في محبة محمد صلاح

عبد الحليم قنديل

Sep 10, 2018

قد يبدو غريبا أن يهتم من هو مثلى بحالة محمد صلاح، فلست على علاقة مودة بكرة القدم، لا هواية ولا إدمان مشاهدة للمباريات، ولا لعبا بطبائع الأحوال، وقد لعبت مباراة واحدة في حياتي، كانت في فناء مدرستي الريفية، وكنت تلميذا في الصف الخامس الابتدائي، ونجحت في إحراز فشل لا يصدق، وسددت بطريق الخطأ خمسة أهداف في مرمى فريقي المسكين، وكانت تلك نهاية القصة التي لم أعد لمثلها أبدا.
ربما لذلك، يبدو لي لاعب كرة القدم كأنه يصنع شيئا عجبا، تماما كما يبدو لي الفنان التشكيلي، ومحمد صلاح لاعب وفنان في الوقت نفسه، فلا توحي هيئته النحيلة بلياقة بدنية عالية، وبقدر ما توحي بتكوين فنى ظاهر، يبدو في طريقة إطلاق لحيته، وفي تسريحة شعره المهوشة، وفي ابتسامته الطفولية الطيبة، وكأنه خارج لتوه من مرسمه المنعزل، وربما كانت بساطته اللافتة، التي يبدو فيها كأي شاب مصري تصادفه في الشوارع وعلى النواصي، هي التي فتحت طريقه السريع الممهد إلى قلوب الناس، فلا عجرفة ولا تكبر، ولا زهو منتفخ الأوداج، بل موهبة فطرية تلقائية، قد يكون صقلها التدريب المتصل، وحافظت عليها الاستقامة الخلقية، لكن التدريب وحده، ومهما بلغت براعة أساليبه، لا يصنع لاعب كرة قدم بحجم محمد صلاح، واستقامة الأخلاق جمعته مع محمود الخطيب ومحمد أبو تريكة، وقد صنع الخطيب وأبو تريكة مجدا كرويا لا ينسى، لكن محمد صلاح جاء عنوانا لطفرة صاروخية، وارتقى قمما لم يبلغها من قبله لاعب مصري، ولا لاعب آخر من أرجاء المعمورة العربية، بل صار منافسا على القمة الدولية، واختارته «الفيفا» ـ الاتحاد الدولى لكرة القدم ـ واحدا من ثلاثة مرشحين فقط لجائزة أفضل لاعب في العالم.
وقد يقال إن قصص النجاح كثيرة، وإن تفوق المصريين ظاهر في مجالات الرياضة والأدب والفن والعلم، ومتى ما اتيحت لهم الفرص العادلة المتكافئة، وكل هذا صحيح، فالمصريون ليسوا شعبا عنصريا يزهو بتفوق عرقي، وهم أبعد الناس عن ادعاءات صفيقة من هذا النوع، وبلدهم أقدم معامل صهر البشر في التاريخ الإنساني، وقد خلق ذلك ثراء عظيما في الشخصية المصرية، يسكن المدن، كما أعماق الريف الذي جاء منه محمد صلاح، لا يملك سوى تعليمه المتوسط المتاح على علاته، وسوى تاريخ من مباريات «الكرة الشراب» في أزقة قريته المتواضعة، وهدته أقداره إلى فريق أنشأته شركة «المقاولون العرب»، وهي الأخرى صرح مصري عريق، لمع نجمه في عملية بناء السد العالي، ولم يكن فريق «المقاولون» من المنافسين في العادة على القمة الكروية المصرية، فهو ليس كالأهلي ولا الزمالك، اللذين يتشاركان أغلب جمهور الكرة المصرية تاريخيا، ولديهم فوائض شهرة ومال كافية لاجتذاب الموهوبين، ولم يدخل محمد صلاح باب الزمالك ولا باب الأهلي نادي القرن العشرين، الذي دخله الخطيب وأبو تريكة، لكنه دخل الباب الأوسع بامتياز، وقادته حظوظه السعيدة إلى الاحتراف الخارجي في أندية أوروبا، وصولا إلى التألق غير المسبوق في نادي «ليفربول» الإنكليزى، وحيث تحول إلى أسطورة، وإلى نجم لا يبارى على مستطيل الكرة الأخضر، كما في قلوب البريطانيين قبل المصريين والعرب، وتحولت «سجدته» الشهيرة عقب كل هدف يحرزه إلى «أيقونة»، وإلى مثال فريد نافذ إلى وجدان غير المسلمين في الدنيا كلها، وإلى علامة حضارية مسجلة باسمه، تفتح مغاليق العقول، وتبرز تفوق وعظمة وثراء إنسانية الإسلام المفترى عليه.
وقد لا نقول جديدا، إذا كررنا ذكر حقيقة لا يمارى فيها أحد، هي أن محمد صلاح الأكثر شعبية بين المصريين الآن، وعند العرب جميعا، وبشخصه السحري الجذاب، وليس فقط بامتيازه الخارق كلاعب كرة قدم، وهو ما يفسر سرعة اكتساح محمد صلاح لعناد بيروقراطي غشوم من اتحاد كرة القدم المصري، وبمجرد ظهوره في فيديو قصير لمدة دقيقتين، شرح فيه حقيقة مطالبه الاحترافية، وكونها لصالح كل لاعبي المنتخب المصري، من نوع توفير الحراسة ومنع التطفل وإهدار الوقت، ومنح اللاعبين فرصة التركيز في التدريب والاستعداد، وتلك أبسط مقتضيات وقواعد