بورصة السيستاني وشيوخ «مولينكس» في «قم» وإيران تسأل: لماذا تكرهوننا؟ جامعات أردنية بلا رؤساء وأكاديميين قريبا

بسام البدارين

Sep 10, 2018

حتى فضائية «سي أن أن» بدت فرحة وهي تعيد بث اللقطات المتعلقة بحرق قنصلية إيران في البصرة العراقية .
راقبت فضائيات لبنان مثلا: «المستقبل» تحدثت بحماس عن النبأ و«الميادين» تعاملت معه بدون صورة . و«المنار» كأنه عرس عند الجيران.
في محطة إسمها «بغداد» هتف الملثمون…«إيران… بره بره» وصديقي الشغوف بنظامي الملالي والأسد يستعير عبارة للإسرائيلي إيلي كوهين يوجه فيها التحية للمنتفضين في البصرة ويعرض مساعدة إسرائيل.
هل أصنف فورا بمستوى «أصحاب الشيطان الأكبر» عندما أمارس مثل هذا الإحصاء؟!
حسنا، محبتي فردوسي، سفير الجمهورية الإيرانية في عمان ظهر مرتين في غاية «الود والوداعة» على شاشة «الحقيقة الدولية» محاورا في ملفات المنطقة.
خلف الكاميرا يسأل الرجل كل سياسي أردني يستطيع مقابلته: لماذا تكرهوننا؟ لماذا لا ترسلون سفيركم لطهران؟!
نحاول هنا – رغم أنها ليست وظيفتنا – تقديم إجابة على هذا السؤال بصفتي أحد المواطنين الأردنيين.
وعلى أساس أني تماما ضد وجود إسرائيل ولا تعجبني سياسة الشيطان الأمريكي، ولا يمكنني رؤية الحق والصواب في سياسة السعودية، وأقول ما أستطيع ضد ثنائية الفساد والاستبداد في النظام العربي، وأعلم مسبقا أن أعداء الأمة يستفيدون من الحقن الطائفي.
يكره الشارع العربي إيران للأسباب التالية: وضاعة التوقيت في إعدام صدام حسين…وبراغماتية التعاون مع الشيطان الأمريكي في إخراج العراق العظيم من السكة… والامتناع عن قول ولو كلمة حق واحدة في التأسف على ضحايا ديكتاتور الشام.
ثمة أسباب إضافية: أبو الجماجم، الذي يظهر على شاشة أسمها التقوى منظرا لأسياخ الشاورما البشرية من أهل السنة، الإصرار على وجود البضاعة الإيرانية فقط في أسواق العراق.. تمكين اللصوص فقط من نهب وسرقة العراق الجديد، وتوفير الملاذ لخطاب «لن تسبى زينب مرتين» وتمويل شبكة موظفين بائسين تحاول التجسس على الأردن.
تريدون المزيد من الأسباب، حسنا ما رأيكم بالتالي: ضياع نصف تريليون دولار من أموال العراق. الاكثار من التجمعات التي تتوعد إسرائيل وتهتف للأقصى، دون عمل حقيقي لتحرير الأقصى. وأخيرا «انقلاب الحوثيين»، الذي مزق اليمن وسمح بإنشاء ما يسمى بالتحالف إياه.
توجد طبعا أسباب إضافية، لكن نكتفي الآن بهذا القدر حتى لا نغني … «أنا بكره إيران..هيييييه»!

شيوخ «مولينكس»

