إيران على خط المواجهة في البصرة وإدلب

[1]

وسائل الإعلام تتحدث دائماً عن الوجود الإيراني في سوريا. تنسى أو تتناسى الوجود الأمريكي في العراق. أمريكا لم تغادر العراق، في الواقع، مذّ اجتاحته عام 2003. وجودها كان وما زال، عسكرياً وسياسياً. أدركت اخيراً أن تنامي نفوذ فصائل المقاومة، داخل «الحشد الشعبي» وخارجه، يهدد وجودها ونفوذها، كما وجود وكلائها السياسيين. خططت ونفذت بالتعاون مع السعودية لاحتواء نفوذ فصائل المقاومة وتأثيرها بدعم احزاب وتكتلات وشخصيات سياسية متعاونة معها، ومعادية لإيران. نجحت في استمالة حيدر العبادي وإقناعه بأن بقاءه رئيساً للحكومة ورجل مرحلة ما بعد الانتخابات الأخيرة مرهون بتعاونه مع المتعاونين معها من تكتلات سياسية مناهضة لإيران داخل البرلمان وخارجه.
فصائل المقاومة المناهضة لأمريكا و»إسرائيل» أقلقها إعلان العبادي التزام العراق تنفيذ العقوبات الأمريكية ضد ايران. قررت، بلا إبطاء، إزاحة العبادي من رئاسة الحكومة بالتعاون مع منافسيه. أسهمت، لهذه الغاية، في مساعٍ حثيثة لتكوين الكتلة الأكبر في البرلمان ليصبح من حقها رئاسة الحكومة الجديدة والحصول على غالبية أعضائها. كادت تنجح لولا أن واشنطن تداركت الخسارة بالتدخل مع التكتلات البرلمانية الكردية وإقناعها بأن ترهن دعمها لأيٍّ من التكتلات المتنافسة باستجابة مطالبها السياسية. هكذا عطّل الكرد العراقيون، إلى حين، تأليف حكومة جديدة مناهضة لأمريكا في العراق.
الكرد السوريون حاولوا، بإيعاز من أمريكا، تعطيل إمكانية تعاون تركيا مع سوريا في تحرير محافظة إدلب من الفصائل الإرهابية. «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد) الجناح السياسي لـِ»قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الكرد، أعلن البدء بتشكيل إدارة موحدة للمناطق الخاضعة لسيطرتها (بفضل تمركز القوات الامريكية شرق الفرات) في خطوة من شأنها إثارة مخاوف الاتراك وحملهم، في ظنّ واشنطن، على مراجعة موقفهم المؤيد، ظاهراً في الاقل، لتفاهم محور إيران – سوريا- روسيا.
أمريكا لم تكتفِ بما أنجزته مع الكرد العراقيين والسوريين. أعلنت أنها ستوجّه ضربة شديدة للجيش السوري، إذا ما قام باستعمال أسلحة كيميائية ضد المتمردين في إدلب. إلى ذلك، صرح كل من وزير الحرب الإسرائيلي افيدغور ليبرمان وبعده رئيسه بنيامين نتنياهو بما معناه أن «اسرائيل» ستقوم بضرب الصواريخ البالستية الإيرانية الجاري توضيعها في العراق.
في غمرة هذه التهديدات، انفجر الوضع المضطرب في البصرة، وجرى تصعيده بقيام عناصر معادية للمقاومة ولإيران بإحراق وتدمير جملة مقار لفصائل المقاومة المعادية لأمريكا و»اسرائيل»، كما القنصلية الإيرانية. فصائل المقاومة حمّلت حكومة العبادي مسؤولية الإضطرابات الامنية المفتعلة، ودعت العبادي بالاشتراك مع كتلة «سائرون» إلى تقديم استقالته، في حين فسّر قادة في محور المقاومة ما جرى في البصرة بأنه افتتاح صهيوامريكي معجّل التنفيذ لجبهة عسكرية في موازاة جبهة إدلب التي تعتزم سوريا فتحها بين يوم وآخر.