العمل، التى ماطل فيها، بل وسفهها بارونات اتحاد الكرة، وكان انحياز الناس لمحمد صلاح، وتصديقهم الجارف على كلامه، هو ما جعل اتحاد الكرة يزحف على بطنه، وينفذ كل مطالب «مو» صلاح، بل ويغالي في التنفيذ إلى ما لم يطلبه محمد صلاح أصلا، وكانت تلك المعركة التى حسم فيها الفوز لمحمد صلاح بالضربة القاضية، ما يؤكد قوة شعبية اللاعب النحيل القصير، المعجون بطيبة وفطرية وذكاء المصريين، الصادق في غير تقعر ولا التواء، المكتسح لفساد وعجز بيروقراطي، يقتل حيوية المصريين، وكأن صلاح بما فعل في نزاع خاطف، كان يبشر المصريين بإمكانية النصر، وتفكيك القيود التي تشل حركتهم، وتمنع انطلاق طاقاتهم الحبيسة، وهذه واحدة من روابط «العروة الوثقى» النفسية عند المصريين تجاه محمد صلاح، بعد أن تحول الأخير من لاعب إلى رمز كودي، وإلى قدوة تنير الطريق لشباب مصر الحقيقي الموهوب، وليس «شباب البلاستيك» المفروضين قسرا على الشاشات وفي المؤتمرات الرسمية.
نعم، محمد صلاح ليس سلطة ولا كرباجا، ولا إنجازا يملك أحد أن يدعيه لنفسه، بل صنع نفسه بنفسه، وبعبقريته الفطرية لا بالمصادفة، وببساطته الآخاذة لا بالاصطناع ولا بالتزويق، وبدأب الجهد والتعب لا بالمظهرية الكذابة، وبفنية وجمال وسلاسة لعبه الاحترافي، وبإيمانه الديني المصري البليغ، الخالي من كل صور التنطع والغلو، فهو مثال للمصري الحقيقي، حين تزيح عنه أكوام التراب وأدران اللحظة، وتجلو معدنه أصيلا صافيا، وتصله بإيقاع عصره وضرورات العيش فيه، وقتها يصل إلى المكانة التي يستحقها تحت شمس الله، وتستحقها مصر لها المجد في العالمين، وهكذا فعل محمد صلاح، ونال في الغربة، ما يحلم به أقرانه من المصريين، الذين يعيشون الغربة وهم في ديارهم الأصلية، ويحجزهم عن بلوغ النجاح ألف قيد وقيد، وتدفن مواهبهم تحت ركام المظالم، ويكبت طموحهم، وتختنق أنفاسهم بتلوث السحب السوداء، ولا يكادون يرون لون السماء من فرط ثقل وظلمة «طائر الرخ».
نعم ثانية، محمد صلاح قطعة من قلب مصر، والمصريون إذا أحبوا فلا راد لعواطفهم، ولا حدود للولع، فما بالك إذا أحبوا أنفسهم في شخص محمد صلاح هذه المرة، فهم يرون فيه حقيقة المصري حين يعاد اكتشافه، وتنزاح العوائق من طريقه، وليس كالمصريين شعبا يحتاج إلى استعادة الثقة بنفسه، وبملكاته ومواهبه الكامنة المطمورة، وكان المصريون هم أول الدنيا، وأول الحضارة والترقي والتمدن، وهم الآن ليسوا كذلك بالتأكيد، وإن كان شعورهم الداخلي ينبئهم بما يحلمون، وقد وجدوا في محمد صلاح نافذة وإشارة إلى المجد الذي يستحقون، خصوصا أن لعبة كرة القدم لها الشعبية الأولى عالميا، وفي مصر أكثر، ربما لأنها مباراة تحكمها قواعد، والمشاهد له عين الرقيب الحسيب على كل ما يجري، وله فرصة تقييم اللاعبين والحكام ونجيل الملاعب، وبلا فروق تكاد تذكر في الحقوق بين المتعلم ونصف المتعلم وحتى الجاهل، ونصف محنة مصر الحالية، في غياب القواعد وتواري الشفافية وقهر العدالة وانعدام تكافؤ الفرص، وهو ما لا يتوافر نقيضه بمصر سوى في ملاعب الكرة، وفي صراع الأقدام بعد حصار الأقلام، مما يجعل محمد صلاح، بحكم المهنة، عنوانا مفضلا لمحبة سواد المصريين، وملكا متوجا على عرش القلوب، وبشغف الانعتاق من ضيق الحال إلى سعة الحلم، فالمصريون يحلمون بالعدالة والحرية والكرامة والعلم والتصنيع، ووصل ما انقطع مع سيرة النهوض الذي كان، ومحمد صلاح بأصوله الريفية، وبتواضعه الجم وتفوقه الباهر، يقدم دليلا حيا للمصريين على إمكانية بلوغ الأحلام، وصناعة نهوض جديد يحتاج إلى معجزة خلق.
نعم ثالثة وليست أخيرة، محمد صلاح يبدو كصانع سعادة المصريين الوحيد الآن، وبغير تكلف ولا افتعال، ربما لأنه يذكرهم بما يصح أن يكونوا عليه، فالقصة أوسع في مغزاها من ملاعب كرة القدم، ومن جوائز عالمية، تتقاطر بالجملة إلى لاعب مصري، يبدو كواحد من جملة المئة مليون مصري، يعيد إليهم عظيم الثقة بقدراتهم، وتوحي سيرته الملهمة بالطريق إلى «صلاح» مصر كبلد، وليس مجرد «صلاح» استثنائي في عوالم الساحرة المستديرة.

