إقفال باب الاجتهادين الديموغرافي والدستوريّ على الطريقة اللبنانية

[1]

تستند العمارة السياسية اللبنانية إلى جملة مقولات محاكية لفكرة «إقفال باب الاجتهاد» (التي لا أصل لها في تاريخ الفقه، وإنّما في نظرة معيارية إلى تاريخ الفقه).
ليست أقلّ هذه المقولات غرائبية مقولة «أوقفنا العدّ»، بمعنى إقفال باب تأثير العامل الديموغرافي على التناسبات والحسابات والتوازنات بين الطوائف الدينية ـ السياسيّة.
على الجانب الإسلامي لهذه المعادلة، الإفتراض أن يلتزم المسلمون بغضّ الطرف عن تراجع عدد المسيحيين بالنسبة اليهم، بل أن يبادروا على الدوام إلى «طمأنة» المسيحيين بأن تراجع نسبتهم الديموغرافية «لن يُرى» وسيجري التعامل معه كما لو أنّه غير قائم.
وهكذا، الحاجة اليومية للتذكير بأنّه «أوقفنا العدّ» ستعني بالنسبة إلى الجانب المسيحي أنّ «هاجس العدّ مع وقف التنفيذ» أو «العدّ مع تخفيضات» يزداد ضراوة كلما تواصلت عملية تأكيده بنفيه «على سبيل الطمأنة». في المقابل، عندما ينطلق المسيحيون من مقولة «إيقاف العدّ» كما لو كانت في الأصل فكرتهم، يعملون على الجمع بين إيقاف «العدّ من تحت» (نسبة المسيحيين إلى مجموع اللبنانيين) وبين الحؤول دون الإكتفاء بـ«العدّ من فوق» (نسب المسيحيين المكرّسة بالدستور المكتوب بنصف أعضاء البرلمان والحكومة وبالعرف الدستوري الشفوي في الرئاسة المارونية للجمهورية).
فالعدّ من فوق، مقطوعاً عن «كل تحت»، من شأنه ملء حصة المسيحيين «في الدولة» بشكل مختلف عن أحجام القوى السياسية ضمن المسيحيين. أما العدّ من تحت، مقطوعاً عن «كل فوق»، فمن شأنه التعريض بما للمسيحيين «في الدولة» نسبة لما للمسلمين فيها.
وهكذا يتحول «إيقاف العدّ» من الجهة المسيحية كناية عن «عدّ معلّق بين التحت والفوق»، لا هو «عدّ التحت» ولا «عدّ الفوق»، فيصير مطلوباً إهمال كل معيار عند وزن نسبة المسيحيين إلى المسلمين، وإستخدام مثقال ذرة دقيق عند وزن درجة تمثيلية النواب والوزراء والرؤساء المسيحيين إلى عموم المسيحيين.
لا يمكن تطوير صيغة دستورية وسياسية ذات حيوية وقوام وقدر من المناعة والمنعة في بلد متعدّد «جماعاتياً» على قاعدة طمس هذه الجماعاتية أو المكابرة عليها أو إنكارها أو ردّها إلى مجرّد حشرجة من الماضي أو تلفيق كولونيالي أو عطب في عملية التحديث. لا يمكن في المقابل التعامل مع الجانب «الجماعاتي» من الواقع على قاعدة «إيقاف العدّ»، خاصة وأنّ «إيقاف العدّ» سيتحوّل إلى «عدّ مع إيقاف التنفيذ» من الجهة الإسلامية، وإلى «عد كما لو كان عددنا الفعلي هو غير عددنا الآن» من الجهة المسيحية. الأشكال الجماعاتية من التماسك والتعبئة والممارسة والهوية والوعي ليست ثابتة، وليست قائمة بذاتها، لكنه لا يمكن التعامل معها على قاعدة «المكابرة العددية»، خاصة وأنّ هذه المكابرة العددية هي الشكل الأيديولوجي للصراع الديموغرافي في اللحظة نفسها التي ترفع فيها راية البراء من الديموغرافيا وهواجسها وشهواتها.
منحى آخر لـ«إقفال باب الاجتهاد» على الطريقة اللبنانية، يتّصل بالصيغة الدستورية القائمة منذ إتفاق الطائف، وبالضبط منذ إدخال القسم الأكبر من التعديلات على الدستور بمقتضى الإتفاق، وإهمال أو تحوير قسم آخر.
لا يبنى إقفال باب الاجتهاد الدستوري هنا على فضائل الصيغة الحالية، بل على الإحتراس من المجهول، أو من التوازنات الأمنية والسياسية والأهلية الحالية، وخصوصاً تغلبية «حزب الله»، كي لا يفتح هذا الباب على تقويض هذا الحزب ليس فقط للصيغة الدستورية الراهنة، بل للصيغة الكيانية اللبنانية ككل.
ليس كلّ هذا بتهويم، فالحزب فعلاً يعمل على إعادة صياغة الصيغة اللبنانية لتشبهه أكثر، بعد أن تركّز الرهان لعقود على أن يتشبه هو بهذه الصيغة. لكن هاجس تغلبيته وشموليته كحزب خميني غير كاف لإلغاء واقع حال الصيغة الدستورية القائمة، ناهيك عن تجميلها.
