عندما يتكلم الوزير «العقون» في الجزائر

ناصر الجابي

Sep 10, 2018

«العقون» باللغة الدارجة الجزائرية، هو الأبكم الذي لا يحسن الكلام ولا يقدر عليه بشكل واضح. كما يحصل هذه الأيام من قبل مسؤولينا السياسيين، الذين يمكن أن يتسببوا في اضطرابات سياسية خطيرة، تكون وراء هذه الأزمة في التعامل مع المواطنين يوميا عن طريق وسائل الإعلام، أو اثناء التواصل المباشر معهم. يدفعون ثمنها بالإقالة والزيادة في تعميق أزمة شرعية النظام السياسي.
هذا ما حصل مع وزير الصحة مؤخرا وهو يتحدث عن وفاة أستاذة جامعية بلسعة عقرب. فبدل ان يعزي العائلة ويشرح للمواطنين ظروف وفاة هذه الشابة، بعد عشرة أيام مكوث في قاعة الإنعاش بمستشفى عمومي. انطلق بلغة فرنسية ركيكة في شرح سلوك العقرب الذي لا يؤذي إلا من آذاه! مقترحا على الجزائريين التعايش مع الطبيعة وعدم استفزاز العقارب على وجه الخصوص، باعتباره أستاذ في الطب، قبل ان يكون وزيرا.
علما بأن عدم القدرة على التواصل مع المواطن ليست مقتصرة على الوزراء التكنوقراط، بل تمس مختلف أنواع المسؤولين، فهي تمس العسكري والمدني والبيروقراطي، وحتى السياسي الحزبي الذي يفترض فيه أنه يحسن التواصل مع المواطنين، كما يحصل مع زعيم أكبر حزب سياسي، تحول في المدة الأخيرة، الى مجال للتنكيت، وزاد من أزمة الحزب السياسي في الجزائر والنظام ككل.
تخبرنا العودة الى تاريخ الجزائر السياسي، أن الظاهرة ليست جديدة على الجزائر والجزائريين، فرئيس وفد سياسي كبير اثناء ثورة التحرير، وبدل أن يقول لأعضاء مجلس النواب الليبيين، أنه فخور بأن الملك الليبي السنوسي، من أصول جزائرية، صرح لهم علنا وهو يخطب عليهم بلهجة غير مفهومة انه.. يعتذر أن الملك الليبي من أصول جزائرية. بالطبع كان من الضروري تصحيح الخطأ بسرعة، فالرجل كان يقصد انه فخور بالأصول الجزائرية للملك السنوسي. فالقاعدة في الجزائر ان هناك فرقا بين ما يصرح به المسؤول الجزائري وما يقصده.
قائمة المسؤولين الجزائريين الذين توفاهم الله، بعد عمر طويل وتربع على عرش مسؤوليات سياسية مهمة، من دون التمكن من إلقاء خطبة واحدة بلغة مفهومة، قائمة طويلة، قد تكون في حاجة لكتاب كامل للحديث عنها. كتاب سيعرف الكثير من النجاح في الجزائر والخارج، كما يؤشر إلى ذلك ما يكتب ويتم تداوله هذه الأيام على صفحات التواصل الاجتماعي، من قبل الجزائريين ووسائل الإعلام الدولية.
فالرئيس بن بله توفاه الله، دون التمكن من إلقاء خطبة واحدة واضحة. الشيء نفسه بالنسبة للرئيس الشاذلي الذي تحول أثناء حكمه الى مادة تنكيت يومي للجزائريين. الرئيس زروال ابن المؤسسة العسكرية، كان صاحب نصيب وافر من هذه الأزمة في التواصل والحديث الى المواطنين. كانت الجزائر في حاجة إليها وهي تعيش أزمة أمنية وسياسية، رغم فصاحة الرئيس بوتفليقة بالعربية والفرنسية، إلا أنه سكت عن الكلام نتيجة مرضه هذه المرة، وكأن القدر يصر على منع الجزائريين من الاستماع الى مسؤوليهم وهم يحدثونهم بلغة مفهومة ككل شعوب الأرض.
تفسير هذه الظاهرة بالتأكيد ليس باليسير، فهو يحيل إلى التاريخ الثقافي للجزائر، الذي لم ينتج متعلما يحسن التعامل بلغات الشعب. فالجزائري إذا تكلم العربية تحول الى «أزهري» حتى عندما يكون مبتدأ في العربية. نتيجة العقدة من التعامل بالدارجة والامازيغية لاحقا التي لم تظهر باستيحاء الا مؤخرا كلغة خطاب سياسي. حال ثقافي أوجد لغة تعامل يومي لدى المسؤول الجزائري، لا هي فرنسية سليمة وواضحة ولا عربية مفهومة. حالة تشبه حالة لغة «الكريول «لدى الأفارقة، في أمريكا الوسطى. هي مزيج من الدارجة والعربية والفرنسية، يتم الانتقال اثناء الخطاب بينها، من دون تمهيد ولا ضرورة. النتيجة تكون سوء فهم وقول أشياء غير مقصودة، تزيد في ضبابية المشهد وتعقد العلاقة بين المرسل والمتلقي.