كاتب مصري

في محبة محمد صلاح

عبد الحليم قنديل

- -

9 تعليقات

  1. It is one of the most wonderful articles I have read about this unique Egyptian young man Mohammad Salaah.

    Mohammad is areal good example for all our young generation.

    Thanks for our big figure writer Mr Abdelhalim Qandeel

    The Man who respects himself and his readers.

  2. الحمد لله انك انتقلت من السياسه بعد ان اديت الدور الذي رسمه لكم العسكر و الان جاء الدور الجديد من رياضه وسينما وغيرها مما هو مطلوب منكم للمرحله القادمه.

  3. سمير الإسكندرانى / الأراضى المصرية المحتلة ! ... لابد لليل ان ينجلى

    تَقدم الكابتن محمد صلاح قبل مشواره الإحترافى فى اوربا تقدم للعب لنادى الزمالك( وبفضل وكرم من الله رفضة النادى بحجة انه ليس مؤهلاً للعب لنادى الزمالك العالمى!!)
    تخيلوا ياعالم ياخلق نادى الزمالك رفض ( والحمدلله انه رفض ) ان يلعب له الكابتن محمد صلاح !!
    لو كان الزمالك قَبل ان يلعب له الكابتن صلاح لأصبح مثلة مثل آلاف التى يغتال مواهبها القائمين على الرياضة فى مصر ف هم مثلهم مثل مئات الآلاف التى يغتال مواهبها القائمين على الإقتصاد والزراعة والصناعة والسياحة والتجارة والصحة والتعليم فى بر المحروسة وهم فى الغالب الأعم غير مختصين وغير مؤهلين ومعظمهم من الجاهلين الفاشلين ! كل مؤهلاتهم انهم إما عساكر انصاف متعلمين وإما اقارب الوزير الفلانى وإما منافقين ومطبلين ومزمرين ومسبحين بحمد الطاغية المستبد عبفتاح السفاح!
    فحمداً لله على رفض مرتضى مهزوم ونادى الزمالك (العالمى!) للكابتن محمد صلاح!