مجددا، مطالب أهل البصرة «خدماتية «وليست سياسية… لماذا يحرقون قنصلية إيران وليس أي مقر لحكومتهم؟!
طبعا، الإجابة سهلة وبسيطة ووردت تلميحا في تقرير «الجزيرة» عن الخبر، حيث هناك ثقة مطلقة من شيعة البصرة أن طهران لم تعد ترعى حقوق الطائفة، بل مصالح اللصوص الكبار، الذين يتاجرون مع حرسها الثوري.
رجل أعمال عراقي بارز قال إن فتاوى المرجع السيستاني – قدس الله سره – تقمصت دور البورصة وتصدر بالقطعة، حسب أوضاع الأسواق والنشاط الاقتصادي والنفوذ الأمني والجمهور المؤمن يفقد الأمل .
عند أهل السنة فتاوى تصدر عن شيوخ من طراز «مولينكس»، يبدو أن تلك العدوى تنتقل إلى «قم» أيضا، وليس حكرا «الأزهر الشريف» أو الوعظ والارشاد المخصص للبلاط في الأنظمة العربية.
تبث فضائية «رؤيا» الأردنية برنامجا خاصا عن جامعة الطفيلة التقنية جنوبي الأردن.
رغم الحراك وسقف الهتاف المرتفع بين حين وآخر وتظلم الناس وتذمر الدولة في مدينة الطفيلة، إلا أن شباب تلك الجامعة فازوا بمسابقتين دوليتين مؤخرا على مستوى العالم وتحديدا في ابتكارات الهندسة.
جامعة الطفيلة «نبتة برية» مدهشة وخالية من كوروستول الفوضى، التي تجتاح الجامعات وتساهم في الحفاظ على سمعة التعليم العالي الأردني، خلافا لما تفعله جامعات أخرى.
معنى ذلك أن «التميز» ممكن وانهيار مؤسسات التعليم العالي ليس قدرا عندما يفلح القوم، وتكون النوايا طيبة وحسنة.
اهتمام شاشة تلفزيون الحكومة مؤخرا بنقل تصريحات رئيس الوزراء بخصوص الأحداث المؤسفة في جامعة «آل البيت» لا يعكس إجراءات حقيقية بمستوى الحدث.

عدوى الجامعات

ثمة مشكلة في جامعات البلاد لا بد من التوقف عن إنكارها. ثمة تحطيم وتكسير مختبرات وأسلحة رشاشة ومشاجرات جهوية وعشائرية ومكاتب رؤساء تحرق وأساتذة يتم تهديدهم بالذبح، وعلامات تمنح على إسم العائلة وفكرة «أردنة» تشذ عن المطلوب ونظام بعثات بائس.
رئيس الوزراء الدكتور عمرالرزاز يتحدث بحسم عن «سيادة القانون» ووزير سابق للتعليم طالب بتوقف «كنس المشاكل تحت السجادة»، بينما يبلغنا أحد المحرضين على طرد رئيس جامعة «آل البيت» أن الخطوة التالية عمل مماثل في الجامعة «الهاشمية».
صحيح، لكن لا أحد يريد الانتباه، لأن تشكيل مجالس الأمناء مؤخرا يرتقي إلى مستوى الكارثة ويكرس الجهوية والعشائرية والمحاسيب، بعيدا عن أصحاب الخبرة وعن برنامج «المجتمع المحلي» ويقحم أشخاصا لا باع لهم ولا ذراع بالطبخة الأكاديمية برمتها لمواقع وظيفتها رسم السياسات.
لا يريد أحد أن يؤشر على خطأ ارتكبه في السياق وزير التعليم العالي البروفيسور عادل طويسي هنا.
عندما يتعلق الأمر بـ«التدخل الأمني» السلبي في الجامعات لا أحد أيضا يريد أن يسمع.

بالدفع الذاتي

عودة مختصرة لملف الجامعات الأردنية: إذا إستمر المنوال وفي ظل قناعة الجميع أن عدد الحراس والمزارعين في مقرات جامعات الحكومة أكثر من عدد المدرسين، وتكرار «طرد الرؤساء» سنصل قريبا لأعتى ما أبدعه العلم، جامعات بلا أكاديميين وتعمل بالدفع الذاتي.