أزمة كان النظام السياسي قد تنبه لها في السنوات الأولى للاستقلال، فأوجد «شراحا» لهذا الخطاب، بل مؤسسة كاملة هي جهاز حزب جبهة التحرير التي تخصص مناضلوه ومثقفوه في شرح… خطاب الأخ الرئيس الذي يفترض فيه انه غير واضح من المصدر! بالطبع الأمر لا يقتصر على عدم تحكم في اللغة، القضية مرتبطة كذلك بالعقيدة السياسية لهذا النظام السياسي ورجاله، فالسياسي الجزائري مقتنع قناعة راسخة أنه ليس في حاجة إلى إقناع أو شرح للمواطن، الذي تعلم التعامل معه عن طريق الأوامر والنواهي. فرئيس الجمهورية الذي عينه هو الوحيد الذي يقدم له التوضيحات والتفسيرات عما قام به وما لم يقم به. يمكن أن يوبخه على الملأ ويقيله من دون تبرير، بعد ان تدهورت مكانة الوزير.
مستوى آخر مهم يمكن ان يفسر هذا العجز الكبير في التواصل لدى السياسي الجزائري بكل نتائجه الممكنة، يتعلق الأمر بإفراز النخبة السياسية نفسها ومؤسسات إنتاجها، فالوزير الجزائري إذا اكتفينا بهذه الفئة التي كثرت هفواتها هذه الأيام، ليس ابن حزب ولا تجربة سياسية له في الغالب، حتى إن انتمى شكليا لحزب سياسي. فليست الحركة الطلابية ولا الحركة النقابية ولا الأحزاب هي التي انتجت للجزائر سياسييها، الجهة والشللية والمحاباة هي المكلفة بإنتاج نخبة الجزائر السياسية بكل العيوب التي نعرفها.
وزير يعرف بالتجربة أنه يحتل موقع المنفذ داخل هذا النظام السياسي، لا يضع سياسات إنما يطبق سياسات مهما كانت متضاربة، وقد لا يكون بالضرورة متفقا معها، لكنه يعمر طويلا في منصبه لتطبيقها، «حظه العاثر» هو الوحيد الذي يمكن أن يفسد عليه مساره المهني إذا حصلت له مشكلة في القطاع الذي يسيره. كما حصل في قطاع الصحة عند اندلاع وباء الكوليرا هذا الصيف والوزير في عطلة. من هنا سادت تلك الثقافة السياسية التي ترى في أي مشكل تسيير يومي … أيادي اجنبية ومؤامرة ضد السيد الوزير والبلد! فمن يضمن ان العقرب الذي تسبب في وفاة الأستاذة الجامعية، لم يتسلل من الحدود، في هذا الولاية الحدودية، بمحاذاة ليبيا ودول الساحل المضطربة! فعقاربنا الجزائرية مسالمة حسب السيد الوزير، لا يمكن ان تلسع الا من اعتدى عليها وهددها!
وجود ساحة إعلامية تعددية في حضور مسؤول سياسي «عقون» زادت إذن من اضطراب المشهد السياسي، فالمسؤول الجزائري تعود على دور رئيس تحرير المؤسسة الإعلامية الرسمية العمومية الذي يصحح له اخطاءه ويخفي هفواته، عكس المشهد الإعلامي الحالي الذي ينقل على المباشر الندوة الصحافية واللقاء مع المواطنين، لتحصل الكارثة عند أول احتكاك مباشر مع المواطنين.

كاتب جزائري

عندما يتكلم الوزير «العقون» في الجزائر

ناصر الجابي

- -

2 تعليقات

  1. من حقي أن أتساءل ؟ إن كانت هذه الأخت الطبيبة رحمها الله تعالى قد تعرضت للدغ في مكان عملها أي في المختبر فأين بقية الفريق الذي يعمل معها، وأين الفنيون وخبراء التخصص في هذا المجال؟ الأولىٰ أن نعرف ما حدث بالفعل ؟ في بيئة الشغل، ونعرف نوعية هذا المختبر وسياق القصة بالتفصيل عندها قد يصدر عنا نقدٌ ينصف الأخت المختصة في هذا المجال رحمها الله تعالىٰ، لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.

  2. شكرا استاذ على هذا المقال في الصميم, و السؤال المطروح هو كالتالي: ان الوزير وقت الرئيس بومدين ليس هو الوزير الكائن اليوم بمستواه المتدني, لقد كان الوزير رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من محتوى, الا ترى ان كاريزما الرئيس وقتها و خطاباته الجزائرية العمق هي التي كانت تغطي عن وزراءه في مسألة التواصل؟؟؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left