يقوم صلاح هذه الصيغة، على درء الخلافات بدلاً من تنظيمها، على إعادة إنتاجها كخلافات بدلاً من تجاوزها تدريجياً، أو تباعاً.
الدساتير لا تنبني فقط على ضمانات تعطى لكل مؤسسة وموقع على رأس الدولة، بل كذلك على مروحة من الضغوط المتبادلة، ومن الأوراق المتقابلة، التي تسمح للعبة المؤسساتية أن تأخذ مجراها، وأن تتفادى التعطيل. أما الصيغة القائمة من الدستور لبنانياً فيظهر أنها تقوم على العكس تماماً: تكريس الضمانات، على قاعدة تنحية أو شلّ الضغوط المتبادلة إلى حد كبير، وبالتالي عدم إيجاد إطار يسمح بأن تأخذ اللعبة المؤسساتية مجراها.
فبدلاً من تفادي التعطيل يجري تفادي اللعبة المؤسساتية نفسها، ويصير تجاوز التعطيل والفراغ في مؤسسة من المؤسسات الدستورية، عند كل منعطف، إنجازاً بذاته، يتحقّق بشقّ النفس، وبعد طول إنتظار ورجاء وقنوط، فينظم إستحقاق إنتخابي تشريعي بعد خمس سنوات على موعده الدستوري، وينتخب رئيس للجمهورية بعد عامين ونصف من شغور المنصب، ولا تقوم حكومة ولو بعد أشهر من «مكابدات التشكيل»، وهي الآن عقدة لا يبدو لها من إنفراج قريب.
الفصل بين السلطات على الطريقة اللبنانية أصبح نوعاً من «المتوازيات» التي بدلاً أن تمتلك دستورياً ضغوطاً متبادلة، تعرقل بعضها البعض لمجرد أنها متوازيات، وقصور متوازية. فالحكومة لا تنبثق من أكثرية برلمانية تعارضها أقلية برلمانية، إنّما الحكومة توازي البرلمان، وبالتالي نسب الكتل البرلمانية يفترض أن توازيها النسب الوزارية لهذه الكتل نفسها في الحكومة. رئاسة البرلمان تؤسس لشرعية موازية، والعلاقة بين رئاستي الجمهورية والحكومة هي علاقة بين «متوازيين» على رأس السلطة التنفيذية.
في كل هذا ليس هناك أبداً من خروج على الصيغة الدستورية القائمة. بالعكس، هي تطبيقية بامتياز. فهذه الصيغة تتيح لرئيس مجلس نيابي أن يبقى في المنصب مدى الحياة، في وقت يمكن فيه أن لا يتبدل رئيس الدولة في نظام عالمثالثي إنما يندر أن لا يتبدّل رئيس البرلمان كل هذا الوقت. ويحق للمجلس النيابي أن يمدّد لنفسه بدل المرة ثلاث مرات، بدل الإنتخاب، ولعذر أقبح من ذنب، هو أنّه لم يتمكّن من الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات. ويحق لرئيس الحكومة المكلف أن يبقى مكلفاً إلى أجل غير مسمّى، ولرئيس الجهورية ان لا يوقع على التشكيلة الحكومية المطروحة عليه أيضا الى أجل غير مسمى. في وضع مشابه للعقدة الحالية، يفترض في الديمقراطية البرلمانية اتاحة اللجوء إلى إنتخابات نيابية مبكرة، ولا سبيل إلى ذلك لبنانياً.
أما المجلس الدستوري، الذي جعل له الطائف صلاحية تفسير الدستور، فهذه سلبت منه عند ادخال البنود المتعلقة به كمجلس في صلب الدستور بعد الطائف، وحصر دوره في النظر بالطعون الإنتخابية ومراقبة دستورية القوانين. وبالتجربة، لم يقف حائلاً دون تمديد البرلمان لنفسه ثلاث مرات، بذريعة الفشل في الإتفاق على قانون إنتخابي جديد، أما على صعيد الطعون، فهو المجلس الذي أبطل ذات مرة نيابة فائز من دون أن يعيد الإنتخابات نفسها ولا أن يعطي المقعد للخاسر الأول، بل اختار الخاسر الأضعف لتوليته عليه.
سيقال أنّ كل هذا على سيئاته ينبغي أن يبقي على «إقفال باب الاجتهاد الدستوري» لأنه في الظروف الحالية هذا يفيد «حزب الله». هذا صحيح وخاطىء في نفس الوقت. أولاً لأنّ فتح باب الاجتهاد الدستوريّ لا يفترض أن يعني بالضرورة منطق «كل شيء أو لا شيء».فأن تضع نفسك مدافعاً عن صيغة عجيبة بدعوى أنّها متراس دون تمكّن «حزب الله» تتوهّم الطابع «الثوري» لهذا الحزب كما لو أنّه يخفي في جعبته صيغة بديلة، في حين أنّه كحزب يحسن التوظيف في أصناف التعطيل والتفريغ التي تتيحها الصيغة الدستورية الحالية، أكثر من أي شيء آخر.

٭ كاتب لبناني

إقفال باب الاجتهادين الديموغرافي والدستوريّ على الطريقة اللبنانية

وسام سعادة