رموز هذا التيار كسلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر وعبد الوهاب الطريري وغيرهم، حيث رأى كثير من الشباب في طرحهم شيئًا جديدًا مختلفًا عن التقوقع السلفي.
كان أبرز محطات الصدام مع هذا التيار إبان حرب الخليج عندما قدموا وجهة نظر معارضة لعلماء المملكة الرسميين في جواز الاستعانة بغير المسلمين في تحرير الكويت، حيث عارض دعاة الصحوة الأمر ولم يروا صحة تكييفه الفقهي أو انطباق الضوابط الشرعية لتلك المسألة على تلك الحالة، ولأنه سيفتح الباب أمام التدخلات الخارجية في العالم الإسلامي، وعلى خلفية هذا الصدام، تم اعتقال عدد كبير من هؤلاء الدعاة.
ونتيجة للتضييقات الأمنية وقوة السلفية المؤسسية التي بدّعت أتباع هذا المشروع واتهمتهم بالخروج، تمّ حلْحلَة هذا التيار، ولم يتبقَّ منه سوى مظلّته الفكرية التي يعمل تحتها دعاة ومؤسسات من دون تنظيم، واتجه مُنظّروه أمثال سلمان العودة للعمل الإصلاحي والدعوي والإنساني العام، والنأي عن القضايا السياسية، نظرًا لافتقاد المناخ الذي يسمح بذلك.
نعود إلى توجهات ولي العهد السعودي الرامية إلى الانصهار في المجتمع الدولي وتغريب وجه الحياة في المملكة والسير على خطى ولي عهد الإمارات، فكان سبيله إلى ذلك استئصال شأفة جماعات الإسلام السياسي، كالإخوان وكل من خرج من عباءتهم وهو محتفظٌ ببعض أصولهم وملامح منهجهم، والإبقاء فقط على تيار الجامية التي تُقدس طاعة ولي الأمر وتُشرعن له الفساد، والسلفية التقليدية والمؤسسية المُتقوقعة في الإطار الفقهي النظري والإفتاء، من دون التطرق إلى الواقع السياسي، ولا تخرج في الجملة أيضا عن توجهات ولي الأمر.
ونظرًا لأن تيار الصحوة يدخل ضمن فئة المغضوب عليهم، فقد تم استهدافه بعد أن أصبح الرأي الرسمي في المملكة يعتبر جماعة الإخوان منظمة إرهابية يجب ملاحقتها، وبطبيعة الحال كان التوجه لملاحقة رموز الصحوة التي خرجت من رحم المنهج الإخواني، حتى بعد التغيرات التي طرأت على أفكارهم ومسلكهم، لأن ولي العهد السعودي لا يريد أن يشهد إحياء الأفكار الثورية من جديد، ويسعى فقط للاحتفاظ بالتيار الديني الذي يساعده على التوافق مع التوجهات الأمريكية والغربية، على الرغم من أن هذا الاتجاه فقد مصداقيته وبريقه، ما يعني أن الدولة السعودية مكشوفة أيديولوجيًا.
ما أود قوله، إن هذه الاعتقالات الموسعة ليست لأن هؤلاء الدعاة لم يباركوا الإجراءات السعودية الأخيرة، خاصة الحصار الاقتصادي على قطر، ولم يكونوا من فئة (المطبلين)، بل لرغبة ولي العهد في تتبع وملاحقة الأفكار الثورية التي ترفض تقديس ولي الأمر، ولا ترى التماهي الكامل معه إلا في نطاق المسموح به شرعًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

كاتبة أردنية

ابن سلمان الذي توعّد الصحوة فأنجز

إحسان الفقيه

- -

7 تعليقات

  1. يجب على آل سعود عزل ملكهم الحالي وتنصيب ملك جديد, كما عزلوا الملك سعود سنة 1964 ليستبدلوه بالملك فيصل!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. اين ذهب الجبابره والاكاسره رحلوا الى مزبلة التاريخ تلاحقهم لعنات المظلومين والمكلومين.
    وسيرحل بن سلمان وزبانيته وتبقى شريعة الله ومن يحملها ويدعو اليها شامخاً رغم المحن قال الله تعالى
    أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ )
    [الرعد 17]
    كذلك يضرب الله الحق والباطل
    فاطمئنوا لن يستطيعوا ان يطفئوا نور الله وسيشع عن قريب باذن الواحد الاحد
    قال تعالى(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
    [التوبة 32]

  3. تاريخيا آل سعود اختضنوا و ساعدوا الاخوان المسلمين و الاسلام السياسي عموما خاصة فى صراعهم مع الانظمة القومجية الاشتراكية كمصر و سوريا و العراق و اليمن الجنوبي و الأنظمة العلمانية كتونس كان آل سعود من خير امة أخرجت للناس اليوم تتغير السياسة و للسياسة احكام….أصبح آل سعود أعداء الصحوة….و الحقيقة ان آل سعود و الاخوان المسلمين هم وجهان لعملة واحدة هى التجارة بالدين لا أكثر و لا أقل …. تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

  4. *الله أعلم أن المراهق سياسيا
    (محمد بن سلمان) لن يستمر طويلا
    وسوف يسقط بعد موت أبيه بفترة وجيزة.
    *للأسف بعض المشايخ يجرون وراء
    مصالحهم الشخصية وجل همهم
    جمع (الأموال) ونسوا الآخرة(هداهم الله).
    سلام

  5. قلناها سابقا ونعييدها اليوم رجل الدين يمارس مهنة يعتاش منها هو وعائلته ومن اجل مصلحته يفعل اي شيء فنفس هؤلاء الدعاة من بارك الفتنة في ليبيا لان حكوماتهم كانت تريد اسقاط القذافي وتكرر الامر في العراق وسوريا واليمن فالناس تقتل وتششرد وبلدان تدمر ولم نسمع منهم اي فتوى تعارض حكوماتهم الا عندما تتعارض مع مصالحهم, كلن الاجدر بهم منذ البداية عدم مبايعة هؤلاء الملوك والامراء لو كانوا صادقين

  6. أنا موقن يابنتي أن ما فعله ابن سلمان هو تنفيذ لأوامر من يأخذون منه الجزية عن يد وهو صاغر. فهو صنيعتهم مثله مثل كمال أتاتورك والعسكر وبورقيبة واشباهه. لقد صعدوا إلى دست الحكم ليؤمنوا الكيان الصهيوني، ويستأصلوا الإسلام وجماعاته الفاعلة، ويخربوا اقتصاد بلادهم، وعقول أبنائهم، وينشروا الإلحاد والعلمانية الآثمة ونسليم الأوطان لمن يريد مجانا أو يثمن بخس. السؤال هو : هل ينجحون؟ النتيجة حية تتمثل في سقوط أتاتورك وبورقيبة وأشياههما طال الزمان أم قصر.

  7. إن محمد بن سلمان اتخذ فرعون مصر الجديد السيسي قدوة له في فرض العلمانية على المسلمين في عقر دارهم، فبدأ بفتك وقتل العلماء قبل العامة.

Leave a Reply to ابو زكرياء / اليمن Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left