مدير مكتب «القدس العربي» في عمان

 بورصة السيستاني وشيوخ «مولينكس» في «قم» وإيران تسأل: لماذا تكرهوننا؟ جامعات أردنية بلا رؤساء وأكاديميين قريبا

بسام البدارين

- -

10 تعليقات

  1. شاهدت بأم عيني بأحد وسائل الإعلام شاباً عراقياً حاملاً بيد صورة الخميني بالمقلوب وباليد الأخرى العلم الإيراني وهو يحترق أمام القنصلية الإيرانية بالبصرة!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. لماذا يكرهوننا !!! اعتقد ان السؤال يجب ان يكون كيف يحبنا البعض !!!لملذا يكرهوننا
    ١.لانكم تتاجرون بفلسطين وتدعمونها بحسب اجندة احتلالكم للمنطقة فهل يفلح احتلال لا اخلاقي في سوريا واليمن وبغداد وبيروت على رأي علي همداني في دحر احتلال مثله !!! وهل ينفع ان ينظر حيزبون (اسم شيطان ) عن خطايا ابليس وهما ينتميان لنفس الملة ! ملة قهر الشعوب المستضعفة وقتلها بحسب الهوية الطائفية !
    قصدك مسيو فردوسي لماذا نحبكم واطهر مؤسساتكم يلوثها الفساد والمحسوبيات وصغائر ذنوبها مليون قتيل سوري فماذا عن كبائرها ! لماذا نحبكم وانتم امهر من ينافق واسرع من يقتل ويحتل وينقلب حتى على مفاهيمه الطائفية لماذا نحبكم لان هذا النوع هو الحب الممنوع الذي يهتك شرف الاوطان ويسبح بحمد الاوثان لماذا نكرهكم ؟استاذ فردوسي !! لان اسمك ممثلا لجمهورية القتل وابلجرام هو استاذ جحيمي ! لان ايران واختها تل ابيب واخواتها في جزيرة قريش حولتا المنطقة الى مفرمة لحمة بامتياز وانتجوا ملايين اللاجئين وحرروا المنطق الثوري من نقاء الضمير ومضوا يسفحون الدم في طقوس عبادة شيطان ولم يشبعوا من الدم بعد لانهم اصيبوا بمزيد من التوحش لماذا نكرهكم لان الكراهية (وهي بالمناسبة كلمة لا يعرفها القاموس السياسي ولا تدخل لا المحبة ولا الكراهية في الناموس ناموس السياسة ) صمام امان كبير وقمة الوطنية والنقاء الثوري ان نكره المحتلين من كل الاصناف والاحجام لماذا نكرهكم لانكم سبيتم اكثر من خمسة الاف زينب في سجون الدكتاتور وليست هذه هي المشكلة بل المشكلة ان هذا الاجرام وقع تحت شعار رخيص لا يخلو من حقد.طائفي جبان على حسينيين جدد (لن تسبى زينب مرتين )! لماذا نكرهكم؟! لانكم كربلائيين فعلا ولكن في صف يزيد لماذا نكرهكم؟! مع انكم دعمتم المقاومة الفلسطينية لان الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها !! ولأنكم اتخذتموها مقاولة !!لماذا نكرهكم لانكم لوثنم شرف عذراء الامة وقبلة الثوار القدس يوم حولتموها ورقة توت لستر عورات الطغاة واولها جزاركم في سوريا لماذا نكرهكم ؟!!
    لاننا نقلد الله !! والله لا يحب الظالمين ! وكان اجدى يا استاذ جحيمي ان تسأل جمهور مرتزقتكم والمطبلين لكم كيف تستطيعون محبتنا !!

  3. حيث اشاع شيطون والمخاتير معا بين الناس ان ورق قرية شيطون مغطى مئه بالمئه بالذهب .. وجاي ياهالناس جاي .. وهبت الريح وهربجت النار .. وبدا توظيف البعوض .. حيث بدا المخاتير ومعارضيهم بتوظيف جيوش من الخدم والحشم والوزراء والعسكر يأمهم فريق من العمائم واللفات والربطات والشارات .. اجورهم ورق .. ورق ليس له قيمه الا بقيمة ورق شيطون … و ورق شيطون ليس له قيمه بدون سرقتة الدوريه لثروات البلاد وجزه لمال العباد و تعطيله لماكينات هذا وتشغيله لماكينات ذاك وتدميره للبنون هنا وتنميته للبنون هناك .. سرقات واحتيالات والاعيب ما كانت لتكون لولا وجود جيوش البعوض .. جيوش البعوض المرتزقه للمخاتير والمعارضه .. نتابع بعد الفاصل بامثله مبسطه لانواع سرقات شيطون وجزه الدوري للثروه والمخاتير والمعارضه . ابقوا معنا …