  4. سؤال: هل سيفعل صديقك الجنرال بمحمد صلاح ما فعله بمحمد أبو تريكة؟

  5. سمير الإسكندرانى / الأراضى المصرية المحتلة ! ... لابد لليل ان ينجلى

    برجاء المشر
    يقول الكاتب ( نصف محنة مصر الحالية فى غياب القواعد وتوارى الشفافية وقهر العدالة وإنعدام تكافؤ الفرص)
    طيب ياريت يتكرم و يقولنا مين هو ياترى السبب فى محنة مصر ؟؟!
    مين ياترى السبب فى غياب القواعد ؟؟!
    مين ياترى السبب فى توارى الشفافية؟؟!!
    مين السبب فى قهر العدالة ( فقط للتذكرة عدالة العسكر حكمت بإعدام 75 انسان من الناجين من هولوكست رابعة العدوية ونهضة مصر !)
    مين ياترى السبب فى إنعدام تكافؤ الفرص؟؟!
    مفيش حد سأل نفسة لماذا ينجح مئات الآلاف من العلماء المصريين خارج مصر بينما تُغتال احلام مئات الآلاف مثلهم داخل مصر !!
    مفيش حد سأل نفسة لماذا يجازف مئات الآلاف من الشباب المصرى ويلقوا بأنفسم فى لُجة البحر فى قوارب الموت ولماذا يفضلون الموت غرقاً على الحياة فى جنة عصابة العساكر الحرامية ؟؟!
    مفيش حد عايز يسأل نفسه مين هم انصاف المتعلمين اللى خربوا مصر بجهلهم وفشلهم كل المجالات على مدار 66 سنة !!
    مفيش حد عايز يسأل نفسة مين الخاين اللى باع الأرض والعرض ؟ ومين اللى ضيع النيل ؟ ومين اللى بيحافظ على امن العدو؟ طيب ، مفيش حد عايز يسأل مين اللى سرق مصر؟ مين اللى شفط مصر ؟ مين اللى لهط مصر ؟ مين اللى نهب مصر ؟ مين اللى خرب مصر ؟ مين اللى دمر مصر ؟؟
    مين سبب النكسات والوكسات والنكبات والنيبات ؟؟!
    قد يقول احدهم ما علاقة محمد صلاح بكل ماذكرت ؟
    لا تتعجب فالمتسبب والمخرب والمدمر فى الرياضة هو نفسة من خرب ودمر الزراعة والصناعة والسياحة وهو من خرب ودمر الإقتصاد وهو من القى بفلًزات اكباد المصريين فى مغامرات عسكرية فاشلة وفى حروب خاسرة وهو يدرك تمام الإدراك انها خاسرة !!!
    ياترى عرفتو مين هو ؟ بتقولوا مين ؛
    لأ ، غلط ، مش خالتى فرنسا ولا خالتى حموأه الله يرحمهم !!

  6. قد يكون التهليل و الحديث عن محمد صلاح وقبل ذلك ابو تريكه، اعتراف من قبل الشعب ومن يقود هذا البلد وكتابه ومثقفيه ، اعتراف اننا ندور في حلقه مفرغه ، نتيجة ثقافة النقل التكرار ومحاصرة وحبس العقل بمحرمات تجاوزها الواقع والعلم ، ثم ماذا قدم محمد صلاح اكثر من عالمية الممثل عمر الشريف؟؟؟قد يكون طبيعيا الافتخار الواقعي بحمد صلاح من قبل المصريين، اما وان لا يبقى لهذا الشعب شيء في هذا البلد سوى الاهتمام بالسيد صلاح ، فيالها من ماساة .

  7. ربما من افضل ما كتب بحق اللاعب المصري الفذ لحد الآن
    .
    و قوة اسلوب الكتابة الذي يتمتع به السيد الكاتب لا يختلف عليه اثنان .
    .
    ولكن هل التمسح بالكتابة عن أسطورة حية يحبها و يحترمها معظم إن لم يكن كل العرب و المسلمون و بإسلوب قوي و متفرد ، يعفي صاحبه أو يعطيه جواز غفران أو مسامحة للإنحياز إلى صف من هدم اعظم تجربة وثورة شعبية كاسحة و سليمة انتظرها العرب كل العرب قبل المصريين ، فسيكون مثل صاحب الشأن ، واهم بدرجة كبيرة !
    .
    فبعد كل هذه الدماء بسبب الانقلاب و الترويج له …..أي غفران ممكن ؟!

  8. أخشى أن يأتي يوم يتهم فيه نظام السيسي صلاح بأنه متعاون مع الإخوان ويحجزوا على أمواله كما سبق وفعلوا بأبو تريكه وكثير من رجال الاعمال من قبل …

Leave a Reply to فوزي رياض الشاذلي/ سوريا Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left