إلى اين من هنا؟
من المبكر القطع بتطورات سياسية وعسكرية حاسمة، لكن يمكن ترجيح الآتي:
لا تأثير رادعاً لافتتاح جبهة البصرة على محور المقاومة، بدليل أن جابري انصاري أعلن باسم الخارجية الإيرانية، حتى قبل انعقاد قمة طهران للرؤساء بوتين وروحاني وأردوغان، بأن البيان المشترك للقمة، جرى إنجازه وهو يتضمن تأكيداً على مواصلة مكافحة الإرهاب، وعلى ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم.
سوريا تبدو مصممة على تحرير إدلب من الفصائل الإرهابية وفي مقدمتها جبهة «النصرة» التي تسيطر على أجزاء واسعة من المحافظة، وإنها عازمة أيضاً على التصدي لأي طرف خارجي يتدخل لدعم الفصائل الإرهابية بقصد استئخار معركة التحرير.
تركيا متخوّفة من تداعيات معركة إدلب، ولاسيما لجهة تدفق الآف السوريين الهاربين من معمعتها إلى الاراضي التركية. لذا بذلت وتبذل جهوداً حثيثة لإقناع مختلف الفصائل بعقد تسوياتٍ مع الحكومة السورية، لتفادي اراقة الدماء وتهجير المدنيين، كما ركّزت في قمة طهران على جدوى إعطائها المزيد من الوقت للفصل بين الفصائل «المعتدلة» وجبهة «النصرة»الإرهابية.
فرص التسوية مع الفصائل «المعتدلة» متوافرة، لكن المشكلة هي في صعوبة ايجاد حل للعناصر الإرهابية غير العربية – كالإيغور الصينيين والتركمانستايين والشيشان – الذين تعارض حكوماتهم في عودتهم إلى بلادهم.
من المستبعد أن تخوض أمريكا معركةً في سوريا أو العراق بجنودها، لكن من الممكن أن تنخرط بطائراتها وصواريخها، كما حدث في الماضي القريب بقصفها مطار خان شيخون السوري.
«إسرائيل» تدرك أن بشار الأسد كسب معركة سوريا ضد الفصائل الإرهابية ومن يقف وراءها، غير أنها تؤكد عزمها على متابعة تصديها لتموضع إيران في سوريا، كما لتزويد حزب الله بالسلاح والعتاد عبر الاراضي السورية.
لا يعقل ألاّ يضع قادة سوريا وايران وروسيا في حسبانهم أن يكون لدى أمريكا و»اسرائيل»، بسببٍ من حماقة ترامب وضغوط نتنياهو ونفوذه في الكونغرس، مخطط لشن ضربة مدمرة وموجعة لكلٍّ من سوريا وإيران بقصد اضعافهما واخراجهما من دائرة الصراع الاقليمي. لكن لا يعقل في المقابل ألاّ تتخذ قيادات محور المقاومة من الاستعدادات والتحوّطات ما يكفل إحباط المخطط الصهيوامريكي وتدفيع اطرافه ثمناً باهظاً.
ـ أنهى اتفاق كتلة «الفتح» (فصائل المقاومة) وكتلة «سائرون» (مقتدى الصدر) خطة أمريكا الرامية إلى ترئيس العبادي، وأصبح من الممكن تأليف حكومة توافق وطني مناهضة للمخطط الصهيوأمريكي، وربما للوجود الامريكي في العراق.
يُستفاد من مجمل ما رشح من محادثات قمة طهران ومن التطورات الميدانية اللاحقة أن الصراع على جميع المستويات في سوريا والعراق طويل الأمد، ومثله الصراع السياسي والعسكري في مجمل المنطقة، ولاسيما في وجه المخطط الصهيوأمريكي.

كاتب لبناني

إيران على خط المواجهة في البصرة وإدلب

د. عصام نعمان