  4. *يا عمي في تشويش وخلط ف السالفة..؟؟!!
    *ليس دفاعا عن (إيران ) على الإطلاق..
    لكن يجب قول الحقيقة كما هي
    *إيران تتدخل (بالسياسة) العراقية
    ولا تتدخل (بالخدمات)..؟؟؟
    *نفس الشيء ينطبق على(أمريكا)
    تتدخل بسياسة العراق ولا
    تتدخل بالخدمات..
    *من هذا المنطلق القضايا الخدمية
    ف العراق بشكل عام و(البصرة)
    بشكل خاص مسؤولية الحكومة المحلية
    بالبصرة والحكومة المركزية ببغداد.
    *مسؤولين فاسدين وغير كفؤ ..
    سلام

  5. *مشكلة (البصرة ) ف الخدمات
    وليس ف السياسة.
    من هذا المنطلق المسؤول؛-
    أولا الحكومة المحلية
    ثانيا الحكومة المركزية.
    *(الفساد) مشكلة مزمنة ف العالم
    العربي (المنكوب )..
    سلام

  6. اخ سامح
    بعد الاحترام والتحيه،
    تقول
    *إيران تتدخل (بالسياسة) العراقية
    ولا تتدخل (بالخدمات)..؟؟؟
    تحت اي مبرر بحق السماء مسموح لها بذلك؟؟؟؟
    ثم ان تدخلها بالسياسة ثمنه حمايتها للفاسدين الذين يسرقون ثروة الشعب العراقي وبالتالي يمنعون االخدمات

    العراق بلد منكوب شاء من شاء وابى من ابى لكن نكبته بدأت عندما باع ابناء البلد ارادتهم للغريب
    رحم الله صدام حسين

  7. *عزيزي د.سامي حياك الله.
    أنا ضد سياسة (إيران ) العدوانية.
    لكن لا نحملها كل تقصير (بالخدمات)
    *في فساد مستشري بالعراق
    وفي واسطات ومحسوبيات
    وهذا موجود أيضا في معظم
    الدول العربية.
    *نفس السالفة ينطبق على
    سياسة (أمريكا ) ف السعودية كمثال..
    *أمريكا تتدخل في قرارات السعودية
    الخارجية ولا شأن لها بالداخل السعودي..
    *الخلاصة؛ سو ء الخدمات من سوء
    الموظفين المسؤولين عن هذه الخدمات
    وفسادهم .
    سلام

  8. تعدد العملات وسرقة الدول كان يا مكان في غابر الزمان .. كان هناك قرية معظم سكانها ما بين مزارعين وصناعيين وحرفيين و رعاة اغنام .. كانوا يتبادلون خدماتهم ومنتجاتهم فيما بينهم وبين القرى مباشره بلا حاجه الى تاجر او سمسار او درهم او دينار او ريال او يورو او دولار .. فكان المزارع مثلا يبادل بعضا من انتاجه من القمح او الشعير ببعضا من انتاج الراعي من لبن او لحم الغنم او ببعضا من خدمة الحرفي او ببعضا من انتاج الصناعي من الادوات او من خام الفضه والذهب .. استمر التبادل هكذا بينهم بعدل وسلام .. الى ان حل على مختار القريه ضيفا .. ابليس الشيطان .. ناصحا اياه بنشر اوراق على سكان القريه لتسهيل عمليات التبادل بينهم .. فقال المختار .. ويحك .. اجننت يا شيطان!! .. كيف سيبادل المزارع زرعه او الراعي غنمه مقابل ورق!! .. ورق!! .. فقال له الشيطان .. رويدا .. الورق الذي انصحك به .. ليس كالورق .. انصحك بورق يحمل صورتك وصور اجدادك وصور من الوطن .. ورق اكفله لك بخزائن ذهبي .. ورق يحميه جندي وعمالي وكلابي .. ورق فيه عمل صالح خيري .. لتسهيل التبادل بين سكان القريه والمدينه والبوادي .. اعجب المختار بكلام شيطون .. فقال .. توكل على الله .. خذ هذه صوري وصور اجدادي وصور الوطن .. متى ستاتيني بالدفعه الاولى من ورق الخير هذا؟؟ من هذا العمل الصالح لتسهيل امور المواطن والوطن .. فهمس شيطون .. عما قريب .. وتمتم .. بعد زيارتي للقرى ولف المعارضه والبوادي .

  9. هكذا هبت رياح التغيير وهبت النار وطار شيطون فرحا بفكرته .. ونادى .. جاي ياها المخاتير جاي .. حيث قام شيطون برحلات مكوكيه لزيارة مخاتير القرى الاخرى وعرض عليهم فكرة الورق .. بصورهم وصور اجدادهم وبعض من صور معالم قراهم عليه .. اعجبت غالبيه المخاتير بالفكره وما فيها من وجاهه وجاه ومصالح لهم .. وبدا شيطون العمل على طباعة الورق .. بدأ بطباعة ورق قريتة التي فيها خزانته الكبرى ثم بدا بطبع ورق الاخرين .. ورق كل قريه يتميز عن ورق القرى الاخرى باللون والصور ومقدار قيمتة مقابل ورق قرية شيطون …

  10. في سنة 1953 كان أشعيا برلين، الفيلسوف والمؤرخ البريطاني الروسي الأصل، قد كتب مقالة مسهبة بعنوان «القنفذ والثعلب: مقالة حول نظرة تولستوي إلى التاريخ»؛ أراد منها الغرض المبيّن في العنون الفرعي، وضمّنها اقتراح لعبة فكرية على الجمهور العريض، كما صرّح بعدئذ. لكنّ المقالة، على ضوء اللعبة التي فيها، اتخذت وجهة جدّية بالغة التعقيد، وخضعت لتأويلات شتى، واستخدامات متقاطعة في حقول فلسفية وأدبية نقدية وسوسيولوجية وسياسية… لم تخطر في بال الرجل.
    الجزء الأوّل في العنوان مستمدّ من بيت للشاعر الإغريقي أركيلوكس (680 ــ 645 ق. م.) يقول: «الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً هاماً»؛ وفي الفقرة الأولى من مقالته يميّز برلين بين أولئك الذين «يربطون كلّ شيء برؤية واحدة مركزية، بنظام واحد، أقلّ أو أكثر انسجاماً وإفصاحاً، واتكاءً على مصطلحاته يفهمون ويدركون ويتحسسون مبدأ كونياً منفرداً منظِّماً»؛ وأولئك، من جانب آخر، الذين «يقتفون غايات كثيرة، غير مترابطة غالباً، أو حتى متناقضة، إذا حدث أنها تترابط فذلك عبر سبيل الأمر الواقع، لأسباب نفسية أو فيزيولوجية، لا تتصل بأيّ مبدأ أخلاقي أو جمالي». الفئة الأولى من الشخصيات الفكرية والفنية، يتابع برلين، تنتمي إلى القنافذ (في عدادها أمثال دانتي، أفلاطون، لوكريتيوس، باسكال، هيغل، دستويفسكي، نيتشه، إبسن، بروست…)؛ والفئة الثانية تنتمي إلى الثعالب (شكسبير، هيرودوت، أرسطو، مونتين، إرازموس، موليير، غوته، بوشكين، بلزاك، جيمس جويس…).
    ولا تفوت برلين الإشارة الفورية إلى أنّ هذه اللعبة المقترحة على القارئ تعاني، مثل كلّ محاولة فرز ثنائي أو تصنيف تبسيطي، من معضلات عديدة ليس أولها الانزلاق إلى الشكلانية أو المدرسية، وليس آخرها الافتقار إلى الدقة والإفراط في الإطلاق. لكنها، حين لا تخضع للكثير من التمحيص النقدي والتدقيق الجدّي، تنفع في تسليط الضوء على جزء ما، كثير أو قليل، من الحقيقة، أو زاوية النظر الأحادية بالقياس إلى آخر موازٍ، أو المقارنة بما تنطوي عليه من إحكام الموازين. وفي المقابل، ثمة نموذج تولستوي الذي يستعصي على التصنيف في أيّ من الفئتين: أهو أقرب إلى شكسبير وبوشكين، منه إلى دانتي ودستويفسكي؟ أم أنه، في الحصيلة، لا يشبه أياً من الأربعة، ومن العبث أن تسري عليه قواعد اللعبة؟ خلاصة برلين، في ختام المقالة، هي أنّ تولستوي كان ثعلباً بالطبيعة، وقنفذاً بالاقتناع؛ وأنّ هذا الانشطار أسهم في إغناء أدبه، ولكنه تسبب في شقاء حياته أواخر العمر.
    والحال أننا نعثر، في ميدان النقد الأدبي الأنغلو ـ أمريكي تحديداً، على تصنيفات من طراز آخر، لا تنتهي إلى ترسيخ الثنائيات المتقابلة، أو المتضادة، ولكنها تغوص عميقاً في مفهوم الذات، لجهة المؤلف؛ ومفهوم النصّ، لجهة التأليف؛ وكلّ ما يتفاعل في قلب هذه الأقطاب، أو يتصارع. والناقد الأمريكي هارولد بلوم أحد هؤلاء الذين وضعوا على عاتقهم أمر التنقيب عن الأفق (القنفذي، إذا جاز القول)، أو السقف ( الثعلبي، ضمن إجازة مقابلة) لدى طائفة واسعة من الكتّاب؛ ولكن ضمن معيار مركزي آخر، هو «قلق التأثير»، عنوان أحد كتبه الأشهر. وقد يصحّ القول إنّ أحداً من كبار المشتغلين بالنقد والنظرية الأدبية لم ينجُ من اتفاق هنا أو اختلاف هناك مع آراء بلوم، على امتداد مسار نقدي طويل امتدّ على خمسة عقود ونيف، ونحو ثلاثين كتاباً، غير عشرات المؤلفات والسلاسل التي أشرف على تحريرها. وفي «موروث الغرب»، 1994، تناول بلوم التراثات الأدبية الغربية ومصائر الأعمال الإبداعية، وكان شجاعاً كعادته حين أشار إلى أنّ الغرب يقوم بتدمير المعايير الفكرية والجمالية في الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية؛ وثمة «بَلْقَنة» للدراسات الأدبية، على يد مدارس نقدية مثل النسوية واللاكانية (نسبة إلى المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان) والتاريخانية الجديدة والتفكيكية والسيميائية…
    لم يكن بلوم قد بلغ السبعين حين نطق بهذه الآراء، ولكنه في كلّ حال كان في منتصف العقد السادس، ولاح أنّ هذه الآراء تردّد أصداء موقف رجعي محافظ، غريب تماماً عن روحية الترحيب السابقة التي طبعت مواقفه من الفلسفة الأوروبية، ومن المدرسة التفكيكية بصفة خاصة (وهو التفصيل الذي شدّد عليه سعيد في مراجعته). وهكذا كان «شيخ النقاد»، كما يحلو للكثيرين أن يلقبوه، أقرب إلى مَنْ يراجع نفسه قبل أن يراجع الموروث الأدبي الغربي، وهي المراجعة التي سوف يعود إليها للمرّة الثانية في كتابه «كيف نقرأ، ولماذا»، 2000. المعلومات تنهال علينا من كلّ حدب وصوب، فكيف السبيل إلى الحكمة؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ينطلق بلوم من إشكاليته لكي يدخل في ما يشبه «التفاوض» مع القرّاء، حول أفضل القراءات وأفضل السُبُل للقراءة.
    ومنذ السطر الأوّل في الكتاب، يعترف بلوم أنه ما من طريقة واحدة محدّدة للقراءة الجيّدة، رغم وجود سبب واحد محدّد لكي نقرأ جيداً: هذا هو أفضل المُتَع التي توفّرها لنا العزلة، وهو من جانب آخر أكثرها قدرة على علاج النفس. وبهذا المعنى فإنّ أفق القنفذ يمكن أن يُفضي بالقارئ إلى سقف الثعلب، وأن تذهب به المعادلتان إلى رحاب قراءة مشتركة أوسع.

Leave a Reply to الكروي داود Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left